محمد الحجيري في صباح بيروت والشحرورة تتشابهان
يصح القول عندما نقرأ «صباح» (إصدار خاص - توزيع {مؤسسة المعري}) لمحمد الحجيري أنه قد أخذنا في رحلة معرفة ممتعة انطلاقًا من بطلته صباح، ليستعرض وجوهًا فنيّة وشخصيات هامة أثّرت في مسار هذه الفنانة الكبيرة أو كانت لها علاقة بمجرى أحداث الكتاب.ما عدا الجانب السردي المحبّب، تناول الكاتب حياة صباح بطريقته الخاصّة. فهو لم يستنسب التأريخ المنهجي لسيرتها، ولم يتوقّف عند أعمالها ناقدًا صارمًا، ولم يركّز على جانب معيّن من جوانب حياتها التي تضجّ بالأحداث، بل سكب كلّ هذه الأمور في قالب رشيق تعبق من تعابيره نسائم المحبة والإعجاب بفنانة كبيرة أخلصت لجمهورها، وانتهجت لحياتها طريقًا مغايرًا لطرق زميلاتها.
لقاءلم يتمّ اللقاء الأول بين الكاتب والمطربة عندما كانت في ذروة مجدها، ولم يكن الحوار قائمًا بين صحافيّ ومطربة، إنما حصل عام 2003 ضمن جوقة من الصحافيين استقبلوها في صالون جريدة «البلد» المطلّ على حرج بيروت. حينها لم يجد الكاتب شيئًا جديدًا في أجوبتها، لكنّه يقول: «بدا لي كأنني أعرفها منذ عقود، أو هي شيء من ذاكرتي. اعتدت مشاهدتها على شاشات التلفزة، وسماع صوتها الجبليّ ـ الريفيّ الحاد والقوي على أثير الإذاعات العربية، إضافة الى حديث الناس عن أزواجها، وطرائقهم حول جراحات تجميل خضعت لها، وكرمها الحاتمي».تتبّع الحجيري أخبار صباح منذ صغره. لم تفته عنها شاردة ولا واردة. كان معجبًا بصوتها وبجرأتها، لكنه وقف على الحياد بالنسبة الى حياتها الخاصة، مع علمه بأدقّ التفاصيل. احترمها كفنّانة اجتهدت على نفسها كثيرًا لتصل إلى مرتبة قلّما وصلت إليها باقي الفنانات، واستعرض بعض مراحل حياتها التي شغلت المجتمع في سهراته وندواته، لكنّه لم يقف إزاءها ديّانًا يقاضيها ويبتّ بأمور دنياها. وهذا من شأن الصحافيين المترفعين الذين يتعالون عن الانغماس في الأمور الحميمية الخاصّة، ويتطلّعون إلى الفنان من خلال موهبته وعطاءاته. راح الكاتب يتأمل ماكياج «الشحرورة» فرأى علامات الزمن ترتسم على وجهها، علامات لم تمحها جراحات شدّ الوجه. وحملته المودّة التي يكنّها في أعماقه الى التفكير بلمس خدها بأصابعه، هذا الخدّ الذي طلته مساحيق التجميل ومع ذلك لا تزال صاحبته مشرقة كفتاة في مقتبل العمر.تساءل الحجيري في قرارة نفسه: «كيف تحمّلت صباح عبء مقابلات صحافية كثيرة طوال هذه السنوات؟ الأرجح أن صبرها كصبر أيّوب في علاقاتها بالأخبار والحكايات والصور والأزياء، لم لا؟ وقد تزوّجت أكثر من نصف دزينة من الرجال، أو هي عاشقة الديمومة والاستمرارية، تتغلّب على اليأس في أحرج اللحظات، وهي العاشقة إلى حدود الحبّ، وهي الفنانة التي تحب الحياة والعيش». نقيضانصباح، حسب قوله، هي نقيض الفنانة فيروز في كلّ شيء، إلا في انطلاقتهما الفنيّة. لقد مثلت فيروز إحدى صور النرجسية والغرور في رواية «الذات اللبنانية»، فهي وجه الكنيسة الطقوسي والأيقونة المقدّسة «وسفيرتنا إلى النجوم» ومطربة المثقفين إلى غير ذلك من الألقاب التي أسبغها عليها الأدباء والشعراء.أمّا صباح فهي فنانة كلّ الناس والأقلّ حظًا باهتمام المثقفين، ولم تسعَ يومًا إلى أن تصبح «أيقونة»، كما لم يطلق عليها الشعراء أوصافًا في مقام «الأعجوبة» و{المعجزة». لم تُصب صباح بالغرور والعجرفة، ولم تمارس التكبر والانزواء، فهي ضدّ الأسرار بامتياز، ولم تتوانَ يومًا في الإجابة عن أي سؤال. و{أسطورة» صباح الحقيقيّة في حياتها المتناقضة، إنها حكاية تشبه بيروت بوجوهها الكثيرة. لقد أفلست صباح بسبب إسرافها وكرمها وحبّها للحياة، لكن قدرتها على التجدّد أبقتها في ربيع دائم حتى بعد الثمانين من عمرها. بينما يغطي الوقار وجه فيروز المتخفي وراء نظارة شمسية، لتهرب من جمهورها ومن وسائل الإعلام، وتعيش في نمط رتيب بخلاف «الصبوحة».مع القادةابتعدت صباح عن السياسة مكرسةً وقتها لفنها وجمهورها، لكنها كانت تحبّ السياسيّين، ولها معهم محطات شيّقة لا تزال تتذكرها، فهي كانت «تعبد» الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون، لكنّه لم يبادلها الحبّ. ساندها ووقف إلى جانبها وكان يزورها في بيتها للاطلاع على وضعها، ولم يتأخر في إحدى المرات عن إطلاق سجين حكم عليه ظلمًا بناءً على طلبها.كان الرئيس شمعون يحضر مسرحيات صباح وحفلاتها كلّها، ويحرص دومًا على انتظارها وتهنئتها. وأحبّت بعده الرئيس الياس سركيس الذي بقي عازبًا، وذلك قبل انتخابه، لكن هذه العلاقة لم تستمر أكثر من 10 أشهر، علمًا بأنهما جارا طفولة وطالما خرجا سويًا عندما كان ضمن فريق عمل اللواء فؤاد شهاب.لا تخفي صباح إعجابها بالرئيس أمين الجميل، ولا تتوانى في التصريح بأنها تحب أمين عام «حزب الله» حسن نصرالله. أما ما بقي محفورًا بذاكرتها فهو تلك اللحظة التي جمعتها بالرئيس رياض الصلح، والتي رواها الكاتب روبير أبي نادر. كان رئيس الوزراء اللبناني الراحل رياض الصلح يشاهد مسرحية في «التياترو الكبير» في وسط بيروت، ويقدّم الأدوار هواة من أبناء العائلات البيروتية، وطلب الجمهور من المراهقة صباح الصعود إلى المسرح وإنشاد موّال تحيّة إلى الرئيس الصلح في فترة الاستراحة عقب الفصل الأول. فاحمرّ وجه الفتاة حياءً، وتردّدت، لكن تصفيق الحاضرين أجبرها على الاستجابة، فصعدت إلى الخشبة وراحت تصدح بالمواويل الشعبيّة، وما إن خرجت من كواليس المسرح ومرّت بالقرب من المقصورة حيث يجلس دولة الرئيس حتى استوقفها وطبع قبلة أبوية على خدها وقال لها: «أحسنت يا عروس!».وتذكر صباح في علاقاتها الخارجيّة بأنها تخلّت عن الجنسية المصرية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ولم يتردّد الرئيس أنور السادات في إعادتها إليها، وهي لا تنس تكريم الرئيسين الراحلين التونسي الحبيب بو رقيبة والسنغالي ليوبولد سينغور، وتحفظ العرفان للرئيس السوري الذي تكفّل بعلاجها على نفقته. وتخبر الرأي العام بوعد العقيد الليبي معمر القذافي بشراء بيت لها، لكنّ هذا الوعد أصبح من الذكريات المريرة. أحلامولدت صباح في عائلة متواضعة بعد مرور سبعة أعوام على تأسيس دولة «لبنان الكبير» ونحو عقد على نهاية الحرب العالمية. وقد شكلت تلك المرحلة مفصلا تأسيسيًا للحداثة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فحذا المجتمع البيروتي حذو المنتدب الفرنسي الجديد، وأدى الاقتداء به إلى كسر بعض القيود وإلى تأثير عميق في الذهنية اللبنانية، فطرحت قضايا المرأة ومن بينها تعليم البنات وقوانين الأحوال الشخصية والسفور والحجاب. في هذه الأجواء ترعرعت صباح، وما لبثت عائلتها أن انتقلت من بلدة بدادون إلى بيروت بعد مقتل شقيقتها جوليت برصاصة طائشة. والتحقت بالمدرسة الرسمية، ثم انتقلت الى مدرسة اليسوعية نزولا عند رغبة عمّها «شحرور الوادي» الذي عوّدها قراءة الزجل وشجّعها على التمثيل والغناء في الحفلات المدرسية وهي لم تبلغ الثانية عشرة بعد.ركعت الفتاة الصغيرة أمام مذبح الكنيسة وتضرّعت إلى الله أن يحقّق أمنيتها الوحيدة في أن تصبح مطربة ناجحة ومعروفة. في ذلك الزمن كان الفن منبوذًا واحتراف الغناء عيبًا، ولم تكن صباح بمنأى عن هذا الأمر، خصوصًا أن جدها كان الخوري لويس الفغالي، وخال والدتها المطران عقل، ما زاد في محنتها ثقلا.وفي أولى تجاربها على المسرح بعمر الرابعة عشرة شاهدها الممثل عيسى النحاس تؤدي دور «الأميرة هند» وهي تغني، فذهب فور انتهاء العرض الى والدها يحثّه ليسمح لها بالغناء في أماكن أخرى. وصودف أن حضر المسرحية قيصر يونس صهر الممثلة آسيا داغر، فاقترب من والدها وقال له: «حرام ألا تدخل ابنتك السينما». لم تبرح هذه الكلمة ترنّ في أذني صباح الى أن التقت كنعان الخطيب مدير إذاعة «صوت أميركا» آنذاك، أثناء حفلة أقامها لأهالي التلامذة، فأعجب بموهبتها الفنيّة وراح يشجعها ويعلمها أصول الغناء. أغرمت الفتاة بمعلّمها ونشأت بينهما عاطفة جيّاشة سرعان ما تحوّلت الى حديث الناس. ثم لاحت الفرصة الأولى لصباح في مقرّ نقابة الصحافة اللبنانية، فوافق الوالد بعد معارضته الشديدة، وانطلقت تغني المواويل من نظم عمّها «شحرور الوادي»، وكانت تلك البداية الأولى في مشوار الفنانة المليء بالمفاجآت والمغامرات والارتقاء في سلم الشهرة.جمال ورجالتميّزت صباح خلال سيرتها الفنيّة بصفتين طاغيتين تحضران فورًا على خاطر جمهورها. الأولى اهتمامها بكل ما يتعلق بمظهرها انطلاقًا من أظفار قدميها وانتهاءً بخصلات شعرها، بما في ذلك ماكياجها اللافت وأزياؤها المبهرة في التصميم والألوان. والثانية، حبّها للرجال فهي لم تتعوّد العيش منعزلة عن الذكور، ولم تركن أيضًا إليهم وتدعهم يتلاعبون بحياتها كما يشاؤون.بدأ الناس يتكلّمون عن علاقات صباح الغرامية منذ كانت فتاة في الرابعة عشرة. عندما بلغت الثامنة عشرة هربت مع نجيب الشّماس الذي كان يكبرها بثلاثة عقود، فرزقت منه ابنًا، ثم تخلّت عن «قفصها» الزوجيّ وحلّقت بعيدًا.بعد طلاقها من نجيب شمّاس، تعرّفت إلى ثري كويتي، ويقال إنها تزوّجت منه، لكن علاقتهما لم تدم سوى بضعة أسابيع. وانتقلت مجددًا إلى القاهرة، وكان يرافقها في حفلاتها الغنائية عازف الكمان المصري أنور منسي الذي تزوّجت به وأنجبت منه ابنتها هويدا.احتلّت أخبار طلاق صباح من منسي عناوين الصحف في مصر، وانتشر خبر حبّ رئيس تحرير جريدة «الأخبار» المصرية آنذاك الصحافي موسى صبري لصباح حتى وصل إلى أسماع الرئيس عبد الناصر. لكنّ هذا الحبّ المتبادل لم يصل إلى نهايته السعيدة لأن صباح أعلنت زواجها على المذيع أحمد فراج بعد إشهارها إسلامها. ودام هذا الزواج ثلاث سنوات تمّ الطلاق من بعدها. وفي مطلع أيّار من عام 1967 استيقظت بيروت على خبر زواج صباح من الممثل رشدي أباظة. وخلال إحياء حفلة بدعوة من الملك حسن أغرمت بزوج أخت الملك مولاها علي، فتركت أباظة ولم تحصل على علي. ولأنها لا تستطيع العيش من دون رجل تزوّجت مجددًا من النائب اللبناني المغترب جو حمود الذي ما لبث أن طلقته. وخلال عملها المسرحي مع فرقة «السيغال» تعرّفت إلى النجم وسيم طبّارة فأعلن حبّه لها ولم تستطع مقاومته فتزوّجا، ثم افترقا بعد خيانته لها. لكن الزواج «الأكثر ظلمًا» كان ذاك الذي عقدته مع الفنان فادي قنطار الذي كان يصغرها بعشرين سنة. وانتهى زواجها بفادي لتطلّ مع ملك جمال لبنان الأسبق عمر محيو. ويذكر في هذا الإطار أنه عندما انتهت علاقتها بفادي قالت لابنة أختها: «إذا فكرت بالزواج مجدّدًا ضعي لي السمّ في الطعام!».«صباح» نموذج فريد بين الفنانات، فهي «تحبّ الغنج والدلال. تغرم بالحياة إلى حدّ النشوة. تريد امتصاصها إلى آخر رشفة. متصابية، لكن الناس مذهولة من فخرها بالتصابي». ويقول الحجيري عنها أيضًا أنها ممثلة «تختلط فيها الرومنسية ذات الطابع الحسي بنفسية نساء المماليك وهن في صراع مزدوج على السلطة والرجل». «صباح» حكاية تشبه بيروت أم حكاية تشبه لبنان لا خلاف على ذلك، فالأوجه في المعيارين كثيرة التشابه، لكن يمكنك القول إن هذا الكتاب يأخذك إلى حديقة العمر، الى حديقة صباح التي تختال في أنحائها زهور الرياحين، إلى زنابق الحقول وشتلات الورود، حديقة لم يتعهّدها بستاني في أحد الأيام، ولا تسوّرت بالأغصان أو الأشواك، بل فتحت ذراعيها لأشعة الشمس تدفئها، وللنسيم العليل ينعشها، ولقطرات المطر ترويها.