ديفيد غيفنز في لغة الحبّ الصامتة ومعانيها... لغة الجسد بوصلة اللغات

نشر في 11-09-2009 | 00:00
آخر تحديث 11-09-2009 | 00:00
No Image Caption
تأتي لغة الجسد في المرتبة الأولى بالنسبة إلى حضور اللغات زمنيًّا. فالإنسان اعتمد جسده لسانًا يوم أراد التعبير في بداية وجوده تحت الشمس، والمفردات حينذاك تجسّدت بحركات وإشارات جسديّة وأصوات مبهمة تتغيّر انخفاضًا وارتفاعًا، نعومة وخشونة، طولاً وقصرًا، والأبكم كان الذي لا يطاوعه جسده في التعبير لسبب ما، وليس الذي يحمل في فمه لسانًا معقودًا أو هو ذو حنجرة محشوّة خرسًا.

مع مرور الزمن وتطوّر النشاط الإنساني، وحضرت لغة الكلام إلى أن صارت ذات قدرات دلاليّة وتعبيريّة هائلة، يحاول الأدباء والشعراء استنفاد طاقاتها ما استطاعوا. غير أنّ اللغة الأولى، لغة الجسد لا تزال تملك حضورها المتألّق لدى الإنسان إلى أيّ لسان انتمى. والأهمّ من ذلك، أنّ لغة الكلام تضيق بأهلها في أكثر من موقع ومناسبة فيلجأون إلى لغة الجسد، وكم من نظرة أو رفعة يد أو هزّة رأس كانت أعمق وأدقّ وأبهى وأشهى من كلمة.

في كتابه «لغة الحبّ الصامتة ومعانيها»، يقدّم ديفيد غيفنز، عالم الإنسانيّات ومدير مركز الدراسات غير اللفظيّة في جامعة سبوكاين، دليلاً عمليًّا وميدانيًّا إلى لغة الجسد وعلامات الغزل. واللافت في عمل غيفنز أنّه يستند إلى الواقع والملاحظة، فلقد راقب النساء والرجال في أوقات الوصول وقبلها وبعدها ورصد حركة الأجساد من شعر الرأس إلى أخمص القدمين، وكوّن ملفّه الخاصّ في لغة الجسد بعد المعاينة والتدقيق فاستطاع لفت القارئ إلى أنّ المرء كثيرًا ما يستعمل لغة معبّرة من حيث لا يدري وهي لغة جسده المتأهّب دائمًا للتعبير حتّى بسكونه.

المغازلة

يدرج غيفنز المغازلة في خمسة أطوار. فالطور الأوّل ينحصر في جذب الاهتمام، ومن خلال إشاراته يعلن كلّ من الطرفين: «أنا هنا» وذلك قبل تبادل الكلام. والطور الثاني يهدف فيه كلّ من الإثنين إلى كسب الاعتراف بواسطة قراءة العينين. أمّا الطور الثالث فيتمثّل بتبادل الكلام وطريقة النطق. وقد تتأخّر عمليّة التبادل الكلامي أشهراً لدى البعض. وتأتي لغة الملامسة في الطور الثالث وقد تبدأ من احتكاك الركبتين تحت الطاولة على سبيل المصادفة، والانحناء للمس اليد يعني دخول الطور الخامس بنجاح. وفي هذا الطور الأخير نجد الحميميّة القصوى فيكثر العناق والتربيت والتحديق والاحتضان وتمريغ الأنفين والتقبيل... فمعرفة المرء أن لغة الإيماء والإشارة تسعفه أكثر من الكلمات أمر يساعده على التفوّق والنجاح في البحث عن الشريك.

جاذبيّة الوجه

يرى غيفنز أنّ الوجه، خلال عمليّة المغازلة، جاذب بسماته وحركاته، وجمال الوجه ليس شرطًا للجذب، إذ لكلّ وجه سمات وأبعاد وجاذبيّة بصريّة. وصحيح أنّ الوجه يحتلّ مساحة 5 بالمئة من سطح الجسم غير أنّه يظهر بامتياز شخصيّة صاحبه. وبحسب النساء فإنّ عيني الرجل أكثر مظاهره جاذبيّة. والشفاه تُقرأ خلال إصغائنا للآخر، ووميض الحاجبين هو «إشارة مغازلة معروفة عالميًّا». ويجب اختيار النظّارات بعناية ومعرفة لأنّها شأن الحاجبين والعينين في أثناء االمغازلة. ولشعر الرأس دوره فالرأس الحليق والشعر القصير لدى الرجل دلالة الانضباط، ونكران الذات، بينما يُظهر الشعر الطويل الانفتاح والشغف... وإذا كان الوجه 5 بالمئة من سطح الجسم فإنّه يحمل 95 بالمئة من جاذبيّته.

تجاذب الأجساد

تحدّدت سمات الجاذبيّة الأنثويّة بتماثيل فينوس، التي أظهرت المرأة بالجسم الناعم والعنق الرشيق والنهد المستدير والكتف المائل، والردف الممتلئ والخصر النحيل. فالمرأة ليست بحاجة إلى الخصر المفرط في النحافة، كخصور عارضات الأزياء، للفت الانتباه. أمّا الجمال الذكوري فيجسّده تمثال داوود الذي نحته مايكل أنجلو ويظهر الجسم العضليّ المثاليّ، والطول والثقل والقوة والكتف التي تميل إلى التربيع... ولا يضاهي التفاصيل الجسديّة في تمثالي فينوس وداوود سوى وضعيّة وقفتهما اللامتناظرة التي تمنح التمثالين مزيدًا من الجاذبيّة. والقناعة بجمال الشريك تبقى الطريق الأقرب إلى الشعور بالسلام والسرور.

الثياب والحلي

يسعى الإنسان بواسطة ملابسه وزينته إلى السيطرة على عيني الآخر. وفي هذا السياق تحوّلت سراويل الجينز وسيلة لإظهار المؤخّرة منذ ظهور جايمس دين سنة 1955 في فيلم «ثائر من دون قضيّة». وأمسى عرض المؤخّرات بالجينز الأزرق موضة سنة 1977، حين انحنت بروك شيلدز بهدف عرض الثياب الجينزيّة من ماركة «كالفين كلاين». والحذاء أكثر الأزياء تعبيرًا، وتعتبر سونيا باتا الأحذية مفتاح هويّة المرء ولها الدور المثير في المغازلة. وترى النساء الأحذية الكاشفة أو الشّفافة أكثر الأحذيّة جاذبيّة. ويرغب الرجال في الأحذية الضيّقة والمقيّدة التي تخبّئ قدمي المرأة وتبرز حدودها في آن واحد، بينما يختارون لأقدامهم أحذية ذات كعب ثقيل لإحداث صوت في أثناء السير، وتعود الأحذية التي تطرق على الأرض إلى مصر القديمة... وقد تمكّن القماش منذ اختراعه، أي منذ تسعة آلاف سنة، المغازلة إلى الأبد. فالقماش المنسوج أصبح وسيلة رئيسة للإعلان عن الأنوثة والذكورة، وهو بذلك منافس للجسم بوصفه أداة تعبير.

الأماكن والبيئة الداخليّة

يعتقد إدوارد هال، أحد علماء الإنسانيّات، أنّ الفضاء يتكلّم. ما يعني أنّ المكان الماديّ الذي يحتوي المغازلة قد يساعد الشريكين أو يعمل ضدّهما، بما يفوق التوقّع. وأفاد بعض الدراسات أنّ مقاهي الهارد روك تشكّل بإيقاعاتها الموسيقيّة الأمكنة الأفضل والأنسب للمغازلة مقارنة مع المطاعم الممتلئة بالورود وأنغام الكمنجات، وكأنّ موسيقى الهارد روك النابضة قادرة على جعل مظهر الإنسان ألطف. ولترتيبات الجلوس أهمّيّة كبرى، فجدير بالرجل، في المقهى أو الملهى، الجلوس قبالة المرأة مباشرةً، وهذه الوضعية أقل تهديدًا من الجلوس إلى جانبها. وبالنسبة إلى الرجال، فالأمر مختلف إذ يرتاح الرجل لجلوس المرأة إلى جانبه. ومختصر القول إنّ على المرء معرفة أهمّيّة التواصل المكاني، وازدياد هذه المعرفة يسهّل المغازلة، فإشارات المكان عناصر مساعدة لإظهار السلوك وتقديم الذات.

الإشارات الكيميائيّة

تعتبر الجاذبات الكيميائيّة من أقوى إشارات عمليّة المغازلة. ورائحة السيارة الجديدة، مثلاً، إغراء عطريّ. والدماغ يأخذ إشارات الروائح بكلّ جدّيّة. وحاسّة الشمّ القناة الأقدم غير اللفظيّة لدى الإنسان. ويجدر بالمرء ألا يخفي رائحة جسده الطبيعيّة تمامًا، لا سيّما في أثناء الرقص مع الآخرين، لأنّ رائحة الجسم، مهما كانت كريهة، تستطيع إرسال رسالة دافئة ومثيرة عاطفيًّا، إنّما بمقادير صغيرة. وتتضمّن أفضل العطور النسائيّة روائح الأزهار والفاكهة، وتساعد روائح التّفاح والمشمش والليتشي والتوت البرّي على الإثارة الجنسيّة. وبشكل أعمّ، الكيمياء تعزّز جاذبيّة الإنسان.

البقاء معاً

بعد إرسال آلاف إشارات الحبّ تطل الرسالة المنتظرة: «لقد اخترتك أنت». فتتراجع الـ «أنا» لمصلحة

الـ «نحن» ويتحوّل العالم فردوسًا. وإذا كانت الأمور على أفضل ما يرام في بدايتها فهذا لا يعني أنّ الشعور الرائع سيدوم أبدًا. ويصرّ «تينوف» على أنّ الغرام الرومنسي لا يعيش أكثر من سنتين. وأمام هذا الواقع، فإمّا أن يلجأ الإنسان الى البحث عن شريك آخر، وإمّا أن ينتقل مع شريكه إلى مرحلة أكثر نضجًا تسمّى «حبّ الرفقة».

في «لغة الحبّ الصامتة ومعانيها» متعة ملاحقة تفاصيل الجسد العاشق الصغيرة، والصدمة تكمن في آخر الكتاب إذ يعلن غيفنز العمر القصير لحبّ الجسد بكلّ ما فيه من طاقات عاطفيّة ليطرح السؤال نفسه: «هل الجسد وحده كافٍ للحبّ؟».

back to top