ميشال تابت: الدراما اللبنانية اليوم بعيدة عن الفن الذي أسسناه ونطمح إليه!
في رصيده أكثر من ألفين وتسعمائة عمل تلفزيوني وأربعين فيلماً سينمائياً. قدّم أخيرًا مسلسل «الطاغية» فحقق له شهرة واسعة في العالم العربي وبرهن فيه عن أصالة فنية وبراعة نفتقدهما عند الكثير من الممثلين اليوم.دخل الممثل اللبناني القدير والنقيب السابق للممثلين في لبنان ميشال تابت التمثيل من الباب العريض فأدى أدواراً رئيسة على شاشة التلفزيون وعلى المسرح وفي السينما وجسد شخصيات متنوعة ومركبة.
عن مسيرته الفنية الطويلة وتجربته كنقيب للممثلين اللبنانيين، تحدث تابت لـ{الجريدة».ما أبرز المحطات في مسيرتك الفنية؟كانت البداية عام 1945 في مسرحية «العاشق الشارد» مع فرقة «الأرز» الفنية، من ثم كرّت سبحة الأعمال المسرحية. في عام 1948 حوّلت الفرقة مسرحية «عذاب الضمير» إلى فيلم سينمائي وزع في العالم العربي وكانت الأدوات السينمائية آنذاك بدائية. بعد تأسيس التلفزيون في لبنان، كنت الممثل الأول الذي يظهر على شاشته في «المدير الفني»، برنامج أسبوعي انتجه الملحن المصري والمغني والممثل يوسف صالح ونفذه.بعد ذلك عرض علي تقديم برنامج منوعات، رفضت في البداية لأنني لم احبذ ظهوري كمقدم برامج، لكن سرعان ما تراجعت عن قراري وقدمت عشرين حلقة منه تقريبًا. من ثم قدمت «صندوق الفرجة» واستمر حوالى ثلاث سنوات، في ما بعد انتقلت الى الدراما التلفزيونية وشاركت في اعمالٍ تاريخية كثيرة.خلال مسيرتك الفنية الطويلة، هل ندمت على قبول عمل ما أو رفض آخر؟لا، لأنني أقبل الدور الذي يعجبني واعتذر بكل احترام وتهذيب عن الدور الذي لا يناسبني. على سبيل المثال عرض علي دور في برنامج «الدويك» كُتب أصلا للممثل الراحل فيليب عقيقي، عندما قرأته وجدت شخصية عقيقي فيه فاعتذرت، عندها أعيد كتابة الدور فكانت شخصية «دعيبس». إنها المرة الوحيدة التي رفضت فيها دورًا لأنه لم يكن يناسب شخصيتي، أما الأدوار الباقية التي قدمتها فنجحت فيها كلها.هل شاركت في أفلام سينمائية عربية؟نعم، شاركت عام 1973 في فيلمين أحدهما في ليبيا والآخر في المغرب.ما موقع الدراما اللبنانة وسط الدراما العربية؟ غير موجودة للأسف، نعرض لمصر 4 آلاف ساعة سينمائية وتلفزيونية من دون أن تعرض لنا في المقابل ساعة واحدة. لا تكترث الدول العربية بنقابة الممثلين في لبنان والممثل اللبناني مجهول بالنسبة اليها.في مناظرة تلفزيونية مع نور الشريف طرحت هذا الموضوع، فعزا ذلك الى وجود الفضائيات التي تعرض الأعمال اللبنانية، لكنني شددت على ضرورة أن تدعونا مصر وتشّرع أبوابها أمامنا لئلا ندخل غصبًا عنها عبر الفضائيات، فكان رأيه أن هذا الامر يحتاج الى اتفاق بين الدولتين اللبنانية والمصرية. من هنا أؤكد أننا نتحمل نحن المسؤولية، فحين كنت نقيبًا للممثلين، كانت مصر تربح 40% من فنانينا، عندها وقعنا بروتوكولا بأن تربح 2% أي ما يساوي ربحنا من الفنانين المصريين، إضافة الى معاملة كل فنان انطلاقًا من قانون النقابة في البلد المستضيف، لكن البروتوكول توقف منذ تركت النقابة.كيف تقوّم الدراما اللبنانية؟شبيهة بالطرب اللبناني، هي عبارة عن تركيب كلمتين أو ثلاث ومن ثم يبدأ عمل الطبلة. لا تتمتع بالمستوى اللائق وهي بعيدة كل البعد عن الفن الذي نطمح إليه في لبنان. الى من تحمّل المسؤولية؟إلى الكتّاب والمخرجين والمنتجين والممثلين.هل للممثل دور في ظل ما يحكى عن احتكار المنتجين؟بالطبع، ما الذي يجبره على المشاركة في عمل لا يعجبه، إما أن يحترم نفسه وعمله أو ليمتهن عملا آخر.ماذا يعني لك الفن اليوم في ظل الفوضى المستشرية فيه؟ الفن رقيّ وليس مجرد مهنة يعتاش الانسان منها، لا يفرض عليه أحد أن يكون فنانًا، إنما يختار بنفسه هذه الطريق الصعبة والمليئة بالأشواك، من يدخل هذا القطاع يجب أن يتمتع بالأخلاق وأن يكون منظماً. عملنا في السينما من دون مقابل وموّلنا أعمالنا بأنفسنا في المسرح لتأسيس الحركة الفنية في لبنان. أسأل معاهد الفنون التي تخرّج ممثلين أين هي الأخلاق الفنية عند هؤلاء؟هل هذه حال عامة أم يعاني لبنان وحده من هذا الهبوط؟هي عامة لكن لبنان يعاني أكثر من البلدان العربية من الهبوط الفني. ففي مصر ثمة تغيير وتوجه نحو الأفلام المشوقة المقلدة للأفلام الأجنبية لجذب المشاهدين. ما يحصل عندنا هو تغيير الأساس الفني في العمل الدرامي، يبدأ المسلسل وينتهي من دون أن يحمل أي مادة قابلة للمناقشة.الى ذلك يزعجني ورود كلمة «تأليف» في العمل، ما يحصل هو نسخ عن الأعمال الاجنبية، يمكن التحدث عن كتّاب وليس مؤلفين، قلائل هم المؤلفون. أحترم الكاتب مروان نجار لأنه يضع كلمة «من كتابة» وليس «من تأليف» في أعماله، يعترف أنه كاتب وليس مؤلفًا مع أن الكتابة فنّ صعب وتتطلب موهبة.ما علاقتك بالمنتجين؟ثمة هوّة كبيرة بيني وبين المنتجين منذ كنت رئيسًا لنقابة الممثلين في لبنان، وهم يظنون أنهم باستبعادي يثأرون منّي، إذ كنت أساند الممثلين دائمًا وهذا واجبي كنقيب لهم، بعدما تركت النقابة تحول هذا القطاع الى عملية تجارية، لكن تربطني علاقة صداقة وأخوّة مع مروان نجار، فهو لم يتركني في محنتي الصحية كذلك المنتج ايلي معلوف. شاركت مع ممثلين صاعدين في «الطاغية»، كيف تقيّم هذه التجربة؟جيدة وتعاملت معهم كأب. أساعد الكبير والصغير أمام الكاميرا ومن يتعاون معي أسانده ومن لا يتعاون أسقطه فنيًا.من يلفتك من الممثلين الشباب الذين تعاملت معهم؟ طارق السويد شاب خلوق ومتعاون، كذلك طلال الجردي وزينة فرج الله وهي ممثلة جيدة. ما مشاريعك راهنًا؟عرض عليّ المنتج ايلي معلوف المشاركة في مسلسل {نار تحت الجليد»، لكن صادف مع خضوعي لجلسات غسيل الكلى فاضطررت للإعتذار، ومن ثم خضعت لعملية جراحية كبيرة ومنحتني زوجتي إحدى كليتيها لأعيش، لذا لا تسمح ظروفي الصحية بالعمل حالياً.حدثنا عن مرحلة ترؤسك نقابة الممثلين في لبنان.عملت طوال 25 عامًا لإيصال مطالب الممثلين إلى الحكومة وللحصول على حقوقهم بقوة الحق وليس عبر الاستجداء، وما يطالب به الفنانون اليوم هو نتيجة ما قدمته. عملنا في النقابة كان بديلاً عن الدولة فوضعنا قانونًا مهنيًا وإطارًا منظّمًا للعمل وتوصلنا الى ذلك عبر وحدتنا. ما رأيك بإقرار تنظيم المهنة أخيرًا؟ما قامت به الدولة ليس تنظيم قانون المهنة، بل إقرار مادة من القانون المهني تعود الى العام 1973 وتحتاج الى توقيع رئيس الجمهورية، تنصّ على عدم إعطاء إجازة عمل لأي فنان غير لبناني من دون موافقة النقابة، بهدف تغذية صندوق التعاضد الخاص بالفنانين عبر الضريبة المفروضة على الفنان الأجنبي. يتضمن القانون المهني مواداً كثيرة تحتاج الى إقرار. منذ ثمانية أشهر تأسس صندوق التعاضد وصدّق في البرلمان اللبناني لكنه لم يطرح لغاية اليوم على الجمعية العمومية في النقابة ولم يستفد منه أحد.ينقسم الفنانون في لبنان بين نقابتين: نقابة ممثلي المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة ونقابة الفنانين المحترفين، هل يمكن أن تتوحدا؟من سيوحدهما، لن يتنازل أحد منهما عن الرخصة للأخر، فنقابة ممثلي المسرح والسينما والتلفزيون والاذاعة مرخصة بمرسوم وزاري منذ العام 1948. تختلف النقابتان من ناحية الإطار المحدد لعمل الفنان وبدلاً من أن يلتف الممثلون حول نقابتهم خربوا المهنة وخرجوا من الجنة التي نعموا بها.ما سبب عدم بيع مسلسلاتنا إلى البلدان العربية؟لأن الفضائيات تعرض مسلسلاتنا على شاشاتها، فمسلسل «الطاغية» عرض عبر المحطات الفضائية كلها مثلاً.أتألم عندما أقارن بين واقع الدراما الحالي وواقعها قبل الحرب التي عصفت بلبنان وفي أثنائها، آنذاك كان تلفزيون لبنان ينفذ المسلسلات وينتجها ويراقب ويحاسب فشهدنا نهضة درامية كبيرة وبعنا مسلسلاتنا لـ18 بلداً عربياً، وكنا الأوائل قبل دخول الدراما المصرية والسورية على الخط. اليوم، تقع المسؤولية علينا في عدم تسويق أعمالنا.كرمك تلفزيون لبنان عبر برنامج «ساعة وفا» من إعداد الممثل ميشال حوراني وتقديمه وأخيرًا كرمت عبر الـ «موركس دور»، هل تحزن لأن الدولة اللبنانية لم تكرّمك؟ نعم ويؤثر بي هذا الأمر كثيراً، من جهة أخرى أفرح لأن مؤسسات خاصة تقوم بهذه الإلتفاتة تجاهنا. في السابق عتبت على الـ «موركس دور» لأنها تكرّم الفنانين منذ تسع سنوات ولم تكرمني، إلا أنني اعتبرت أن تكريم أي فنان أو تعليق أي وسام على صدره بمثابة تكريم لي. من المعيب انتقاد الـ «موركس دور» لأن من يقوّم الفنان ليس المخرج أو الإعلامي أو الفنان، بل الجمهور. ماذا عن المسرح الذي بدأت مسيرتك معه؟وضعه مشابه لوضع التلفزيون، نخرج منه من دون مادة للمناقشة وهو يتجه نحو الكوميدي المبتذل. قلة من الفنانين تقدم أعمالا جيدة على المسرح من بينها جورج خباز، فهو يتمتع بموهبة الكتابة والتلحين والتمثيل، يُضحك الجمهور وينصفه هذا الأخير.أديت أدواراً متنوعة بين الكوميديا والدراما، هل تكمن قدرة الممثل الفنية في تجسيد الشخصيات المختلفة ؟بالطبع، على الممثل أن ينوّع ويغير في شخصيته وأن يكون صاحب ألف وجه، أديت دور «الطاغية» ودور الأب الحنون، كلما جدد الممثل في أدائه تجدد عمره الفني.هل تؤيد كتابة شخصية لممثل معيّن، أم البحث عن الشخص المناسب للدور المناسب؟عموماً يجب أن ترسم الشخصية على الورق وبعدها يتم البحث عن الممثل المناسب، لكن ثمة استثناءات، مثلاً رسم الكاتب مروان نجار شخصية الطاغية على قياس ميشال تابت وما يناسب شخصيتي. كيف حافظت على موقعك طيلة هذه السنوات؟عبر الاخلاق والتواضع، كلما تواضع الفنان ارتفع، بالإضافة الىاحترام المخرج وحفظ الدور الموكل الي وتحضيره في البيت وليس أمام الكاميرا في مكان التصوير. اشتهر كثر لكنهم هبطوا فثمة خيط رفيع بين الشهرة والسقوط. يقصد بعض الفنانين مكان التصوير التاسعة صباحاً من دون أن يكون مستعداً لدوره فيما ينتظره الفريق منذ السادسة صباحًا. من هو الممثل الذكي بنظرك؟الذي يحافظ على الشهرة ولا يقع.