الثورة الإسلامية في إيران 30 منظمة ثورية و50 تنظيماً دينياً تعتمد على الحرس 31 قيادة عسكرية تتحكَّم في شؤون إيران المافيا الاقتصادية تُشرِف على 60 في المئة من ثروة البلاد العدوان العراقي على الكويت شكّل فرصة ذهبية لمدِّ يد الصداقة إلى الدول العربية والغربية 3/3

نشر في 15-09-2009 | 00:00
آخر تحديث 15-09-2009 | 00:00
No Image Caption
تتناول الحلقة الأخيرة من «الثورة الإسلامية في إيران»، طبيعة عمل النظام الإيراني لخلق حركات خارجية تدعم أهدافه، أو دعم ما هو موجود منها، كما تشرح بإيجاز كيفية سيطرة الحرس الثوري على إيران، ومخططاته من أجل عسكرة النظام بشكل كامل.

بعد انتهاء أعمال المؤتمر الأول للحركات والمنظمات التحررية والثورية في إيران، الذي تسبب في بروز خلافات شديدة بين السلطة الرسمية (الحكومة بشكل عام ووزارة الخارجية التي كانت تعتبر الجهة المسؤولة عن علاقات الثورة مع الحركات التحررية بصورة خاصة)، والسلطات الثوریة التي كانت ترى أن من مسؤوليتها مساندة كل من يرفع شعاراً ضد الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية والإسلامية وضد إسرائيل وأميركا، كان بعض هؤلاء المسؤولين شديد الحماس والثورية بالمفهوم الحقيقي للكلمة، من أمثال السيد مهدي هاشمي (شقيق صهر آية الله منتظري الذي أُعدم بأمر من آية الله الخميني بعد أن أُدين بالخيانة والإفساد في الأرض في محكمة رجال الدين عام 1987، على أثر اكتشاف دوره في تسريب خبر زيارة روبرت مكفارلين المستشار السابق للرئيس الأميركي رونالد ريغان في شؤون الأمن القومي لطهران عام 1986 إلی مجلة «الشراع» اللبنانیة).

وحاول أولئك الثوريون استغلال حماس الشعب والمسؤولين الإيرانيين تجاه حركات التحرر في العالم، من أجل تحقيق أهدافهم الخاصة.

ونتيجة نشوب الحرب الإيرانية-العراقية، وانتقال نشاط المعارضة الاسلامية والكردية في العراق إلى إيران، تمكن هاشمي من إنشاء دائرة مستقلة عن دائرة الحركات والمنظمات التحررية في وزارة الخارجية، بالحرس الثوري، بدعم من آية الله منتظري وبعض المسؤولين المتحمسين للنشاطات الثورية، بهدف مساعدة أبناء الثورة الاسلامية في الخليج والعراق وإفريقيا وآسيا في نضالهم ضد الأنظمة الحاكمة بالمنطقة.

ومع صعود نجم هاشمي ودائرته، أخذ نشاط دائرة الحركات التحررية في وزارة الخارجية ينعدم بشكل نهائي، بحيث تحولت الدائرة بعد فترة إلى مكتب صغير تابع لادارة المنظمات والمؤسسات الدولية، وتم تعيين موظف إداري ليتولى شؤون المكتب.

ومقابل ذلك، فإن دائرة الحركات والمنظمات التحررية والثورية في الحرس الثوري، تحولت تحت إشراف مهدي هاشمي إلى شبه وزارة مستقلة بإمكانات مالية وعسکرية هائلة، فبلغت ميزانية الدائرة خلال فترة رئاسة هاشمي حوالي تسعين مليون دولار في السنة.

وكان معسكر منظرية شمال طهران ومعسكر منذرية في مدينة قم ومعسكر حسين آباد في أصفهان، من ضمن المعسكرات والمراكز العسكرية الخاضعة لادارة هاشمي.

وخلال عام 1983 فقط، دُرِّب أكثر من ألف رجل وامراة من مواطني الدول العربية والاسلامية في هذه المعسكرات والمراكز، على القتال، وخطف الطائرات والأفراد، ووضع المتفجرات والقنابل، وتنفيذ الاغتيالات، وأخيراً تفجير الثورات الاسلامية في البلدان التي كانوا يأتون منها.

سيطرة هاشمي

ورغم أن مهدي هاشمي عُزِل من منصبه عام 1984، فإن أنصاره ظلوا مسيطرين على الدائرة، لدرجة أن مهدي هاشمي كان لايزال صاحب السلطة الحقيقية في القضايا المتعلقة بالحركات والأحزاب الثورية المتحمسة للثورة الاسلامية في إيران، والدليل على ذلك أنه حينما سافرت مجموعة من الشبان اللبنانيين من طائفة الشيعة عام 1985 إلى إيران بناءً على اقتراح حجة الإسلام علي أكبر محتشمي (وزير داخلية إيران السابق وسفير إيران في دمشق حينذاك)، للتدريب، فإن فيتو هاشمي الذي كان معارضاً لمحتشمي وتدخله في شؤون تصدير الثورة حيال دخول هؤلاء الشبان في معسكرات دائرة الحركات التحررية، تسبب في انتظارهم مدة شهرين في طهران حتى قابلوا هاشمي وأبدوا ولاءهم له، وبعد ذلك فتحت أبواب معسكرات الدائرة أمامهم.

ومن الشبان الذين تلقوا تدريباتهم ضمن هذه المجموعة عماد مغنية والأخوان حمادي.

وخلال الفترة ما بين 1980 و1986، دُرِّب اكثر من خمسة آلاف من العرب والآسيويين والإفريقيين في معسكرات دائرة الحركات التحررية وثكنات تدريب الحرس.

وبرامج التدريب -كما كشف بعض المتدربين فيما بعد- شملت التدريب على الأسلحة، والمواد المتفجرة والاشتراك في جلسات التدريب العقائدي، وأول الدروس التي كانت تقدم إلى المتدرب، كان انسلاخه عن جنسيته الكويتية أو الماليزية أو السنغالية، وهكذا كان الشاب المتدرب يقبل أن يكون عنصراً في خدمة أهداف الثورة الاسلامية أينما تقرر الثورة.

محتشمي و«حزب الله»

وخلال الفترة نفسها، أقامت دائرة الحركات التحررية دورات تدريبية خاصة للمجموعات الانتحارية في منظرية، وممّا لا شك فيه أن إيفاد حجة الإسلام علي أكبر محتشمي، أحد تلامذة الإمام الخميني المقربين إليه، إلى دمشق ليترأس بعثة إيران الدبلوماسية، كان حدثاً مهما بالنسبة إلى علاقات إيران مع المنظمات والمجموعات الثورية في المنطقة.

ومحتشمي بعد أن فشل في استيعاب «حركة أمل»، تحرك بوسائله الخاصة من أجل ايجاد بدائل للحركة الشيعية التي كانت تعاني غياب قائدها التاريخي الإمام موسى الصدر من جهة، وعدم وجود إمكانات مالية وعسكرية من جهة أخرى.

وعلى أيدي محتشمي ورجاله، أعلنت مجموعة من رجال «حركة أمل» بقيادة حسين الموسوي في بعلبك انفصالها عن أمل وإنشاء الأمل الاسلامية.

وبعد فترة قصيرة، أصدر بعض رجال الدين والشبان اللبنانيين الشيعة ممّن تلقوا تدريباتهم في إيران بياناً أعلنوا فيه إنشاء حزب الله في لبنان، وبعد ظهور حزب الله، أرسلت إيران، حین دخول القوات الاسرائيلية لبنان، مجموعة من رجال الحرس إلى شرق لبنان للمشاركة في الجهاد ضد إسرائيل، لكن رجال هذه المجموعة استقروا في ثكنة الشيخ عبدالله في بعلبك وحولوها إلى قاعدة لتدريب الثوار ومحطة لتصدير الثورة إلى العالمين العربي والاسلامي، ودور محتشمي في ذلك کان ریادیا.

يذكر أن محتشمي كان مهتماً خلال عمله كسفير لايران في سورية بإنشاء مجلس ثوري إسلامي عالمي تحت إشرافه لتصدير الثورة، في الوقت الذي كانت دائرة الحركات التحررية في الحرس تحت إشراف مهدي هاشمي تسعى إلى تحقيق نفس الهدف، لكن محتشمي لم يكُن يعترف بهاشمي ودائرته، لهذا كان سعيه مركّزاً على إنشاء دائرة بديلة لدائرة هاشمي، لذلك جند محتشمي عناصره في سورية ولبنان لاصطياد الشبان الخليجيين والأردنيين وغيرهم ممن كانوا يقضون إجازاتهم في سورية ولبنان، بغية إرسالهم إلى إيران للتدريب، وكان هؤلاء الشبان يمضون عادة ثلاثة أسابيع في معسكرات التدريب في إيران، ولم تكن السلطات الايرانية تختم جوازاتهم حتى لا ينكشف سفرهم إلى إيران.

وكان هؤلاء الشبان جنوداً في الجيش المليوني الذي كانت القيادة الايرانية تنوي تأسيسه.

تبدل الأمور

وفي عام 1984، بعد تأسيس وزارة الاستخبارات، أضيفت إلى دائرة هاشمي وجهاز محتشمي، دائرة جديدة كانت تعمل في حقل تجنيد الشبان العرب والمسلمين ضد الأنظمة الحاكمة في المنطقة، وربما كان التنافس الذي دار بين هاشمي، ومحتشمي، ووزير الاستخبارات حينذاك محمد محمدي ريشهري، هو السبب وراء إفشال بعض المخططات الارهابية كمخطط مهدی هاشمي لادخال كمية هائلة من المتفجرات إلى السعودية خلال موسم الحج عام 1986.

وبإعدام هاشمي ونقل محتشمي إلى إيران، ثم تطورات الحرب الايرانية-العراقية وموافقة الإمام الخميني على إنهاء الحرب التي وضعت إيران امام متغيرات جديدة، ثم غياب الإمام الخميني وقیام الحكم للثنائي آية الله علي خامنئي وحجة الإسلام علي أكبر هاشمي رفسنجاني، شهدت علاقات إيران الثورة مع الحركات والمنظمات التحررية الثورية، سواء تلك التي كانت وليدة الثورة الايرانية (حزب الله، الجهاد الاسلامي، المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، حركة تنفيذ الفقه الجعفري في باكستان، حزب الله الكويت، الجبهة الاسلامية لتحرير البحرين، حزب ‌الله الأكراد، حركة النفير الاسلامي في الأردن، حزب‌ الوحدة الاسلامي في افغانستان، وتجمع العلماء المسلمين في لبنان... إلخ)، أو الفئات المتحالفة مع إيران (الجبهة القومية الاسلامية في السودان، الفئات الاسلامية المتطرفة في مصر، حركة النهضة التونسية، الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائر، المنظمات الفلسطينية المعارضة لمنظمة التحرير، والحركات الأصولية السنية في لبنان [حركة التوحيد الاسلامي – الجماعة الاسلامية] و...)، شهدت هذه العلاقات بين إيران الثورة والحركات الثورية تغييرات جذرية، بسبب اتخاذ سياسة جديدة من قبل القيادة الايرانية حيال الدول التي كانت تعتبر قبل الحرب ضمن قائمة الأعداء، وفي مقدمها الدول الخليجية.

ومع وقوع العدوان العراقي على الكويت، توافرت فرصة ذهبية للقيادة الايرانية لمد يد الصداقة إلى الدول العربية والغربية.

ورغم أن سياسة إيران خلال حرب الخليج ومن ثم حرب تحریرالعراق (حسب التعبیر الاميرکي)، لم تكن تمثل تغييراً ظاهرياً حيث ساد شعار ضرورة خروج أميركا من المنطقة الخطاب الایراني، فإن الدول الخليجية اكتشفت خلال هذه الفترة أنه من الضروري التمييز بين الشعارات التي تطرحها إيران وبين ما يدور في رؤوس المسؤولين الايرانيين، فقد أدرك هؤلاء أن ثمة شعارات ما للاستهلاك الداخلي وحرمان المتطرفين من سلاحهم، وینبغي عدم اخذها بعین الاعتبار حین رسم الخطوط العریضة لسیاساتها تجاه طهران.

«حزب الله» و«حماس»

إنّ مسار السياسة الخارجية الإيرانية خلال فترة رئاسة محمد خاتمي كان تصالحياً مع العالم بوجه عام ومع الدول العربية لاسيما الخليجية منها بوجه خاص، غير انّ الحرس الذي لم يكن لخاتمي أي اشراف عليه، وأصل نهجه فى التعامل مع الفصائل والمنظمات الثورية في المنطقة، وبمجيء محمود أحمدي نجاد إلى الحكم وانعكاسات سقوط النظام العراقي (الذي تم أواخر حكم خاتمي)، فإن الحرس، تخلّى عن سياسة المماشاة مع الأمر الواقع، أي البراغماتية في السياسة الخارجية و(اختفاء النوايا)، بحيث عاود أنشطته غير الشرعية في التعامل مع القوى المناهضة لأنظمة الحكم بالمنطقة بشكل علني ومباشر، اضافة إلى ذلك فإن حرب يوليو 2006 في لبنان، ومن ثم حرب غزة الأخيرة، فتحتا آفاقاً جديدة امام الحرس لتوسيع رقعة تدخلاته في شؤون القضايا العربية والاسلامية.

وتحالف الحرس مع «حماس» ونجاحه في تحويل حزب الله إلى قوة عسكرية منتظمة ومتدربة تدريباً جيداً بأسلحة تقليدية وأجهزة حربية متطورة، ومن ثم توسّع رقعة وجوده المباشر وغيرالمباشر في العراق وأفغانستان واليمن، أمنّ له دوراً من غير الممكن تجاهله سواءً من قبل اللاعبين الدوليين أو من جانب القوى الاقليمية.

مخططات الحرس

ويعتقد محمد خاتمي (أبو وفا)، أحد مؤسسي الحرس المنشق حالياً، انّ خطوة الحرس المقبلة ستكون عزل علي خامنئي وتنصيب الشيخ محمد تقي مصباح يزدي (المرشد الروحي للرئيس أحمدي نجاد) مرشداً للنظام، وعندئذ سيستخلص الحرس من أحمدي نجاد وسيأتي برويز مشرف إيران اللواء محمد علي جعفري علی ظهر الدبابة، ليعلن البيان رقم واحد لمجلس قيادة ثورة انقاذ الثورة.

لكن ما سيحول دون تحقق حلم جعفري وانصاره، رفض الشارع الإيراني عسكرة الحكم، ووجود تيار اصلاحي وقوى والمجتمع المدني (الطلبة والنساء والمثقفين والكتاب والعلمانيين)، كعائق أساسي حيال طموحات مافيا الحرس.

إنّ المعركه لاتزال مستمرة، ونتائج هذه المعركة ستحدد ما اذا كانت إيران ستتجه نحو الديمقراطية او نحو حكم دكتاتوري عسكري بتحالف طالبان إيران مع مافيا الحرس، علماً ان دولة الحرس الثوري في جمهورية ولاية الفقيه تشرف علی ستین في المئة من ثروة البلاد، وتتحكم عبر 31 قيادة عسكرية في مختلف أنحاء ايران، بشؤون البلاد الصغيرة والكبيرة.

كما أن اکثر من 30 منظمة ثورية و50 تنظيماً دينياً، تعتمد على الحرس من حيث التدريب والتمويل والايديولوجية.

وما یزید دهشة المتابع لعلاقات الرئیس الایراني محمود أحمدي نجاد مع الحرس الثوري، أن نجاد وافق قبل اختیاره مرشحا للرئاسة، في صفقة سریة مع قادة مافیا الحرس، على تخصیص مليار دولار لبناء أتوستراد السامراء-قم لتسهيل مرور المهدي المنتظر من مخبئه في بئر السامراء إلى مسجد جمكران في قم، وتقدیم ملیار دولار اضافي الی الحرس لتشكیل نواة جیش المهدي لاستقبال صاحب العصر والزمان، الإمام الغائب حین ظهوره.

وبطبیعة الحال، لا تنسجم الدیمقراطیة التي یطالب التیار الاصلاحي بتطبیقها مع حكم المهدي، الذي قرر أحمدي نجاد تحدید موعد ظهوره.

back to top