جوزف حرب في أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها أوراق في شجرة شعريّة شاهقة

نشر في 02-10-2009 | 00:00
آخر تحديث 02-10-2009 | 00:00
No Image Caption
هي متعة، في الزمن المصاب بالشحّ الإبداعي، أن تجد في غابة الكتب، الطازجة الورق والحبر، كتابًا لمكتبتك. وهي «توفيقة» أن تحظى بقصيدة صحيحة الانتماء الى الخَدَر الجميل الذي ليس إلا الشّعر يقطّره ويسقيه حلالاً. وصحيح أنّ للفراغ ضجيجًا يملأ الدنيا، غير أنّه لا يشغل الناس، وحين يحضر الصوت الممتلئ معتمرًا الكلمة البكر، المغتسلة تحت شلال الحبر الأنيق، يصادر مطارح الدهشة كلّها، ويترك على ذاكرة الزمان وشمًا لا يذهب به مرّ الأيّام.

الشاعر في جوزف حرب لا يتعب، ويعبر من قصيدة إلى قصيدة متجاهلاً شمس اليقظة وقمر النّوم. إنّه يكتب كثيرًا ليعيش ما أمكن لذّة البداية ولذّة النهاية. «أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها» أوراق جديدة قطفها حرب في شجرته الشعريّة الطاعنة في الارتفاع وعلى أغصانها تعدّ عصافير الجمال ريش أجنحتها. وجدليّة البقاء والرحيل ترخي بظلالها الموجعة عميقًا في الشاعر ومنذ زمن بعيد، وقد كتب بالمحكيّة اللبنانيّة «طالع عَ بالي فلّ» سنة 2007، وها هو ينسحب في شهيّته إلى الرحيل ويعود ناشدًا مواسم جديدة من العمر في بستان أيّامه، على علم سابق منه بأنّ هذه الأرض ليس لجسده أن يسقيها أو يزرعها: «أَوْ كي يصير عريسها، ومزيِّنًا بالورد مُسْدَلَ شعرها، وبخاتم الياقوت إصبعها». هو يعرف، من الحزن والألم، أنّه يزور الدنيا بهدف الوداع، إذ لا نَبْتَ من لحم ودمّ عصيّاً على طواحين التراب، وحياة الإنسان طريق إلى موته، والغروب هو ظلُّ الشروق: «قد عشتُ مغلوبًا بفكرة أنّني آتٍ إليها كي أودِّعها». وتحت قنطرة الغياب المحتّم ينظر الشاعر إلى الأرض بعينين واسعتين تصطادان الحقيقة جسدًا وظلاً، ويرى كلّ ما تحت الشّمس باقيًا، فالموت لا يستطيع نعشًا لنبعة ماء، وكفنًا لبحر، وقبرًا لقطيع هواء، ووحده الإنسان مُسَيَّر بقدر الفناء والنهاية، ما يجعل الشاعر راغبًا في أن يكون الله، لا طمعًا بالصلاحيّات المطلقة والمرتبة الأولى، إنّما تمسُّكًا بنشاطات أرضيّة متواضعة: «ليتني الله فوق ذي الأرض أبقى / جملةٌ كم فَكَّرْتُ فيها، ولكنْ / مَنَعَتْني من قولها كبريائي»، لكنّه قال جملته كاملة وكاملة بقيتْ له كبرياؤه. وما يزيده ألمًا أنّ حياته المحكومة بالنهاية يعْبُرها منتظرًا ما لا يأتي والمسافة بين عريه وثيابه إلى ترام،ٍ وبين جوعه وطحينه سهول وأودية لا تنتهي: «موجعٌ، يا أرض، أنّي / منذ آلاف السنين / لم يصل بعد إلى عُريي ثيابي / وإلى جوعي طحيني». فالمشكلة لم تعد مع الزوال فحسب، إنّما هي مع الحياة نفسها، الحياة التي يعجز نَوْلها عن رداء يعالج صقيع الروح، وتعجز نارها عن رغيف يخشاه الجوع. وإذا كان ألم الشاعر الوجوديّ حاضرًا على امتداد الديوان، فإنّه بقي مسكونًا بوجع الأرض والإنسان، كلّ الإنسان. يقف حرب مع ممالك الخبز والورد، ويلعن من أعماق محبرته مهندسي سجون الظلم والملوك الذين يحلو لهم النّوم على خرير أنهار الدماء، ويحلم كيف الأرض تأوي إلى جوف كفّه هاربة من خريفها، الخريف الذي يصنعه الخبراء في صناعة القهر تحت سماء الدنيا، فينتفض لها: «جبيني ضُمَّرُ الخيل، وأيّامي السيوف»... ويحاول أن يستعيض عن العروش الظالمة بأقواس الغمام، ويبقى للأرض حارسات، لا أكثر، وقاضٍ واحد: «حارساها في المدى العصفور والوردُ، / وقاضيها الرغيفُ». ولا يخفى كم للحريّة من معنى يقيم بين جناحي عصفور، وكم للجمال من مرآة فضَّتُها عطرُ وردِ، وكم من كلمة يضيئها السلام في خاطر سنبلة لا تكتمل إلا حين تصير رغيفًا. وفي أكثر من قصيدة يطالب حرب بإنزال الأرض عن صليب الحروب التي لا تُنبت: «إلا جراح الرماح»، ويسعى الى إسعافها: «بسُكَّر من سلام»، ويحتجّ على برابرة الروح الذين أغمدوا نضالهم في جسد جميلتِهِ الأرض ويخاطبها مثقلة بالجروح: «والمجاعاتُ حِرْنَ فيكِ عذارى / سنبلاتٍ بكَفِّهنَّ الرِماحُ / فانهضي، صرتِ قامة من غصون / فَتَّحَ الورد فوقها، لا الجراحُ». لا شكّ في أنّ الشاعر اعتبر أجمل ما في الأرض بقاءه عليها، غير أنّ أرضه ساحة نضال إلى الحق والخير والجمال، وهو يطلب حياة طالما طلبها المناضلون الكبار لإتمام رسالة وقضيّة خشية أن ينزلوا ترابهم عن أكتافهم وتبقى الفكرة الحلوة بلا ناس يسقونها من عرق جباههم وماء قلوبهم المسرف في الاحمرار. وأجمل من البقاء على الأرض، لدى جوزف حرب، بقاؤه عليها مع امرأة، يذهب منها إليها على دروب القصيدة، وشوقه للوصول إليها شوق الوصول إلى القافية: «... وفوقي مظلّة حبر من اللغة الصافية / وقلبيْ، مليء بشوق الوصول إلى القافية». بهذه البساطة الموجعة يعلن الشاعر أنّه يحترف زيارة أنثاء شِعرًا، ويمدّ لها بساط الوصال في ظلال الحروف والوصول إليها يتماهى في الوصول إلى القافية التي هي أكثر من كلمة كما أنثى الشاعر هي أكثر من امرأة. وكثيرًا ما تكون المرأة في جديد حرب كائنًا يؤسس حضورًا أو وجودًا له في الشاعر ويمضي بعيدًا، ليستمرّ الشاعر مطاردًا وجهه في مرايا الفجيعة، مكتفيًا بأنّه قُتل بيد من يحبّ: «وإنّي، ولا شيء حولي سوى قاتلي / فاقتليني، / فأجملُ ما فيَّ منك القتيلُ / وأجملُ ما فيكِ أنّ دمائي منكِ تسيلُ». وحرب يقصد المرأة بكلّ ما فيها من جسد، ويوزّع جسدها بين خمر وحَوْر وناي، «الخمرُ لأشْرَبْ / الحورُ لأدخل هذا الجسد البحريّ وأعصِفْ / والنايُ لأعزِفْ»، وطالما دعته هي إلى العزف على أوتار جسدها متّهمة إيّاه بالعما: «فاعزفْ أيّها الأعمى على القيثار / تستيقظ الشهوة بي مثلما إنْ لانت الريح، وطاف الموج في قمصانِه، تستيقظُ الأسفارْ / في البحّارْ». وحرب في إبحاراته النسائيّة عاشق، لا زير نساء، فإن وقف على ضفّة المشاعر قدّس خفقات قلبه والتزم إلى آخر الطريق، وإن وقف على ضفّة الجسد كان خبير قطاف لا فاتحًا مغوليًّا أمّيًّا في قراءة الأجساد الأنثويّة...

«أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها» حديقة شعريّة معلّقة، تجدّد إثبات صاحبها جوزف حرب شاعرًا كبيرًا يزيد على مياهه، عامًا بعد عام، ألف موجة وموجة. وحرب على حقّ قائلاً: «هناك بعضُ الشعراءْ / أقلامهم إهانة للصفحة البيضاءْ»، ولا نكون على باطل إن قلنا: على رغم زمن الجفاف الشعريّ المخيف، إنّ لقلم شاعر واحد أن يُبقي القصيدة حيّة تُرزَق.

back to top