كريت... جزيرة تستحقّ العناء

نشر في 15-06-2010 | 00:00
آخر تحديث 15-06-2010 | 00:00
بدا ذلك أشبه بمشهد من فيلم Exodus؛ مع فارق أن الممثلين في طريقهم إلى فلسطين كانوا يرتدون أثواب السباحة ويحملون مظلات الشاطئ. فتحت السفينة أبوابها الفولاذية القديمة وأنزلت جسر العبور. فخرجنا إلى الرمال الناعمة ونحن نرف بأعيننا من وهج شمس منتصف اليوم. كان الممر إلى أرض الميعاد عبارة عن حوض من المياه الدافئة التي تصل إلى مستوى الكاحل. ضمن مجموعات صغيرة، شقّينا طريقنا في المياه عبر شاطئ بالوس.

هذا الشاطئ عبارة عن ممر ضيّق من الرمال الزهرية اللون. من جهة، ثمة حوض سباحة طبيعي، ومن جهة أخرى، بحر كريت الذي تتماوج ألوانه بين الفيروزي، الزمردي والصفيري والمحاط بحلقة من الجروف الصخرية. الأمواج هادئة لكنها نشيطة بما يكفي لإنتاج الزبد. إنه أشبه بحوض سباحة مائج في أحد المنتزهات كما تخيّله الرسام ديفيد هوكني.

بالوس شاطئ يقع عليه السياح المحظوظون صدفة. إنه مكان تعثر عليه عندما تضيع خلال نزهة سيراً على الأقدام أو إذا كنت محظوظاً بما يكفي لتبحر في يختك الخاص. والأجمل من ذلك كله أنك تستطيع الوصول إليه بسهولة من خلال رحلة بحرية سياحية متدنّية الكلفة ليوم واحد. وتغطّي تكلفة الرحلة ساعات من الإبحار الممتع ونزهة ممتعة في طريق يتجه صعوداً نحو قلعة بناها أهل البندقية في القرن السادس عشر واستُخدمت في ما مضى كقاعدة للقراصنة اليونانيين.

توقعتُ أن تضم كريت عدداً كبيراً من المواقع المؤثرة كبالوس، فهي المقصد الأشهر في اليونان: يقصد ربع السياح هذه الجزيرة الجبلية الشهيرة بطعامها اللذيذ (فكريت منشأ النظام الغذائي المتوسطي)، تاريخها وشواطئها. وهذه التعددية بحدّ ذاتها مصدر جذب. تشيد بها كتب الدليل السياحي كثيراً كمقصد يضمن متعة المسافرين لأسبوع أو أكثر من دون داعٍ إلى القيام بأي رحلات مزعجة بين الجزر.

لهذا السبب اخترت وصديقتان لي كريت مقصداً لنا خلال عطلة قمنا بها أخيراً. لكن المواقع السياحية التي تحظى بالكثير من الترويج لم تنسجم مع تطلعاتنا. فكنوسوس مثلاً المعروف في الميثولوجيا الإغريقية بأنه قصر الملك مينوس وبيت المينوتور، كان عبارة عن سلسلة من الغرف والمعابد التي أعيد ابتكارها، ويُقال إن الكثير منها لا يشبه ما كان عليه. أما هانيا، ويُروّج لها بصفتها بلدة تتميز بطابعها البندقي وتضم عدداً من الشوارع التي تعج بالمحلات والكنائس الأنيقة، فيطغى عليها الازدحام وفروع سلسلات المتاجر الأوروبية.

كانت لدي أيضاً فكرة خاطئة. فخلال رحلاتي السابقة إلى الجزر اليونانية ذهبت إلى قرى رائعة تستأهل التصوير، مزينة بالنباتات المتسلقة ومطلية باللونين الأبيض والأزرق. لكن كريت تميزت بطابع واقعي أكثر: مدنها حديثة الطراز؛ وشواطئها التي يُعد الكثير منها جميلاً جداً، أفسدتها أماكن قضاء العطلات التي تنتشر فيها بشكل غير منظّم. كمسافرة، أحبذ رؤية العالم كما هو حقيقة في معظم الأحيان. لكن في خلال رحلتي هذه إلى اليونان، كنت أسعى إلى الهرب.

وجدت ضالتي في الجزء الشمالي الغربي من كريت الذي يتضمن شاطئ بالوس. على مدى ثلاثة أيام، استقرينا في فالاسارنا، مدينة هادئة على رغم أنها ناشطة. لا وسط لهذه المدينة بل مجرد مجموعة من الفنادق المتوسّطة التكلفة، متجر بقالة، متجر لبيع التذكارات، مقهى يطل على الشاطئ ومطعم. ما من فنادق فاخرة أو أي شيء من هذا القبيل.

حجزنا في مجمّع Plakures الذي يضم عدداً من الشقق المطلية باللونين الأبيض والأزرق. تشتمل كل غرفة على سرير من الحديد المشغول، أرضية من الرخام، أثاث عملي على الطراز المبتكر في شركة Ikea ومطبخ صغير كامل التجهيز. على رغم أن المنطقة جافة، إلا أن أرض الفندق مخضوضرة. فالممرات المرصوفة بالحصى التي تربط الغرف بحوض السباحة والمطعم محاطة بأشجار النخيل، التين والرمان. يتميز الفندق بطابعه اليوناني، تماماً كما كنت لتتخيله... لو أنك ألماني.

الواقع أن ملكية مجمع Plakures تعود إلى عائلة ألمانية وهو يتماشى خصوصاً مع متطلبات الأزواج الألمان المتوسطي العمر الذين يودون الاستلقاء تحت أشعة الشمس نهاراً وشرب العصير المنعش ليلاً. في البداية، لفتني التناقض الواضح بين السماء الزرقاء وبشرة النزيلات الزهرية اللون. لكن سرعان ما قدّرت طابع الفندق الثقافي المزدوج الذي يجمع بين النواحي الجيدة في اليونان (طعام ومناخ) وفي ألمانيا (فاعلية قصوى وفطور غني).

باستثناء نزهة واحدة (صودف أنها كانت مرهقة)، أمضينا معظم أيامنا في الاسترخاء على الشاطئ. ليست النزهة بحدّ ذاتها مثيرة للحماسة (ممر يمتد على 400 متر نزولاً على هضبة محاطة بالأشجار القصيرة) لكن في النهاية تُكافأون بالرمال البيضاء الناعمة والمياه الشفافة الممتدة إلى ما لا نهاية. المياه منعشة لكنها دافئة بما يكفي ليتمكّن شخص يبرد كثيراً مثلي من السباحة فيها. تمتد خلجان صخرية على كلا الجانبين، مع صخور رمادية ملساء تبدو وكأنها وُضعت خصيصاً من أجل لقطة رائعة. عند المغيب، تسخن الرمال ويصبح لونها زهرياً غامقاً، بسبب الأصداف الزهرية اللون التي سُحقت عندما جرفتها المياه إلى الشاطئ. يمكنكم الحصول على كرسي للاستلقاء مقابل سبعة دولارات لليوم، لكن لم يأتِ أحد يوماً لقبض الثمن. (من الواضح أن اليونانيين وليس الألمان هم المسؤولون عن هذه الواجهة البحرية).

كان سهلاً جداً أن نتّبع يومياً نمطاً يقضي بالاستلقاء تحت أشعة الشمس، السباحة وتناول العشاء في الفندق، عشاء يتضمن مازة تتألف من طبق كبير من جبنة فيتا، ورق العنب، العدس وسلطة اللبن والخيار والثوم المسحوق مع النعناع اليابس والملح والزيت، والمعكرونة المعدة على الطريقة البولونية. (ظننت أنني لن أسأم يوماً من أطباق السلطة اليونانية لكن ثبت لي أن هذا خطأ). غير أننا خلال اليوم الأخير لنا في فالاسارنا، قمنا بجولة في السفينة إلى جزيرة غرامفوسا وشاطئ بالوس.

جولات بحريّة

لا أشعر بالطمأنينة حيال الجولات البحرية النهارية. فغالباً، يتحوّل ما يبدو برنامجاً جذاباً إلى زيارة مجموعة من الأماكن العادية والبقاء لوقت طويل في المتاجر التي يملكها قريب منظِّم الجولة. لم تبدأ رحلتنا إلى غرامفوسا بشكل جيد. فقد أخبرنا وكلاء بيع التذاكر أن تكلفة الجولة البحرية الممتدة على ثماني ساعات تبلغ 30 يورو للشخص (41 دولاراً تقريباً)، أي ثلاثة أضعاف السعر المذكور في دليلنا السياحي. لكن عندما تظاهرنا بأننا {نفكّر في الأمر}، انخفض السعر إلى 20، 15 ثم 10 يورو (13 دولاراً تقريباً).

غير أنه ما إن أصبحنا على متن السفينة، بات كل شيء كما ذُكر في الإعلانات. تعبر السفينة إلى طرف كريت الشمالي الغربي، قطعة أرض صغيرة تحمل اسم Cape Vouxa. كانت جزيرة غرامفوسا محطتنا الأولى، صخرة ضخمة على رغم أن سفينة {القراصنة} الراسية أمامها تُشعر زوار هذا المكان نوعاً ما وكأنهم في ديزني. فكّرنا في الغطس لكن الشاطئ الصغير صخري وليس فيه الكثير من الفيء. فاتجهنا عوضاً عن ذلك إلى القلعة المدمّرة التي تعود إلى القرن السادس عشر.

كان ذلك قراراً صائباً فالنزهة التي استغرقت 25 دقيقة في طريق متعرّجة قليلاً استحقت العناء. كانت القلعة التي بناها أهل البندقية عام 1579 تُستعمل لقتال الغزاة الأتراك حتى عام 1692، بحسب ما ذُكر في الدليل. ثم استُعملت لاحقاً كقاعدة للقراصنة (وهذا ما يعلل وجود سفينة القراصنة في المرفأ). لربما عرفتم الآن سبب شهرة هذا الموقع المطل على الشاطئ وعلى مشهد للسفن العابرة من كريت إلى جزيرة أنتيكيثيرا. واليوم، تمثل الجدران القديمة والأقواس المتداعية مكاناً مثالياً لالتقاط الصور خلال العطلة.

عند عودتنا إلى السفينة، كان لدينا ما يكفي من الوقت لتناول غداء سريع قبل الوصول إلى بالوس. كانت عربة أميركية تقدم نقانق غير مغرية، بطاطا مقلية ومشوربات غازية بأسعار مرتفعة جداً. أما العربة اليونانية فتقدم مجموعة من الأطعمة الطازجة بأسعار مقبولة: السلطة اليونانية الطازجة، سوفلاكي الدجاج مع البطاطا المشوية اللذيذة وطاسات من العنب الأحمر الطازج طلبنا تغليف إحداها لنتناولها لاحقاً على الشاطئ كوجبة خفيفة. وفي هذه المرحلة أيضاً يمكنكم استئجار مظلة للشاطئ لاستعمالها خلال الوقفة المقبلة لثلاث ساعات في بالوس. لكن لا أنصحكم بذلك لأنكم تستطيعون استئجار المظلات بسعر أقل على الشاطئ، مقابل أربعة دولارات تحصلون على مظلة وكرسيّين.

بعد يوم رائع كهذا، قررنا تناول الطعام في أحد المطاعم وراء الفندق. لا يتوافر عدد كبير من الخيارات المتاحة ولم يبدُ معظم هذه المطاعم لافتاً. لكن حالفنا الحظ في Spilios، مطعم صغير على هضبة فوق فالاسارنا. كنا قد مررنا بالقرب منه مئات المرات لكننا غضّينا الطرف ظناً منا أنه يعوّل على موقعه المميز لا على أطباقه الشهية لاستقطاب الزبائن. وكم شعرنا بالأسف لحكمنا السابق عليه ففيه تناولنا أفضل طعام حظينا به على الجزيرة. كان كل شيء منزلي التحضير، من الفطائر المحشوة بالأعشاب وقليل من الشمرة إلى طبق المسقّعة بنكهة القرفة، والجبنة المحلية المائعة المسماة mizithira والكوسا. كان سعر هذه الوجبة مقبولاً جداً بالنظر إلى الوجبات الأخرى، فقد بلغت الفاتورة لثلاثة أشخاص مع ستة أكواب من العصير، 47 دولاراً.

هذا مثال آخر عن أنك تختبر أفضل ما في كريت في أماكن لم تخطر على بالك.

back to top