عادل الذيب... إمام أميركيّ الطراز

نشر في 11-04-2010 | 00:00
آخر تحديث 11-04-2010 | 00:00
يمكن اعتبار عادل الذيب نموذج الإمام الأميركي الطراز. ففي حلقات تعليم القرآن في الجامعة الأميركية، يأتي هذا الإمام البالغ 28 سنة على ذكر النائب الأميركي كيث إليسون (ديمقراطية من مينيسوتا) والممثل الفكاهي ديف شابل (كلاهما مسلم)، موقع TMZ.com، حياة الأخوية، والرئيس باراك أوباما.

ينادي الذيب بالتسامح والحياة المدنية المثالية. يرتدي هذا الإمام بزة مقلمة بخطوط رفيعة، ويشذب لحيته على طريقة مشاهير مجلة GQ. كذلك يتقن فن الخطابة الحماسي والحيوي، الذي تعلمه في الكلية المعمدانية حيث تخصص في علم التواصل. يرغب الذيب في أن يصبح جزءاً من الجيل الأول من الأئمة المولودين في الولايات المتحدة. لكنه سرعان ما اكتشف أن هذا الدرب أصعب مما كان يتوقع.

بعد أشهر من البحث العقيم عن عمل، يقول الذيب: {مما أسمعه من الأكبر مني سناً، أرى أن الإمام صار وظيفة تمتهنها عندما تُقفَل في وجهك الأبواب كافة. أصبحت الخيار المهني الأخير}. أو كما تقول زوجته، طالبة الحقوق نوهايا جاويد الذيب (23 سنة)، {يمكن لكل رجل يطيل لحيته ويحمل قرآناً أن يُصبح إماماً}.

مع هجمات 11 سبتمبر عام 2001 ونشأة جيل من مسلمين مولودين في الولايات المتحدة، ظهرت الحاجة إلى قادة روحيين متعمقين في الثقافة الأميركية. على رغم ذلك، يدير شؤون معظم المساجد الأميركية اليوم أئمة من الخارج لا يتكلّمون اللغة الإنكليزية بطلاقة. لكنهم يجيدون العربية وحفظوا القرآن. وهذان المطلبان الوحيدان اللذان يُفرضان على الإمام في معظم البلدان الإسلامية.

صحيح أن هؤلاء يستطيعون إمامة الصلاة، إلا أنهم لا يتمتعون بمهارات التواصل اللازمة كي يصيروا قادة في مجتمعاتهم. فعليهم، مثلاً، التحدث إلى وسائل الإعلام عن الإسلام، الترويج لحريات المسلمين المدنية، ترؤس مناسبات تضمّ أشخاصاً من مختلف الأديان، وإعداد برامج شبابية توّد عائلات مسلمة أميركيّة كثيرة توفيرها لأولادها.

توضح إنغريد ماتسون، رئيسة الجمعية الإسلامية لأميركا الشمالية: {أعتقد أن الولايات المتحدة أدركت أخيراً أن الأئمة الكفوئين لا يظهرون من تلقاء نفسهم. يلزم إعدادهم}.

يعتبر الذيب أن الحاجة إلى قادة دينيين أميركيين مدربين كبيرة جداً. ويروح هو وزوجته يقرآن لائحة بالقضايا التي طلب فيها شبان أميركيون مسلمون نصيحتهم: رجال يتساءلون ما إذا كانوا مثليي الجنس، نساء يناقشن ضرورة ارتداء الحجاب، وآخرون يتساءلون إذا كان من الأفضل أن يجوعوا بدل أن يتناولوا لحماً ليس حلالاً.

يخبر الذيب عن الأئمة القادمين من بلدان أخرى: {لا أريد أن أهينهم، لكنهم لا يتقنون الإنكليزية. يسأم الأولاد من طرح أسئلة كثيرة. لذلك يلجأون إلى الإنترنت للبحث عن إجابات, وهذا خطأ}. يضيف الذيب: {من الضروري، لا بل أكثر من ضروري، تدريب أئمة هنا يفهمون مشاكل الأميركيين المسلمين ومعاناتهم}.

لكن لا تتوافر برامج رسمية لتدريب الأئمة في الولايات المتحدة ولا معايير تحدد ما يلزم أن يتلقوه من تعليم، أجر، أو فوائد. يُعتبر مدخول الإمام متواضعاً. يقول عدد من القادة المسلمين إنه إذا تقاضى 40 ألف دولار سنوياً، فهذا مبلغ جيد. علاوة على ذلك، لا يتحلى الأئمة بالمكانة نفسها في المجتمعات، كما رجال الدين المسيحيين أو اليهود.

يعكس سعي الذيب وراء وظيفة تحديات تغيير تعريف الإمام في الولايات المتحدة.

ولد الذيب في نيو جيرسي وترعرع في ضواحي دالاس. وبما أنه الولد البكر في عائلة مهاجرين باكستانيين، توقع أهله أن يصبح طبيباً أو محامياً، على غرار سائر رجال الأسرة. وهذا ما كان ينوي فعله إلى أن زار مكة خلال سنوات مراهقته. فعندما وقف أمام الكعبة التي بناها إبراهيم، شعر، على حد تعبيره، بروعة التاريخ وعظمته وبقربه من الله.

عندما عاد إلى الولايات المتحدة تبدلت حاله. فصار يصلي في مسجد واكو بتكساس ويلقي الخطب. وبعدما حاز شهادة في إدارة الأعمال من جامعة بايلور، عمل مشرفاً على عيادة لطب القلب. غير أنه تاق إلى تمضية مزيد من الوقت في دراسة الإسلام.

دراسات إسلامية

حصل الذيب على شهادة في الدراسات الإسلامية بعدما درس في نهايات الأسابيع وصار المتحدث باسم الفرع المحلي من مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية. كذلك حاول إيصال أفكار الإسلام إلى عضوين في الكونغرس من تكساس، وساهم في توجيه مناقشات أجريت مع وزارتي العدل والأمن القومي بشأن الحقوق المدنية.

تحتوي سيرته الذاتية على تجارب دينية أخرى كثيرة. فقد علّم الشباب في المساجد، نظّم مأدبات الجمعيات الخيرية الإسلامية وحفلات جمع التبرعات، وعمل مع الطلاب المسلمين في الجامعة الأميركية.

لكنه لاقى صعوبة كبرى في العثور على عمل في المسجد يتقاضى لقاءه أجراً. فبخلاف رجال الدين المسيحيين أو اليهود، لا تتوافر للذيب مواقع تعرض الوظائف الشاغرة في المعاهد والمدارس الدينية أو مجموعات تحدد شروط التوظيف أو منظمات طائفية تساعده في العثور على عمل. فقد اتصل بكل مَن خطر على باله وتصفح موقع WorkHalal.com الإلكتروني، ولم يعثر إلا على خمسة أماكن فقط في أرجاء البلد تطلب إماماً.

لا يتحلى الذيب {بالمظهر الملائم. فهو ليس مسناً ولا غزا الشيب شعره. هذا ما نعانيه في مجتمعنا. إنه صراع الجيل القديم مع الجيل الجديد}، بحسب رضا باكوس، أمين سر لجنة الأئمة في مسجد السلام في هيوستن، الذي يضم 250 عائلة. كان هذا المسجد يبحث عن إمام منذ أربع سنوات لأن الإمام الأخير {لم يملك فهماً كافياً للثقافة الأميركية}.

عوائق

ليس سن الذيب العائق الوحيد. فعندما يتصل بالمساجد ليسأل عن وظيفة شاغرة، يُطرح عليه السؤالان المعهودان: هل حفظت القرآن؟ هل تجيد اللغة العربية؟

يوضح الذيب: {أسعى إلى تحويل نقاط ضعفي إلى مصدر قوة. أقول: هل حفظت القرآن؟ لا، لكني أتعلم المزيد منه يومياً. ولا أتكلم اللغة العربية بطلاقة، إنما أدرك أهمية تعلّمها. كذلك أحاول إبراز مزاياي: أجيد جمع التبرعات والتحدث إلى الناس. كذلك أملك قدرة على الإقناع}.

لا يرضى الذيب بدوره بأي عمل يُقدَّم له. فيشبه معظم المساجد في نظره {حانة رياضية أميركية في إنكلترا}، حانة تصبح مقصداً للأميركيين المغتربين كلهم. لذلك يريد مكاناً ناشطاً فيه عائلات شابة كثيرة، مجلس مدراء، واهتمام بالسياسة والتواصل مع أديان أخرى: {أريد مكاناً يضم صالة لتدريب الكاراتيه وملعباً لكرة السلة، حيث يرغب الجميع في التقدّم نحو المستقبل}.

يعكس أسلوب الذيب في الخطابة والتعليم مزجاً بين رجل الأعمال والإمام. فآراؤه العقائدية إيجابية. ويشدد غالباً على ما يعتبره حكمة الإسلام، نجاح الأميركيين المسلمين في مجالي الرياضة والسياسة، والحاجة إلى تعزيز ثقة المسلمين بأنفسهم في زمن يتنامى فيه الإجحاف بحقهم. وأحد مواضيعه المفضلة العلاقة بين الأديان، خصوصاً أهمية أداء المسلمين الأميركيين دور السفير في مجتمعات أخرى.

يفضل الذيب موقف الوسط في شتى النقاشات، مركّزاً على الإطار الثقافي، لا القواعد الصارمة بشأن ما هو حلال وما إذا كانت الدردشة عبر الإنترنت مع شخص من الجنس الآخر مقبولة.

يقول هذا الإمام لطلابه: {ابحثوا عن إمام تثقون به. وإذا كان ما يعلمه منسجم مع ما تشعرون أنه صائب، فاقبلوا به. لكن لا تحاولوا العثور على إمام يرضي رغباتكم}.

لتسامح الذيب حدود. ففي منتصف شهر فبراير (شباط) الفائت، نصح الطلاب بعدم الاحتفال بأعياد الأديان الأخرى. وخلال حلقة لتعلّم القرآن في الجامعة الأميركية بعد بضعة أسابيع، اضطُر إلى خوض موضوع شائك حين سأله التلامذة: أيمكن لغير المسلم أن يكون صالحاً؟ هل مصيره نار جهنم؟

وبعد أن طلب رأي عدد من الطلاب، أجاب: {يعود القرار لله. فقد يذهب أشخاص غير مسلمين إلى الجنة فيما ينزل مسلمون إلى جهنم. هذه مسألة فردية. فكل شخص سيُحاسب أمام الله}.

يبقى مستقبل الذيب غامضاً. ومع أنه يجري مقابلات مع قيمين علىمساجد في مختلف أنحاء البلد، بدأ يفكر في خيارات بديلة متاحة أمامه، من بينها فتح مركز لتدريب أئمة مسلمين للجامعات. كذلك يفكر في دخول المعترك السياسي أو العمل بروفسوراً وخطيباً دينياً. فهذه الخيارات في نظره أقرب إلى الواقع من أن يصبح إماماً أميركياً بدوام كامل.

back to top