حديقة الانسان 
قميصكَ جاهز يا كويلو

نشر في 05-02-2010
آخر تحديث 05-02-2010 | 00:01
 أحمد مطر لا يملّ الروائي البرازيلي المعروف باولو كويلو صاحب رواية «الخيميائي» من الحديث عن تجربة مريعة مر بها في مطلع شبابه، وظلّت عالقة في أعماق نفسه كعقدة مستعصية.

لم تكن أسرة كويلو لتبخل على ابنها بأي شيء، وحرصت على توجيهه إلى دراسة القانون، ليكون جديراً بالوقوف في صف أفرادها المحترمين. لذلك كانت صدمتها شديدة عندما فاجأها برغبته في ترك الدراسة والانصراف إلى الكتابة. في البداية، واجه أهله الأمر كمن يسمع نكتة، لكنهم حين أدركوا جدية ابنهم في اتخاذ هذا المسار، أيقنوا أنه قد جن، لذا لم يترددوا مطلقاً في إرساله إلى مستشفى للأمراض العقلية!

ثبت، في ما بعد، أن أهله لم يكونوا على حق، وأن موهبته في الكتابة فتحت له ولهم منجماً للشهرة والمال ورفعة الشأن. لكن... إذا كان أهل كويلو قد أخطأوا قديماً في تشخيص حالة ابنهم، فثمة سبب يجعلني أهيئ قميصاً أبيض بأربطة لكويلو، وأنتظر مجيئه إلى لندن كي ألبسه إياه بالمقلوب، ولا أنزعه عنه إلا إذا أقر أمام شهود عدول بأن حكاية ثقته بالنشر العربي لم تكن إلا مزحة.

أعرف جيداً أن كويلو على صلة وثيقة بالتراث العربي، لذلك لم أندهش عندما وجدته اكتشف مبكراً أن مؤلفاته واقعة تحت سطوة المزورين العرب ترجمة ونشراً.

لكن ما أدهشني هو الإجراء العملي الذي اتخذه للحد من ضراوة التزوير، والمتمثل في اتفاق وكلائه في برشلونة على منح شركة المطبوعات في لبنان، إذناً رسمياً يجعلها المالكة الوحيدة لحقوق نشر مؤلفاته باللغة العربية.

حيال هذا الإجراء لم أملك إلا أن أضحك، وقلت في سري: على من تقرأ مزاميرك يا كويلو؟ وإذا كنت مؤمناً بأن شركة المطبوعات ستحمي حقوقك، فهل سألت نفسك، وأنت العارف بتراثنا، عمن سيحمي حقوق شركة المطبوعات؟!

ليس أمام هذه الشركة، إذا أخلصت النية في الدفاع عن حقوقها، إلا أن تترك عالم النشر، وتتفرغ، أربعمئة يوم سنوياً، للمرابطة في ساحات المحاكم!

تطمينات

لدي جبل من «التطمينات»، لكنني سأكتفي باستعراض كومة صغيرة من حبات الرمل الجاثمة على سفحه، لتهدئة روع كويلو، وإغناء معلوماته بما لا يعرفه عن تراثنا العربي:

قبل مطلع الألفية الثالثة، كانت «دار الجديد» في بيروت اشترت حقوق ترجمة كتاب «السجينة» لمليكة أوفقير وميشيل فيتوسي إلى العربية، من ناشره الفرنسي «منشورات غراسيه وفاسكيل». وفيما كانت «الجديد» قد أوكلت ترجمة الكتاب إلى غادة الحسيني، وحددت أواسط سبتمبر (أيلول) 2000 لإصداره، وردت إليها في مطلع أبريل (نيسان) نسخة «مقرصنة» من الكتاب نفسه، صادرة عن «الدار الوطنية» في دمشق، ثم لم تلبث أن وردت إليها نسخة «مقرصنة» ثانية بألوان «دار ورد» في دمشق أيضاً!

لم تملك «الجديد» آنذاك، وهي مالكة حقوق الكتاب الشرعية، إلا أن تصدر نسختها، مبتدئة بكلمة بعنوان «السجينة والقرصان» تتحدث فيها عن الكتاب والمزورين، ومختتمة بملحق لا علاقة له بمادة الكتاب، بل بمساجلات قانونية وصحافية بين الناشر والمزورين!

تلك ثلاث ترجمات لم يكن بينها إلا واحدة شرعية، لكتاب لا يزال في علم الغيب، فماذا تصنع شركة المطبوعات، أو أي شركة أخرى، لحفظ حقوق ملكيتها لأعمال كويلو، أمام ترجمات مزورة سبقتها لتقيم على أرض الواقع تلاًلاً من آلاف النسخ؟!

قرأت مرة أن صاحب «دار الجمل» في ألمانيا، كان طلب حقوق نشر إحدى روايات الكاتب التشيكي ميلان كونديرا وأنه فوجئ بزوجة الكاتب تعبر عن ثقتها بأن كونديرا سيكون مسروراً، بالتأكيد، بترجمة إحدى رواياته إلى العربية!

هذا يعني أن كونديرا لم يكن يعلم أن القراء العرب أكلوا على مائدة المزورين، معظم روياته وأنهم لا ينتظرون سوى «فاعل خير» جديد يترجم لهم بضعة صناديق من «الصودا» كي تخفف ما أصيبوا به من تخمةّ.

نزار قباني

الشاعر الراحل نزار قباني الذي كان يعتبر نفسه صاحب إمبراطورية شعرية تمتد من المحيط الى الخليج، لم يستطع، وهو الشامي الحاذق وابن السوق الذي لا يغلب، أن يوقف تزوير كتبه أمام عينيه في السبعينات الا باللجوء إلى «قوات الردع العربية» المرابطة في لبنان آنذاك!

لم تكن تلك إلا حالة شاذة ومحكومة بزمنها وبظروفها الموضوعية، ولا أعتقد أنها ستتكرر. أما نجيب محفوظ وهو أحد أشهر الروائيين العرب والحاصل الوحيد بينهم على جائزة نوبل، واسمه «محفوظ» فوق ذلك، فلم يكن لا هو ولا ناشر كتبه في مصر بقادرين تلك الأيام، على حفظ حقوقه أو تخليصها من براثن «دار القلم» في لبنان، التي كانت «تلطش» رواياته وتصورها بكل أمانة، ثم تطبعها من دون أن تتوانى عن طباعة التحذير المعتاد على الصفحة الثالثة: «جميع الحقوق محفوظة»!

محفوظة لمن؟ ليس مهماً... المهم أن تكون محفوظة ولله الحمد.

لعل مثل هذا «الحفظ» الذي لم يخطر في بال «التجميد» ولا في ذهن «التلميح» هو الذي دعا الشاعر القطري عبد الرحيم الصديقي إلى أن يكتب على غلاف أحد دواوينه: «جميع الحقوق محـ... فوضى»!

أعرف أن «دار الساقي» في لندن طبعت منذ أعوام كتاباً للمفكر البريطاني فريد هاليداي، واكتشفت بعد وقت قصير أن الناشر المصري الراحل الحاج مدبولي أبى إلا أن «يدوبله» لهم، أي أن يضاعف نسخه، والأدهى أنه صرح عند مواجهته بالأمر بأنه نشر الكتاب بناء على اتفاق بينه وبين المؤلف... تخيل!!

بالطريقة نفسها كان الحاج أجاب من حدثوه في مسألة تزوير مكتبته لدواويني بأنه قد عقد اتفاقًا معي ويشهد الله أنني لم أره في حياتي، ولم أعقد معه اتفاقاً من أي نوع، لكن إذا كانت «دار الساقي» بفخامتها وفريد هاليداي بانتمائه إلى بلد حماية الحقوق الفكرية دخل بكل بساطة في جلباب عمنا الحاج رحمه الله فماذا كان يستطيع مقموع ومشرد مثلي أن يصنع؟!

في ما يتعلق بتجربتي الشخصية، فقد واجهت ما هو أشد قسوة من صنيع الحاج أو كثيرين غيره من الناشرين المزورين الذين أصدروا لي «أعمالاً كاملة»، من دون إذني أو علمي، في بلدان عدة، ذلك لأنه إذا كان ما فعله أولئك اغتيالاً في الظلام فإن ما فعله أخي في الله صاحب مكتبة الحكمة في مصر، هو قتل علني ظريف ومعدود من الغرائب التي تستحق دخول موسوعة «غينيس».

تلقيت ذات يوم، رسالة من أخي المذكور يقول فيها بعد البسلمة والصلاة على النبي وآله وصحبه: «لا نستأذنك بل نخبرك بأننا طبعنا كتبك، وقد نفدت الطبعة ونحن الآن عازمون على إصدارها بطبعة ثانية فاخرة... ننتظر منك أن تبارك لنا عملنا... الخ»!

وإذ أتذكر هذا الأمر بمرارة قاطعة ومضحكة في الوقت ذاته، فإنني أشعر بضرورة تلقين كويلو وجميع الكتاب الأجانب «المحبين للسلام» عبارات المباركة العربية الفصيحة كافة، كي يكونوا على استعداد للتعامل مع هذا النوع من «العقود» التي أجزم أنهم لم يصطدموا بمثلها، قط، أثناء مرورهم بأزقة تراثنا الذي يظنون أنهم يعرفونه.

إحدى روايات باولو كويلو عنوانها «على ضفة نهر بيدرا... جلست وبكيت».

ذلك بكاء روائي على نهر بعيد، أما في الواقع فإنني لا أستطيع أن أخمن طول المدة التي سيجلس فيها كويلو على ضفة نهر النشر العربي... لكنني واثق جداً، أطالت المدة أم قصرت، من أنه سيعرف تماماً معنى البكاء الحقيقي!

back to top