فلورنسا... غاليليو نجم ساطع في سماء مدينة خلّابة
«منشأ عهد النهضة ومهد الحضارة والفن» كلمات تصف تلك المدينة التي كانت في بعض مراحل التاريخ عاصمة إيطاليا: فلورنسا. تقع في شمال وسط إيطاليا وهي عاصمة إقليم توسكانا. تمتد على طول نهر أرنو وتعد 364 779 نسمة. تحيط بها التلال من ثلاث جهات وتنفرد بمشاهد طبيعية خلابة.اشتهرت فلورنسا على مر العصور بأهميتها في مجالات التجارة والفن والهندسة. حتى إنها دُعيت «أثينا القرون الوسطى». أسسها يوليوس قيصر عام 59 قبل الميلاد لتكون مقراً لجنوده. وعُرفت آنذاك باسم «فلورنتين». بدأ نجمها يستطع في القرن العاشر بعد الميلاد. وسيطرت على معظم مناطق توسكانا في مراحل مختلفة من التاريخ. حكمتها أسرة آل مديتشي من القرن الرابع عشر وحتى الثامن عشر. وأصبحت عاصمة المملكة الإيطالية بين عامين 1865 و1870.
تكثر في فلورنسا الساحات والجسور والنُصب والكنائس والمباني التاريخي. ولعل أبرز معالمها الكاتدرائية التي تُعرف باسم سانتا ماريا ديل فيوري (الدومو)، التي لا تزال تُعتبر أكبر مبنى شُيّد من طوب وطين في العالم، رغم مرور ستمئة سنة على الانتهاء من بنائه. عام 1982، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وسط فلورنسا التاريخي على لائحة التراث العالمي.شكلت هذه المدينة موطن الكثير من رجال الفكر والأدب والفن والهندسة. فقد عاش فيها تشيمابو وجيوتو، والدا الرسام الإيطالي، وأرنولفو وبيزانو، مجددا الهندسة والنحت، ودوناتيللو وبرونيلليتشي، مبتكرا عصر النهضة، فضلاً عن المبدعين ليوناردو دا فينتشي ومايكل أنجلو وغاليليو. صنع غاليليو أول مقراب له عام 1609، أي قبل أربعمئة سنة. وبهذه المناسبة قرر سكوت فوغل القيام برحلة غير تقليدية عبر فلورنسا بحثاً عن بعض المعالم التي خلفها وراءه عالم الفلك والفيلسوف والفيزيائي الإيطالي هذا.في رحلتنا شرقاً، تجاهلنا سيّاحاً يلتقطون صوراً سيئة لأبواب مبنى المعمودية الشهير التابع لكاتدرائية فلورنسا في منتصف الليل. تابعنا السير بضعة شوارع إلى الجنوب، متخطين أفضل مطعم في العالم لإعداد الشطائر، وصفاً طويلاً يتحرّك ببطء أمام تلك الفتحة الصغيرة في جدار مطعم «أنتيكو نوي» (أطلب ما تشاء مع الفطر). سرعان ما وصلنا إلى أفضل الساحات Signoria، فهي تحتوي على مزيج مناسب من منحوتات النهضة والمطاعم والحانات الفاخرة. كي تستمتع بمنظر هذه الساحة عليك زيارتها في وقت متأخر ليلاً حين تصبح شبه مقفرة. قاطعنا تمثال برسيوس وهو يقطع رأس ميدوزا وسألناه عن مكان تمثال غاليليو؟ فجاء رده مقتضباً: «لا أعرف». ثم سألنا النسخة عن تحفة مايكل أنجلو «ديفيد»، لماذا تبقين محاطة بسقالات دوماً، فيما يستقطب التمثال الأصلي أعداداً هائلة من الناس في صالة عرض الأكاديمية؟ فراحت تفكّر من دون التوصّل إلى أي نتيجة.لم يعرف أي من تماثيل الساحة موقع تمثال غاليليو لأنه نُقل بعيداً إلى زاوية في شارع خلفي لصالة أوفيزي. أينما نظرت في فلورنسا، تجد نزل غاليليو، كعك غاليليو، حتى آلة غاليليو لتصفيف الشعر. لكن عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي نفسه الذي اخترع المقراب قبل 400 سنة... يقاطعنا تمثاله قائلاً: «لكنني لم أخترعه». توقفنا ورحنا نتأمل هذا الرجل العظيم. يبدو من خلال وضعيته أنه دائم التفكير: تريد يداه الإمساك بالبعيد المستعصي، وتتأمل عيناه حقائق في البعيد. لكن على ضوء ذلك يبدو غاليليو رجلاً خانعاً، كما لو أنه سيخبرك أنك اجتزت نحو 6500 كيلومتر لتكتشف أن المقراب اخترع عام 1908 لا في 1609 ومخترعه رجل هولندي لا إيطالي. وقد تفكر في أن مسألة المقراب برمتها أكثر تعقيداً مما تبدو عليه... لنتنزه قليلاً على ضفة نهر أرنو.في الجهة المقابلة من النهر وراء التلال تلة أخرى تُرى من هنا. عليها يقع منزل أمضى فيه غاليليو سنواته الأخيرة تحت الإقامة الجبرية، بعد أن أدانته الكنيسة الكاثوليكية بسبب كل ما اكتشفه بواسطة مقاريبه. إلى يسارنا يقع مطعم Trattoria da Benvenuto الذي يشتهر بأطباق اللحم.متحف تاريخ العلومعلى ضفة نهر الأرنو أيضاً نرى متحف تاريخ العلوم، اسم جاف جداً يعتبره البعض ملائماً. لكن إذا تأملت في المعروضات الخاصة بغاليليو، فستلفت انتباهك لا محالة، خصوصاً ذلك الوعاء الزجاجي الذي يحتوي على إصبع عالم الفلك الوسطى في يده اليمنى التي تحوّلت اليوم إلى مجرد كتل بشعة من العظام والأربطة.يخطط هذا المتحف إلى افتتاح معرض خاص بغاليليو قريباً. رغم ذلك، تحتوي صالات المتحف على كل ما له علاقة بهذا العالم، مثل المجموعة المذهلة لمقاربه الباكرة، أبرزها تحفة مصنوعة من نحاس وزجاج استخدمها عالم الفلك جيوفاني دوناتي لمراقبة الكسوف عام 1860 ومجموعة واسعة من المقاريب العاكسة الباكرة المصنوعة من زجاج ونحاس والموزعة في مختلف أرجاء المبنى. لكن القطع الأهم معروضة في الطابق السفلي، حيث ترى أسطوانتين تسببتا بالمشاكل كافة. يبلغ طول إحداهما أكثر من متر بقليل، فيما لا يتعدى طول الأخرى المتر. ويوازي قطر كل منهما السنتيمترات فقط، وتحتويان على أنبوب من الخشب والجلد وُضعت عليه عدسات زجاجية. ويُذكر أنهما لا تكبّران الأشياء أكثر من 21 مرة. إنهما التلسكوبان اللذان أتاحا لغاليليو اكتشاف أقمار المشتري، ما دفع به نحو الهاوية: نحو البرهان العلمي على أن الأرض ليست مركز الكون وإدانة الكنيسة له واحتجازه في منزل على التلة.بازيليك سانتا غروتشيتقبّل الإيطاليون اليوم فكرة أن مقارب غاليليو لم تكن الأولى. إلا أنهم يصرون على أنه كان أول مَن أدرك أهمية ما رآه. اتضح لنا ذلك ونحن نقف متأملين روعة بزوغ فجر فلورنسا وإطلالة أشعتها من وراء بازيليك سانتا غروتشي الضخمة، مرصعة تدريجاً أحجار الساحة بلون ذهبي خلاب. تعود هذه الكنيسة الفرنسيسكانية إلى عام 1294، ويشكّل صحنها اليوم المثوى الأخير لمايكل أنجلو وماكيافيللي وروسيني وكثيرين من عظماء إيطاليا. لذلك تبدو نسخة فلورنسية مصغرة عن دير وست مينيستر.دُفن غاليليو أيضاً في هذه الكنيسة وإنما بعد فترة. فقد سُجي جثمانه في كنيسة قريبة صغيرة طوال قرن تقريباً قبل أن يُمنح دفناً مسيحياً. واضطر أن ينتظر بضعة قرون أخرى كي يمنحه البابا العفو عام 1992. لكن الصبر مفتاح الفرج. وكما نلاحظ اليوم، حظي العالم بضريح رخامي كبير في موقع بارز مقابل مايكل أنجلو. نعم، وضع غاليليو مجدداً في الزاوية. لكن هذا لا يُعتبر مسألة مهمة بالنسبة إلى مهرطق، أليس كذلك؟في الخارج، كانت شمس فلورنسا، إذا تجاهلنا نظرية كوبرنيكوس، تركض في السماء، مضفية على جدران المدينة ألواناً متعددة من الأصفر والذهبي. تبدو شطائر مطعمIl Trippaio المعدة للرحلات لذيذة جداً في لحظات مماثلة، مكافئة الأميركيين المستعدين للتخلي عن طعامهم التقليدي. كانت أحياء الجهة المقابلة من المدينة قد بدأت تنفض عنها غبار النوم في السوق المركزية، حيث تنهار تلال جبنة البارميزان عند أقل لمسة، وتتوافر المعكرونة بأشكالها وألوانها المتنوعة. كذلك تكثر في هذه السوق التوابل بأصناف لا تعد ولا تحصى، فتشعر أن حاسة الشم لديك قد تعطلت. صحيح أن كل زائر يُنصح بزيارة هذه المواقع بصفتها الأفضل تحت الشمس التوسكانية، لكنها باتت مألوفة جداً. لذا لن تستمتع برحلتك إذا اكتفيت بزيارتها، بل عليك القيام برحلة إلى أعلى التلة. استقللنا سيارة أجرة على الجانب الجنوبي من جسر فيتشيو واتجهنا إلىViale del Poggio Imperiale، قصر يرتفع بعظمة عالياً فوق المدينة.عند هذا القصر الذي تحوّل اليوم إلى مدرسة للفتيات على أعلى التلة انحرفت سيارة الأجرة يساراً، مجتازةً بوابة لتعبر طريقاً خاصاً تحده أشجار الجميز. وما هي إلا لحظات حتى وصلنا إلى مرصد Astrofisico. ومن على سطحه متّعنا ناظرينا بمشهد فلورنسا الخلاب.التقينا برجلين محترمين مسنين لا يعتمد تقديرهما لغاليلو على ما إذا كان المقراب من اختراعه. يقول موريتزيو لاندي بلجهة هادئة: «يقوم أناس كثيرون بأمور مهمة، لكنهم لا يعون أهميتها. لكن غاليليو فهم أهمية ما رآه».يملك موريتزيو وشقيقه أجيديو، بروفسور متخصص في علم الفلك في جامعة فلورنسا، مكتبين في المرصد، الذي يُستخدم راهناً لإجراء الأبحاث والتعليم، رغم أن بإمكانك رؤية الكواكب ومختلف السدم من هنا عندما يكون الطقس صافياً. وفي هذا اليوم الطقس صافٍ جداً. يوضح أجيديو، مشيراً إلى سماء خالية من أي شائبة: «في زمن غاليليو، اعتُبرت السماء خالدة لا يفسدها الزمن. وقد ظن العلماء أن القواعد الفيزيائية تتعطل خارج الأرض».لكنها لا تتعطل، حسبما أوضح غاليليو. وطبق عليها مبادئ كوبرنيكوس، «متخيلاً النجوم عوالم قائمة بذاتها، أمر نعرف اليوم أنه صحيح»، على حد تعبير موريتزيو، باحث في المرصد. وتابع موضحاً: «ترتبت على ملاحظته هذه عواقب وخيمة».نتيجة لذلك، تحوّل الكون من مجموعة منظمة تحتل الأرض مركزه إلى فوضى كبيرة لا تؤدي الأرض فيها أي دور. ويذكر موريتزيو وهو يقودنا إلى الجهة المقابلة من السطح، بعيداً عن فلورنسا: «لا داعي للقول إن الكنيسة الكاثوليكية شعرت بالاستياء».يشير أجيديو إلى التلة المجاورة وعلى فمه ترتسم ابتسامة. ويقول: «نفي إلى هناك. في ذلك الزمن، اُعتبر ذلك القصر البعيد عن المدينة منفى». أكد لنا أجيديو أن القصر يقع وراء أشجار الجميز، غير أننا لم نستطع رؤية المنفى، الذي لا يستطيع أحد أن ينكر جماله وروعة مراعيه وحقوله المليئة بأشجار الزيتون. لكن لحظة! هل كان هذا سجناً؟