مخاطر التمنيات
ليس المقصود إدانة إدارة أوباما بالإشارة إلى أنها أمسكت بزمام الحكم مع مقاربة إلى الشؤون العالمية قد لا تطبق على أرض الواقع، فهكذا تجري الأمور عادة في السنة الأولى من ولاية أي رئيس جديد، وهذا ما حصل بالتأكيد مع الإدارة السابقة.
حذّر هانس مورغنتو منذ سنوات جيلاً من المثاليين الأميركيين من التخيل أنه في مرحلة معينة "سيُسدل الستار الأخير وستنتهي لعبة سياسات القوة"، بيد أنه من الصعب تحطيم آمال كهذه بالنسبة إلى أولاد عصر التنوير، الذين يؤمنون بشدة بالتقدم الإنساني والكمال. ظهرت آمال مشابهة في فجر القرن العشرين، في العقد الذي سبق الحرب العالمية الأولى، وانتعشت هذه الآمال مجدداً في أيام مورغنتو، فيما تحول السلام الذي تلا الحرب العالمية الثانية إلى مواجهة في إطار الحرب الباردة. ثم تجددت هذه الآمال في نهاية الحرب الباردة، عندما عبّر فرانسيس فوكوياما بشدة عن أن عهداً من المواجهات الإيديولوجية والتنافس بين القوى العظمى قد أفسح المجال أخيراً، وبشكل نهائي، أمام عهد من الليبرالية المنتصرة والسلام بين القوى العظمى. وفي يومنا هذا، تشكل القناعة المثالية نفسها أسس السياسات الخارجية لإدارة أوباما. ويتمثل الافتراض الأساسي في أن القوى العظمى تتقاسم اليوم مصالح مشتركة. وبما أن العلاقات جزء منها، "ينبغي ألا يُنظر إليها بعد الآن باعتبارها لعبة ربح وخسارة"، كما صرّح الرئيس أوباما في شهر يوليو من عام 2009. وترتكز عقيدة أوباما على فوز الأطراف جميعها وعلى التفاوض الناجح. وتتمثل "المهمة" الجديدة للولايات المتحدة، وفق وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، في أن تكون نقطة التلاقي الأبرز بين الدول، حاشدةً القوى في سبيل تعزيز المصالح المشتركة والسعي إلى حلول مشتركة لمشاكل العالم. استناداً إلى ذلك، سعت الإدارة إلى "اعادة ضبط" العلاقات مع روسيا، والانطلاق في سياسة جديدة من "الطمأنة الاستراتيجية" مع الصين، والسعي بشكل عام وراء ما وصفته وزيرة الخارجية كلينتون في الخطاب الذي ألقته في 15 يوليو 2009 بأنه "عهد جديد من الحوار الذي يستند إلى المصالح والقيم المشتركة والاحترام المتبادل". بالنسبة إلى إدارة تفتخر بنفسها لأنها براغماتية، يبدو أن هذه المقاربة تشتمل على الكثير من الأمنيات. فلا يعترف الرئيس أو مستشاروه بأنه، إلى جانب المصالح المشتركة، لدى القوى العظمى مصالح متباعدة وأحياناً متضاربة بشكل مباشر ولا يمكن بالضرورة التوفيق في ما بينها من خلال فهم أفضل. كذلك ترد الإدارة والمدافعون عنها بشكل سلبي على أي تلميح بأنه قد يكون لدى القوى العظمى مصالح متضاربة قد تعيق التعاون في ما بينها. هذا المبدأ الذي ينم عن تفكير واقعي هو ما وصفه أحد أشد مؤيدي أوباما، فريد زكريا، بـ"واقعية مزيفة". كذلك، هم يرفضون فكرة أن الفروقات الإيديولوجية بين القوى العظمى قد تعيق التناغم بين هذه القوى. وبصعوبة يعترف جاي جون ايكنبيري من جامعة برينستون، الذي أمّنت كتاباته الأساس الفكري لخطاب كلينتون البارز في شهر يوليو، بوجود فروقات مماثلة. فقد اعتبر أنه من الممكن التوصل إلى نظام دولي أكثر تعاوناً لأن "كل الدول الأقوى والأغنى في العالم صارت ديمقراطية الآن" و"القوى العظمى بحد ذاتها ديمقراطية". من المرجح أن الرئيس ومستشاريه لا يملكون أوهاماً كهذه، إلا أنهم لا يعترفون أيضاً بالمشاكل التي يطرحها واقع أن القوى العظمى هي في الواقع منقسمة ما بين الديمقراطية والاستبداد. ويبدو أن تصريحاتهم وسياساتهم تتجاهل احتمال أن حكومتي الصين وروسيا المستبدتين قد تنظران إلى العالم بشكل مختلف وتقيّمان مصالحهما بشكل مختلف، وذلك بوجه خاص لأنهما مستبدتان. قد يشعر المرء بأن إدارة أوباما تُعِدّ استراتيجية عالمية لعالم لم يعد موجوداً، أو بشكل أدق، لم يكن موجوداً يوماً، فقد تحدثت التوقعات التي تلت عام 1989 عن عالم أفسح فيه التنافس الجغرافي السياسي المجال أمام التعاون الجغرافي الاقتصادي، فأعاد انتصار الليبرالية الشامل صياغة القوانين القديمة لسياسات القوى العظمى، كما فهمها مورغنتو. كان يُفترض أن يكون ذلك هو عهد التقارب، وجل ما كان مطلوباً دولة أميركية حكيمة بما يكفي لتوجيه العالم نحو اتفاق حول القضايا المهمة التي يُفترض أن تتوافق عليها كل القوى بشكل طبيعي، ولكن بحسب رواية إدارة أوباما، ظهر جورج بوش الابن في ذلك الوقت ودمّر هذه الفرصة الكبيرة بسياساته العدائية الأحادية الطرف. والآن بما أن عهد بوش قد انتهى، يستطيع العالم أن يستأنف تقاربه في ظل التوجيه الملهم للرئيس الأميركي الجديد.
لكن هذه الرواية تغفل تطورين بارزين حصلا في العقد الماضي: عودة التنافس بين القوى العظمى إلى البروز وهيمنته على العلاقات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند واليابان وغيرها؛ والقوة المذهلة التي تتحلى بها الرأسمالية الاستبدادية باعتبارها بديلاً قابلاً للحياة للرأسمالية الديمقراطية الليبرالية. ففي روسيا مثلاً، أدى هذا الخليط إلى وطنية وسياسة انتقامية تميزان القوى العظمى وتجعلان التعاون صعباً، وفي بعض الأحيان مستحيلاً. فنتيجة إصرار روسيا على دائرة مصالح جغرافية سياسية في أراضي إمبراطوريتها السابقة، من الصعب تفادي حالات "الربح والخسارة" في أوروبا الشرقية والوسطى والقوقاز. في هذا الإطار، تتعارض المصالح الروسية والأميركية في ما يتعلق بإيران، فمن شأن رغبة موسكو المبررة في الحصول على المال والنفوذ، التي ستُقوض بفعل أي تقارب بين واشنطن وطهران، أن تطغى على المصلحة المشتركة التي تتمثل في منع انتشار الأسلحة النووية. وتتدخل سياسات القوى العظمى حتى في المصلحة المشتركة الأرقى: التغير المناخي، فالصينيون الذين يعتبرون الولايات المتحدة مصممة على الحؤول دون بروزهم وبسط سيطرتهم على شرق آسيا، لا يستطيعون إلا أن ينظروا إلى الضغوط الغربية المبذولة في سبيل خفض انبعاثات غازات الدفيئة باعتبارها جزءاً من هذا المسعى، بغض النظر عن الجهود الحثيثة التي تبذلها إدارة أوباما لتقديم ضمانات لهم. ليست هذه إلا أمثلة قليلة عن عالم فيه تباعد بقدر ما فيه من تقارب، وحيث يمكن لتضارب مصالح القوى العظمى ذات الطموحات المتنافسة ووجهات النظر العالمية المتعارضة أن يطغى حتى على المصالح المشتركة التي عددها كل من الرئيس أوباما والوزيرة كلينتون، ونستطيع أن نضيف إخفاقات أخرى "إلى عهد الحوار الجديد": رفض إيران القبول باليد الممدودة بصدق التي عرضها الرئيس أوباما؛ وتعطيل مسيرة السلام في الشرق الأوسط، على الرغم من الجهود المضنية التي بذلتها الإدارة؛ والعجز عن الفوز بأي مساعدة صينية تُذكر في مسألة كوريا الشمالية. ويفترض بهذه جميعها أن تكون إشارات إلى أن العلاقات الدولية لم تدخل فعلاً عهداً جديداً، وأن بعض "الصيغ القديمة" التي تصر الوزيرة كلينتون على أنها "لا تُطبَّق" الآن قد تكون أكثر قابلية للتطبيق مما قد يقر به فريق أوباما.ليس المقصود إدانة إدارة أوباما بالإشارة إلى أنها أمسكت بزمام الحكم مع مقاربة إلى الشؤون العالمية قد لا تطبق على أرض الواقع. هكذا تجري الأمور عادة في السنة الأولى من ولاية أي رئيس جديد. وهذا ما حصل بالتأكيد مع الإدارة السابقة، لكن السؤال هو: بأي سرعة تستطيع الإدارة الحالية التكيف وابتكار مقاربة تتلاءم أكثر مع العالم الحقيقي؟