فتوى وزلزال وعاريات
حين قرأت خطبة رجل الدين الإيراني كاظم صديقي إمام جمعة طهران، التي اعتبر فيها أن تزايد العلاقات غير المشروعة سبب تزايد الزلازل في العالم (تزامناً مع ثوران بركان آيسلندا)، وآن كثيراً من النساء اللواتي لا يرتدين ملابسهن، يفسدن عفتهن وينشرن الزنا في المجتمع ويقدن الشباب الى الضلال}. ظننت الخبر نكتة، يروجها هواة الـ{فايسبوك}، بحثاً عن تعليقات ساخرة متداولة من هنا وهناك.لكن بعد أيام من {النكتة الفايسبوكية} قرأت الخبر الآتي: {زلزال النهود} حملة تقودها جمعيَّات نسائيَّة تضمّ عشرات الآلاف من النساء تعمد إلى تعرية صدورهن احتجاجاً على فتوى رجل دين إيراني اعتبرت النساء السبب الرئيس وراء حصول الزلازل}. زاد هذا العنوان استغرابي وابتسامتي، ودفعني إلى قراءة الخبر وخلفياته، بل لنسج هذه المقالة الصغيرة بالمناسبة.
كنت أتأمل كلمات الفتوى وأفكر قليلاً (ولا استغرب)، وأقرأ رد فعل نساء العالم وأضحك، كأنني أمام مشهد سريالي. أتخيل أنّ للزلازل إحساساً يتفجر عند مشاهدته نساء عاريات (مع أن العري علامة الاحتجاج في العالم وإشارة الى السلام لا الثوران)، بل أتخيل رماد بركان آيسلندا يجتاح الفضاء الأوروبي ويزداد ثورانه كلما شاهد النساء. مشهد مضحك بامتياز، هل نحن هنا أمام شعر أو خيال علمي أو هذيان فكري؟ أتذكر أنه عندما حصل زلزال في إيران قبل نحو عقدين، سمعت أصولياً يقول {هذا عقاب من الله لشعب إيران لأنهم شيعة}... هكذا الأصوليات تتبادل الأدوار، بل تتشابه في أدوراها ومواقفها وفتاويها. لا أدري ما موقف الإيراني كاظم صديقي الآن بعد تحرك النساء في العالم ضد تصريحاته الهوجاء، وماذا سيقول أمام خبر مفاده أن حملة نسائية بعنوان {زلزال النهود} بدأت في أستراليا والولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تمتد إلى أنحاء متفرقة من العالم، خصوصاً في الدول الغربية، تعمد خلالها عشرات الآلاف من النساء إلى تعرية صدورهن، احتجاجاً على تصريحاته؟ذكّرتني فتوى الزلزال بمسؤول حزبي في منطقة البقاع (اللبنانية)، كان يقول لنا في طفولتنا ونحن على مقاعد الدراسة: {لم يعد المطر يسقط في منطقة البقاع بسبب زراعة الحشيشة}... لاحقاً، تبيّن أن الحزب الذي ينتمي إليه الأستاذ هو من يسيطر على مرافق تجارة المخدرات في لبنان. وربما على رجل الدين صاحب فتوى الزالزل أن يفتش في مكنون المجتمعات المحجبة القريبة منه والبعيدة، ليكتشف أن عري النساء أكثر حشمة من ممارسات النساء (المجبرات على التحجب).ختاماً، في طريقي إلى بيتي، عليّ أن أمر على أوتوستراد طريق المطار في بيروت، هناك على جسر المشاة لافتة كبيرة مكتوب عليها {حجابك حضن العفاف} (من أقوال الخميني)... {حجابك أغلى من دمي}... هذا الشعار القديم الذي راج في الثمانينات إبان صعود الخمينية، يتجدد اليوم في الضاحية الجنوبية ولبنان، ربما في موازاة الحملة الساركوزية (نسبة إلى الرئيس نيقولا ساركوزي) على البرقع في فرنسا. والحال أنه بين {العلمانية} المتصلبة والفجّة و{الخمينية} الظلامية، ثمة وجهان لعملة واحدة (علّة واحدة)، فالخوف من البرقع هو نفسه الخوف من السفور، في زمن حروب الهويات وضياع البوصلة.