ظاهرة توقيع الكتاب كتبٌ... ماذا نفعل بها؟

نشر في 20-10-2009 | 00:00
آخر تحديث 20-10-2009 | 00:00
No Image Caption
في زمن مضى قال أبو الطيّب: «وخير جليس في الأنام كتابُ». وكانت الكتب ذات ورق يشتهي ما كُتب عليه من كلام، فلا زاعموا كلمة ولا مشتهو قافية يصلون زورًا وكذبًا إلى ساحة الأدب، ولا دواليب مطابع تتناسل الكتب تحتها بأرقام وأوقات قياسيّة، وعلى سنَّة أحمد شوقي: «تخال من الخرافة وهي صدقُ». وقد قال شاعر لبنانيّ عتيق، في معرض الكلام على تهيّب الكتابة زمن الإذاعة اللبنانيّة والغربال الضيّق الثقوب: «كنّا نمارس الكتابة مثل العادة السرّية، ولم تكن لي الشجاعة لأُطلع عاصي الرحباني على نصّ أنا كاتبُهُ...»

ربّما لسهولة اقتناء القلم والورق ماديًّا، صار أهل الكتابة في مجتمعنا العربيّ يشكّلون نسبة لا بأس بها من عدد السكّان، تدنّت نسبة القرّاء وهواة المطالعة لصالح الكتّاب، فنادرًا ما نجد قارئًا يكتفي بمتعة القراءة، مقتنعًا بأن الله لم يهبه القدرة على اصطياد سمك المحابر الغريب برأس قلمه، وأنّ الإنسان لا نقْصَ فيه إن لم يكن روائيًّا أو شاعرًا أو باحثًا في القانون والسياسة... في حين أنّنا نتعرّف كيفما التفتنا على حامل قلم يظنّ أنّ القصيدة بعده ستأوي إلى أقرب مَيْتَم ويجفّ في صدر الدّنيا عسل القوافي.

وأتت ظاهرة توقيع الكتاب «لتزيد الطين بلّة». بينما هي من حيث المبدأ نشاط ثقافيّ وإبداعيّ راقٍ، فمَن مِن عشّاق القصيدة العربيّة، مثلاً، لا يرغب في كتاب وقّعه المتنبّي بسيفه بعدما امتلأ الغمد حبرًا؟ وأيّ ديوان أثمن من ديوان سكب أبو نواس على صفحته الأولى ما بقي في كأسه؟ وهل أغلى من «نبيّ» جبران يوقّعه بالدمع الشهيّ نازلاً من ناي، أنيفُه يبقى بعد أن يفنى الوجود؟ وإذا اقتربنا من زمننا قليلاً، فمن منّا يتنازل عن ديوان وقّعه له محمود درويش بعصير برتقال فلسطين، أو عن ديوان ترك نزار قبّاني على أوراقه ما يتركه النّهد صباحًا على حرير الغلالة؟... إلا أنّ هذه الظاهرة، عندنا، أساءت إلى البيئة قبل إساءتها إلى الكلمة، وصرنا أمام جبال من الكتب تحتاج إلى إعادة تصنيع لترجع ورقًا أخضر في أغصان الشجر. فكم من شجرة تنتسب إلى الحياة والجمال خسرناها ليزيد منسوب البشاعة والسخافة والفراغ!

لا شكّ في أنّ الذين يوقّعون الكتاب قسمان، أحدهما من حَمَلَة الأقلام بجدارة واستحقاق، وكتابهم يذهب إلى بيوت الناس ويصير من أهل البيت فلا تحمله رفوف المكتبات «سخرة»، والآخر، وهو الأكثر عددًا والمالئ الدنيا من دون أن يشغل الناس، وأهله محشوّون ادّعاء وأمّية، يبْلون الناس بكتب كانت ذات قدرة أكبر على التثقيف والتبشير بالجمال قبل أن يشوّه السواد بياضها.

في مجال التأليف يبدو حائط الأدب هو الأقلّ ارتفاعًا نسبة إلى الاقتصاد والفلسفة والقانون وحتّى، نسبة إلى كتب الطّبخ. ومن بين الأنواع الأدبيّة يبدو الشّعر الحديث جذّابًا أكثر من غيره، على رغم أنّ قارئيه ليسوا غير الذين يكتبونه، إلى حدّ قد يسمح بالقول: كل قارئ شعر حديث يكتب شعرًا حديثًا. وثلاثة أشهر كفيلة بولادة جديد: شهر للتأليف، وثانٍ للطباعة، وثالث لإنجاز الدعوة ومستلزمات لقاء التوقيع.

يجلس الموقِّع محاطًا ببضعة أسماء تحترف التبخير وقراءة الكفّ أدبيًّا، وتتبارى في إعطاء الصفات والألقاب للشاعر العظيم... ومسك ختام الكلام للمحتفى به، الذي اتّفق مع المصوّرين قبل الاحتفال على تصويره بوضعيّات تظهره رجل فكر ورؤيا، كأنّ يحدّق إلى البعيد، أو يرفع يده اليمين دالاً على شيء ما لا يراه سواه... ليأتي قصاص الوقوف في طابور يبدأ ولا ينتهي، ولا بدّ من شرح مكوّنات هذا الطابور وتفصيلها. إذا استثنينا السياسيين الحاضرين لأسباب سياسية أو انتخابية، يتألف الطابور من ثلاثة: أشباه الشعراء والأدباء الذين يلبّون الدعوة بهدف المبادلة ـ والدنيا واجبات ـ وهم يعرفون أنّ الداعي هو من حزبهم، وهو صيّاد ظلال عصافير... لا عصافير. والأهل والأقرباء والجيران، وهم الآتون حياءً، ومعظمهم لا يقرأ، ويحرص على الاحتفاظ بالكتاب الموقَّع في البيت خشية أن يزورهم الموقِّع ولا يراه متصدِّرًا المكتبة. وبيقى هؤلاء المورَّطون بعلاقاتهم الثقافيّة، الآتون بدافع الإحراج، وهم يعرفون سلفًا أنّهم خاسرو وقت ومال ومتكبّدو عناء لأجل كتاب قد لا يصل معهم إلى البيت، ولمثل هؤلاء الصّبر والسلوان.

ولافت جدًّا أن توقيع الكتاب تحوّل إدمانًا، فالموقّعون لا يتركون سنة تمضي من دون أن يمضوا كتابًا، والمدعوّون سيتكرّرون كلّ عام ويضاف إليهم الذين تعرّف عليهم الشاعر حديثًا، ولو في السوبرماركت، لأنّ الموقّعين يحملون الخلوي أيضًا ويسجّلون الأرقام بسرعة لافتة ويكفي أن يصافحوا إنسانًا مرّة واحدة ليحصلوا على رقم هاتفه ويصير أوّل المدعوّيين في حفلة التوقيع. وإذا سئل أحد شعراء التوقيع عرضًا: هل لديك من جديد لهذا العام؟ يجيب بـ{نعم» أين منها «نَعَمُ» من لم يقل لا إلا في تشهّده، و{نَعَمُ» العروسين في احتفال الزواج الماروني.

{بازار}

يكون حظّ المدعويّن إلى احتفالات التوقيع جيّدًا إذا كان الموقّع يوقّع كتابًا واحدًا، لأنّ بعض شعراء التوقيع وأدباءه، يصدر ثلاثة كتب وأربعة سنويًّا، وعندها يشعر المدعوّ أنّ عليه رهن ساعته أو خاتم الزواج لدى الداعي العظيم إلى أن يتمكّن من إحضار المبلغ المرقوم. ومعرض كتاب واحد كفيل بأن يلزم المرء المبتلي بالعلاقات الثقافية بأكثر من عشرين توقيعًا. وجدير بالذكر أنّ شعراء وأدباء صحيحي النّسب إلى الخلق والإبداع يغيبون عن احتفالات التوقيع، على رغم أنّ عشاق كلمتهم وطالبي يدها كثيرون، وهم يعلنون على شرفات بيوتهم أنّ ظاهرة توقيع الكتاب أساءت إليهم ويرفضون الدخول إلى هذا «البازار»، مكتفين بعرض إنتاجهم على رفوف المكتبات والمعارض. وفي الوقت عينه، نجد بعضًا من الشعراء المجيدين يوقّع بلا أيّ إحراج، وينحدر مستواه الأدبي سنة بعد سنة لأنه تحوّل مدمن توقيع شأنه شأن مشتهي الشّعر وأدعيائه.

اجتازت ظاهرة توقيع الكتاب، لدينا، الحدود التي تسمح بالعذر والتغاضي، ووصلت الوقاحة مع قسم من الموقّعين أن يدعو لتوقيع الكتاب نفسه المدعوّين سابقًا مع الإلحاح، لأنّ الموقِّع يُدْعى أحيانًا إلى لقاءات أدبيّة ويحتاج إلى حضور مغلوب على أمره. وكأن أديب زمانه عرف أنّ المدعوّين سابقًا لم يقرأوا كتابه، والأرجح أنّهم أيضًا لم يسخِّروا رفوف مكتباتهم بحمله. وثمّة طريقة أكثر وقاحة للتوقيع، كأنّ يزور المؤلّف المدعوّين الذين لم يتمكّنوا من حضور احتفال التوقيع ويهدي إليهم كتابه في بيوتهم، وفي هذه الحال، يكون ثمن الكتاب «شرفيًّا»، لأنّ المعاينة الأدبيّة في البيت تختلف عن معاينة العيادة...

من المؤسف حقًّا أن إعلامنا الثقافيّ إعلام علاقات ومصالح ومال، وأنديتنا وحركاتنا الثقافيّة تساهم في تجويف الثقافة وتسطيح الفنّ وتهميش المواهب، وتفتح أبوابها واسعة لمنتحلي الألقاب الفضفاضة...} لا مكان لدينا، لا مرجع يمرّر كتابًا على «المعاينة الأدبيّة»، ولا ناقد يلتحق بمارون عبّود ويقول: «النقد لم يترك لي صاحبًا... والمصيبة في ظاهرة التوقيع أنّها تشجّع صاحبها، على الأقلّ ماديًّا، ليستمرّ في خداع نفسه والإساءة إلى الكلمة وأهلها، فلو أنّه ترك كتابه بعهدة المكتبات لأَكَلَهُ الغبار وربّما في ذلك ما يعيده إلى رشده، لكنّ التوقيع يردّ له كلفة الكتاب الماديّة وما يزيد، فيتمادى في السطو السنويّ على أوقات الناس وراحتهم وجيوبهم.

نخرج من احتفالات التوقيع بكتب لا نعرف ماذا نفعل بها، ونعترف مرّة بعد مرّة بأنّنا ما كنّا نشارك في توقيع الكتاب بل في وقوعه. 

back to top