اتحاد المغرب العربي لم يوطد علاقات أعضائه
في ذكراه الحادية والعشرين لاتحاد المغرب العربي الذي تأسس في مدينة مراكش المغربية، عام 1989، يشكّل هذا الاتحاد تجمّعاً لخمسة بلدان من شمال إفريقيا- ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا- والذي جاء استجابةً لـ»طموحات شعوبنا في تحقيق الوحدة والتكامل الاقتصادي»، كما ورد في البيان الافتتاحي الرسمي. لكن بعد مرور أكثر من عشرين عاماً، تقلّص التكامل الاقتصادي بعض الشيء وتراجعت الوحدة إلى حد كبير بين أعضاء اتحاد المغرب العربي مقارنةً عما كان الوضع عليه عند تأسيس الاتحاد. في الواقع، تمحورت الأنباء الرئيسة حول العداوة الكبيرة بين بلدين من الدول المؤسِّسة، الجزائر والمغرب، أكثر مما تطرقت إلى الوحدة الموعودة بين الدول الأعضاء.
عُقدت آخر قمة لاتحاد المغرب العربي في تونس، عام 1994، ومنذ ذلك الحين، انتقلت الرئاسة إلى ليبيا بعد رفض الجزائر تولّي دورها في رئاسة الاتحاد. قال العقيد معمر القذافي، انطلاقاً من صلاحياته كرئيس اتحاد المغرب العربي، وبأسلوبه الصريح والمحرج أحياناً، «يجب تجميد اتحاد المغرب العربي»، مذكّراً بفشله في إحراز أي تقدم على جميع المستويات، لكن القذافي كان يعبّر صراحةً عن انزعاجه الخاص في حين همست الأطراف الأخرى بما يزعجها سراً.يُفترض أن يتمكن المواطنون في الدول الأعضاء الخمس في اتحاد المغرب العربي من السفر بحرية ضمن الاتحاد، لكن الحدود بين الجزائر والمغرب مسدودة منذ 15 عاماً. فُتحت الحدود في مناسبة واحدة، السنة الماضية، حين مرّ الموكب الإنساني البريطاني «شريان الحياة» عبره إلى غزة، وشعر المواطنون على طرفي نقطة العبور بالخيبة لأنهم تأملوا في أن تبقى الحدود مفتوحة. لا تستطيع العائلات الموجودة على بُعد كيلومترات من الحدود داخل الجزائر أن ترى أقاربها في المغرب، والعكس صحيح.لاتزال المشاكل التي وتّرت العلاقات بين الجزائر والمغرب طوال عقود تجمد أعمال اتحاد المغرب العربي: خلافات على الحدود والأرض بين دولتين رئيستين في اتحاد المغرب العربي. تقاتلت الدولتان المجاورتان في ما يُعرَف بـ»حرب الرمال» عام 1963 بسبب إعلان المغرب سيادته على قطعتي أرض في منطقتي تندوف وبشار، علماً أن فرنسا ضمتهما إلى الجزائر خلال حقبة الاستعمار.ثم ظهرت قضية الصحراء الغربية لتعزيز تدهور العلاقات بين البلدين، ما شكل برأي عدد كبير من المراقبيين ضربة قاضية على أي آمال بنشوء اتحاد بين دول شمال إفريقيا. من جانبه، أعلن المغرب سيادته على الصحراء الغربية، في حين أعلنت حركة استقلالية تُعرَف باسم «جبهة البوليساريو» دولتها الخاصة في المنطقة، باسم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، بدعمٍ واسع من الجزائر.يعتبر محللون كثيرون أنّ حرب الستينيات كانت السبب الرئيس الذي دفع الجزائر إلى دعم دولة البوليساريو، التي أًعلنت عام 1976، مالياً وسياسياً. اعترف أكثر من 70 دولة في العالم بالجمهورية الصحراوية، لكنها ليست عضواً في اتحاد المغرب العربي. بغض النظر عن ادعاءات الطرفين والادعاءات المضادة بين الدولتين المهمتين في شمال إفريقيا، تبقى النتيجة واحدة: شلل تام و»موت سريري» في عمل اتحاد المغرب العربي الذي ينتظر «دفناً» رسمياً! لم تُطبق عملياً أيٌّ من مشاريعه الكثيرة أو مبادراته المشتركة، حتى أن بعضها لم يحصل على الموافقة أصلاً. يُعتبر البنك المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية الذي أُسّس عام 1991 آخر هذه المشاريع المعلّقة. لم يبدأ البنك بالعمل حتى الآن بعد ثماني سنوات من تاريخ إطلاقه عام 2002. تعود فكرة قيام مغرب موحد إلى السنوات التي سبقت الاستقلال حين اجتمع ممثلون عن الأحزاب السياسية من تونس والجزائر والمغرب، في مدينة طنجة، في أبريل 1956، للدعوة إلى انخراط بلدانهم في سوق مشتركة واحدة مع اعتماد سياسة خارجية موحّدة. إنّ أقرب نموذج لاتحاد المغرب العربي هو إطار العمل الذي وُضع حديثاً للاتحاد الأوروبي مع إجماع رئاسته وأعضائه على موقف موحّد بشأن قضايا السياسة الخارجية، على الأقل في ما يتعلق بالمسائل الكبرى كالهجرة وحرية تنقل المواطنين والسلع. يتفاوض الاتحاد الأوروبي منذ سنوات مع كل دولة من اتحاد المغرب العربي على حِدة بشأن المشاكل المشتركة مثل الهجرة غير الشرعية، وحصص الصيد البحري، وإمدادات الطاقة، والسيطرة على الحدود.لقد تلاشت التوقعات باعتماد سياسة مشتركة- ما يمكّن المنطقة من التفاوض ككتلة واحدة- منذ وقت طويل، مع أن الاتحاد الأوروبي يفضل التعامل مع اتحاد المغرب العربي أيضاً. كذلك، تلاشى آخر أمل بقدرة اتحاد المغرب العربي على المساعدة في منع نشوب حرب جديدة بين المغرب والجزائر.كانت التوقعات تطمح إلى إنشاء هوية مشتركة في شمال إفريقيا بالإضافة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي وحرية التنقل عبر الحدود، لكن من بين الاتفاقيات الكثيرة التي وُقعّت على مدى سنوات، يذكر الموقع الإلكتروني الخاص باتحاد المغرب العربي اليوم أربع اتفاقيات مزعومة تم إقرارها، غير أن أياً منها لم تسهم في تغييرات عملية على أرض الواقع بالنسبة إلى أغلبية الشعب الذي أُسس الاتحاد المغربي باسمه. اقتصرت النتائج التي طالت حياة الشعوب اليومية على العلاقات المحصورة بين تونس وليبيا والجزائر، وهي علاقات مبنية على روابط تاريخية ولا علاقة لها بالاتحاد.تعطي هذه العلاقة الثلاثية بعض الوعود في تحقيق اتحاد معين. أدى تسهيل المعاملات على الحدود بين هذه الدول الثلاث إلى وصول التكامل إلى مستويات غير مسبوقة في مجالات التجارة، والسياحة، والتبادلات الثقافية. يتوجه ملايين الليبيين إلى تونس سنوياً للحصول على العلاج الطبي والاستفادة من النشاطات الاقتصادية والسياحية، أو القيام بزيارات عائلية. يحصل الأمر نفسه مع تدفق الناس والسلع بين الجزائر وتونس. أحدثت هذه العلاقات فرقاً كبيراً بالنسبة إلى ملايين الأشخاص، لكنها نموذج محدود عن الوحدة، وهو يبقى خارج إطار اتحاد شمال إفريقيا، سواء كان اسمه اتحاد المغرب العربي أو غير ذلك. إذا أراد اتحاد المغرب العربي تفعيل عمله يوماً وتقديم المنافع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لملايين الناس في الدول الأعضاء، فإن عليه أن يتحلّى بإرادة سياسية أقوى بكثير. أدى الإيمان بأوروبا موحدة وقوية إلى إنشاء الاتحاد الأوروبي. بالطريقة نفسها، لابد من وجود إرادة سياسية قوية وإيمان متجدد بمهمة اتحاد المغرب العربي للنجاح في إحراز تقدم فعلي تمهيداً لإنشاء اتحاد فاعل. حتى لو حُلّ الخلاف بشأن الصحراء الغربية، سيبقى هدف توحيد شمال إفريقيا مجمّداً مع مرور الزمن ما لم يؤمن أحد باتحاد المغرب العربي.* أستاذ أكاديمي ومحلل سياسي، مركزه طرابلس.