تحقيق الإسلام يشجع الفن ويرفض إفساد الذوق العام القرضاوي: الإسلام أعظم دين غرس حب الجمال

نشر في 14-09-2009 | 00:00
آخر تحديث 14-09-2009 | 00:00
تصور خاطئ صاحَب الكثير من الناس على مختلف العصور، بأن الإسلام يقف عائقا ضد الفن مع أن الشريعة الإسلامية تحض على إبراز الجمال في جميع نواحي الحياة، ولكن بشرط ألا يدعو ذلك إلى الرذيلة أو إثارة الغرائز.

الإسلام دين الفضيلة الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق، كما أن الفن ليس بالضرورة أن يكون ضد الأخلاق.

وجود بعض الآراء التي تدعي أن مفهوم الفن مناقض لثوابت الأخلاق هو أمر بالغ الخطورة لأنه يُحدث انقسامات عديدة في أيديولوجية الناس ويحث على فصل الدين عن الحياة مع أن الدين من أهم أهدافه السعادة للبشرية والخير للجميع.

الموضوع يجب مناقشته بين فئات عديدة مرتبطة به حتى تتم صياغته بشكل لا يسيء إلى أحد، وفي نفس الوقت يبين أن الإسلام ليس فقط مع الفن الهادف، ولكنه أيضا يدعو إليه في كل وقت.

أما أطراف القضية فهم رجال الدين ورجال الفن الذين يقف كل منهم على النقيض من الآخر مع أن التقريب بينهم سهل جداً، وممكن حدوثه بشرط تقريب وجهة النظر بينهما ومناقشة الأمر بموضوعية تامة.

الفن والدين شريكان في الدعوة إلى الخير والحق والجمال وإبراز قدرة الله سبحانه وتعالى على البشر وفي الناس لأن الله سبحانه من أسمائه البديع كما أن آياته في الكون يجب التنويه عنها وتأملها في كل وقت، وهذا لا يتم بدون فنان باستطاعته أن يقدم ذلك بصورة مثالية تعتمد في المقام الأول على الفن.

د. أحمد كريمة (أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر) يؤكد أن الإسلام دين شامل باستطاعته استيعاب كل أمور الحياة وهو الدين الخاتم الذي جاء للناس جميعا حتى يحدد لهم طرائق حياتهم ويرسم لهم أمورهم، والدين ليس ضد الفن بأي شكل من الأشكال، لكنه ضد الانحلال وإفساد الذوق العام وكل ما يتم تقديمه من عري في الأفلام السينمائية لا يتعلق بالفن من الأساس، لأن الفن من المفاهيم الراقية التي يجب ألا تصور بشكل خاطئ.

الداعية الإسلامية خالد عبدالله يرى أن الذوق في الأساس فطري وأن الجمهور واع لما يقدم إليه جيدا بدليل أن الأفلام الإباحية التي تقدم وجبة الغرائز إلى المراهقين لا يقبل عليها أغلبية الجمهور، وهذا يؤكد أن الفطرة البشرية لا تهضم ما يقدم إليها من غث، كما أن الشارع لا يتقبل الإساءة لتقاليده وعاداته وأخلاقه.

ويقول د. مبروك عطية (أستاذ اللغويات بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر) إن الفن الصادق والهادف هو ما يخدم قضايا الإسلام ويقدم صورة المسلمين للغرب على أنها صورة حضارية بعيدا عن المفهوم الذي تعمق لديهم بوحشية المسلم وبربريته، وأرى أن للفن أبلغ الأدوار التي يجب استغلالها في الوقت الراهن لمساعدة العرب والمسلمين على تحسين الصورة النمطية التي تكونت عن المسلمين لدى الغرب.

د. يوسف القرضاوي (رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) فصل الموضوع، حين قال في كتابه بينات الحل الإسلامي: «إذا كان روح الفن هو شعور بالجمال، والتعبير عنه، فالإسلام أعظم دين - أو مذهب - غرس حب الجمال والشعور به في أعماق كل مسلم».

قاريء القرآن يلمس هذه الحقيقة بوضوح وجلاء وتوكيد، فهو يريد من المؤمن أن ينظر إلى الجمال مبثوثاً في الكون كله، في لوحات ربانية رائعة الحسن، أبدعتها يد الخالق المصور، الذي أحسن خلق كل شيء، واتقن تصوير كل شيء: «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» (السجدة: 7) «مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ» (الملك: 3) «صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» (النمل: 88).

ثم نرى القرآن الكريم يلفت الأنظار، وينبه العقول والقلوب، إلى الجمال الخاص لأجزاء الكون ومفرداته.

إن القرآن بهذا كله، وبغيره، يريد أن يوقظ الحس الإنساني، حتى‌ يشعر بالجمال الذي أودعه الله فينا وفي الطبيعة من فوقنا، ومن تحتنا، ومن حولنا. وأن نملأ عيوننا وقلوبنا من هذه البهجة، وهذا الحُسن المبثوث في الكون كله.

وبعض الحضارات تغفل هذا الجانب وتوجه أكبر همها إلى محاولات الإنسان نقل جمال الطبيعة على حجر أو ورق، أو غير ذلك، فهو يرى السماء أو البحر أو الجبل، أو الأنعام، ولا يلتفت إلى ما فيها من سر الجمال الإلهي، وإنما يلتفت إليها حين تنقل إلى لوحة، أو صورة مشكلة، فليت شعري أيهما أهم وأقوى تأثيراً في النفس البشرية: الأصل الطبيعي أم الصورة المقلدة؟

إن الإسلام يحيي الشعور بالجمال، ويؤيد الفن الجميل، ولكن بشروط معينة، بحيث يصلح ولا يفسد، ويبني ولا يهدم، وقد أحيا الإسلام ألواناً من الفنون، ازدهرت في حضارته وتميزت بها عن الحضارات الأخرى مثل فن الخط والزخرفة والنقوش: في المساجد، والمنازل، والسيوف، والأواني النحاسية والخشبية والخزفية وغيرها.

كما اهتم بالفنون الأدبية التي نبغ فيها العرب من قديم، وأضافوا إليها ما تعلموه من الأمم الأخرى، وجاء القرآن يمثل قمة الفن الأدبي، وقراءة القرآن وسماعه عند من عقل وتأمل إنما هما غذاء للوجدان والروح لا يعدله ولا يدانيه غذاء، وليس هذا لمضمونه ومحتواه فقط، بل لطريقة أدائه أيضاً، وما يصحبها من ترتيل وتجويد وتحبير تستمتع به الآذان، وتطرب له القلوب، وخصوصاً إذا تلاه قارئ حسن الصوت، ولهذا قال النبي (صلي الله عليه وسلم) لأبي موسى: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود» رواه البخاري والترمذي.

يضيف القرضاوي: لا مراء في أن موضوع «الفن» موضوع في غاية الخطورة والأهمية، لأنه يتصل بوجدان الشعوب ومشاعرها، ويعمل على تكوين ميولها وأذواقها، واتجاهاتها النفسية، بأدواته المتنوعة والمؤثرة، مما يسمع أو يقرأ، أو يرى أو يحس أو يتأمل، ولا مراء في أن الفن، يمكن أن يستخدم في الخير والبناء، أو في الشر والهدم، وهنا خطورة تأثيره. ولأن الفن وسيلة إلى مقصد، فحكمه حكم مقصده، فإن استخدم في حلال فهو حلال، وإن استخدم في حرام فهو حرام.

وقد عرض د. القرضاوي لموضوع الفن وموقف الإسلام منه، في أكثر من كتاب له، مثل «الحلال والحرام في الإسلام» في فضل «اللهو والترفيه في حياة المسلم»، وفي الحديث عن الصور والتصوير، وفي مواضع أخرى، كما عرض له في كتابه «فتاوى معاصرة» في جزئه الأول، وجزئه الثاني، في فتاوى متعددة حول التصوير والغناء، بآلة وبغير آلة، والدين والضحك، واللعب والشطرنج، وغيرها.

back to top