المقريزي... عمدة مؤرّخي القاهرة
عندما دخل جوهر الصقلي مصر بجيوش سيده المعز لدين الله الفاطمي وفُتحت له بدخوله الفسطاط مقر الحكم آنذاك، لم يقر فيها جوهر ساكناً بل أسرع واتجه إلى شمال الفسطاط، في منطقة تعرف ببستان كافور الإخشيد ووضع أساسات مدينة ملكية تكون مقراً لسيده المعز، وأول ما وضع هو أساسات القصر. يُذكر أن أساسات المدينة والقصر كان مفترضاً وضعها وفقاً لطالع سعيد في السماء، ولضمان توافق بدء العمل في البناء مع هذا الطالع الذي يضمن عظمة هذه المدينة، وضعت أحبال حول تخطيط المدينة فيها أجراس كان مفترضاً أن يدقّها المنجمون ساعة ظهور الطالع، ولكن جاء غراب ونزل على الأحبال فدقت الأجراس ورمى العمال الأساسات، فصرخ المنجمون {القاهر في الطالع}، فعرفت المدينة بـ{القاهرة}.
على رغم طرافة هذه القصة إلا أن المؤرخين أوردوها بالتفاصيل نفسها عند بناء الإسكندر مدينة الإسكندرية. ولكن في الواقع أراد الفاطميون لهذه العاصمة أن تقهر بغداد، عاصمة الخلافة العباسية والمنافس الرئيس لخلافة الفاطميين.إلا أن للمؤرخ المقريزي رأياً آخر يتمثّل بأن المدينة عند بنائها كانت سميت بالمنصورة على اسم مدينة المنصورة في تونس، مقر الخلافة الفاطمية، نسبة الى بانيها الخليفة المنصور والد الخليفة المعز، وعندما جاء الأخير إلى مصر ليجعلها مقراً لخلافته غيّر اسمها إلى {القاهرة} تيمناً بأنها ستقهر الدنيا كلها وتمدّ نفوذها على العالم كله.أصبحت القاهرة غداة بنائها مدينة ملكية محرمة، فكان لا ينزلها إلا الخليفة وعساكره والمقربون منه فحسب، وكان محرماً تماماً على الرعايا المبيت داخل أسوارها، بل الانتهاء من المصالح المتعلقة بشؤون الرعية ثم الخروج منها إلى مدينة الفسطاط، محل سكن العامة. ولكن الزمن تغيّر فأصبحت قلعة الجبل مقر الحكم والقاهرة مدينة تجارية وسكنية فقدت طابعها الملكي وغدت من أكثر مدن العالم ازدحاماً .هكذا كانت حال القاهرة في عصر المقريزي وعندما شرع في تأليف كتبه عنها.المقريزيولد تقي الدين أحمد بن علي بن عبد الوهاب المقريزي في القاهرة سنة 766هـ، لأسرة بعلبكية الأصل، من حارة المقارزة والتي يُنسب إليها جد المقريزي، تلقى تعليمه في كتاتيب القاهرة ومعاهدها العلمية. لكنّ النقلة المهمة في حياته وفي منهجه الفكري لقاؤه بأستاذه ذائع الصيت التونسي ولي الدين عبدالرحمن بن خلدون والذي جاء القاهرة سنة 784هـ. ظلّ المقريزي معجباً بأستاذه وبمقدمته الشهيرة حتى النهاية، ويصفه دائماً بشيخنا والأستاذ، ومن جوانب عدة يمكن اعتبار خطط المقريزي تطبيقاً عملياً رائعاً ومتماسكاً لنظرية ابن خلدون في العمران.تولّى المقريزي وظائف عدة في مدارس القاهرة كالمدرسة المؤيدية وجامع الحاكم، ووظيفة متولي حسبة القاهرة والتي أثرت في معرفته بأحوال الطبقات المتوسطة والفقيرة في مصر، وهي وظيفة كان يراقب صاحبها في العصر المملوكي الأسواق لمنع المشاحنات والغش في الميزان والمكاييل.نتيجة للفوضى السياسية في مصر في الربع الأول من القرن التاسع الهجري، قرر المقريزي الانعزال عن الحياة العامة والتفرّغ للبحث والكتابة لتكون آخر عشرين عاماً من حياته ما بين القراءة والكتابة. فأنتج خلالها معظم كتبه الضخمة والتي أرخ فيها لتاريخ مصر الإسلامية، مثل {اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا} في تاريخ الفاطميين، و {السلوك في معرفة دول الملوك} في تاريخ الأيوبيين والمماليك. ولم يقطع هذه العزلة إلا للحج والمجاورة لمدة خمس سنوات ألّف فيها كتابه المهم عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليعود في سنة 841هـ ليواصل عزلته حتى وافته المنية سنة 845هـ/1442م. بعد أن استحق لقبه الذي أطلقه عليه تلميذه المؤرخ ابن تغري بردي عندما قال: {عمدة المؤرخين ورأس المحدثين... وفي الجملة هو أعظم من رأيناه وأدركناه في علم التاريخ وضروبه مع معرفتي لمن عاصره من علماء المؤرخين،والفرق بينهم ظاهر وليس في التعصّب فائدة}. القاهرة في كتاباته{كانت مصر مسقط رأسي، وملعب أترابي ومجمع ناسي ومغنى عشيرتي وحامتي وموطن خاصتي وعامي، وجوي الذي ربى جناحيّ في وكره، وعش مأربي. فلا تهوى الأنفس غير ذكره، لا زالت منذ شذوت العلم وأتاني ربي الفطانة والفهم، أرغب في معرفة أخبارها، وأحب الأشراف على الاغتراف من آثارها، وأهوى مساءلة الركبان من سكان ديارها}.بهذة المقدمة بدأ المقريزي كتابه {المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار}، والذي خصّصه للحديث عن طبوغرافية القاهرة بصورة لم تتكرر في التاريخ الإسلامي كله، جعلت المستشرق الفرنسي الكبير كاترومير يقول: {لا توجد مدينة شرقية يمكن أن تفخر بمؤلف يبلغ مرتبة الخطط المقريزية من حيث الاكتمال والطرافة كما هو الحال مع القاهرة}. كذلك يعتبر هذا الكتاب مؤسساً في التاريخ العمراني وأول كتاب متخصص في التاريخ العمراني لمدينة بهذه الصورة المتكاملة، فأقدم كتاب في تاريخ المدن في أوروبا كان تاريخ {فلورنسه} كتب سنة 1480، أي بعد وفاة المقريزي بنحو أربعين سنة، وثمانين سنة من وضع مخطط كتابه العام.قسم المقريزي {المواعظ والاعتبار} إلى سبعة أجزاء، يشتمل الأول على جمل من أخبار مصر وأحوال نيلها وخراجها وجبالها، وثانيها على كثير من مدنها وأجناس أهلها، وثالثها على أخبار فسطاط مصر ومن ملكها، ورابعها على أخبار القاهرة وخلائفها وما كان لهم من الآثار، وخامسها يؤرخ للقاهرة في عصر المقريزي نفسه، وسادسها عن تاريخ قلعة صلاح الدين ومنشآتها المختلفة، وسابعها يشتمل على ذكر الأسباب التي نشأ عنها خراب إقليم مصر، وقد تضمن كل جزء أقساماً عدة. ترجع أهمية الكتاب إلى أن المقريزي حفظ لنا فيه، معظم أقوال مؤرخي الثمانية قرون السابقة عليه وشهاداتهم، ما ميّز روايته بالحيوية والاستمرارية، بالإضافة الى استخدامه النقوش الأثرية وشواهد القبور في التأكد من معلوماته التاريخية. كذلك تتبع المقريزي بدقة وذكاء تطوّر المدينة منذ كانت الفسطاط (بناها عمرو بن العاص بعد الفتح الإسلامي لمصر مباشرة سنة23هـ) ثم العسكر(بناها علي بن صالح العباسي بعد إسقاط الدولة الأموية مباشرة) ثم القطائع (بناها سنة 256هـ الأمير أحمد بن طالون غداة تأسيسه لدولته المستقلة) وصولا الى القاهرة التي بناها جوهر الصقلي لسيده المعز سنة 358هـ/969م، والتي أصبحت مقراً لخلافة الفاطميين منذ سنة 362هـ/973م. ثم اتّضح كيف التحمت تلك المدن كلها تحت غطاء القاهرة في العصرين الأيوبي والمملوكي .لم يفت المقريزي إيضاح طابع كل مدينة من تلك المدن، فالفسطاط كانت مركز الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أما القاهرة فكانت عند نشأتها مدينة ملوكية محصنة، لا يسكنها أحد غير الخليفة الفاطمي وأسرته وكبار رجال الدولة والجيش، وكان محرماً على الرعية السكن أو حتى المبيت داخلها بما يتفق مع عظمة مدينة الخلافة.لكن دوام الحال من المحال فتغيرت الأحوال وأصيبت مصر في منتصف القرن الخامس الهجري بأزمة اقتصادية قاسية عرفت بالشدة المستنصرية أدت إلى فتح المدينة المقدسة أبوابها للعامة، وعلّق المقريزي على هذا الحدث بقوله: {هذا أول وقت اختط الناس فيه بالقاهرة}.وعندما أسقط صلاح الدين الأيوبي الخلافة الفاطمية سنة 567هـ/1171م فتح أبواب المدينة للسكن فيها، وهو ما علّق عليه المقريزي حزناً على القاهرة: {فصارت القاهرة مدينة سكنى، بعدما كانت حصناً... ودار خلافة يُلتجأ إليها، فهانت بعد العز وابتذلت بعد الاحترام}. آثار القاهرةكانت القاهرة في عصر المقريزي أكبر مدينة في العالم الإسلامي وأكثرها عمراناً، ما دفع ولي الدين ابن خلدون عند دخوله المدينة للمرة الأولى الى القول: {من لم ير القاهرة لم يعرف عز الإسلام فهي حاضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر ، وإيوان الإسلام وكرسي الملك... وما زلنا نحدث عن هذا البلد وبعد مداه في العمران...}.حفظ لنا المقريزي بالوصف التفصيلي الكثير من آثار القاهرة التي ضاعت معالمها منذ أمد، فقد تحدّث عن قصور الفاطميين ومكتبتهم الضخمة والتي اعتُبرت أكبر مكتبة في العالم الإسلامي ومراكز نشر مذهب التشيع والتي اندثرت على مراحل تاريخية مختلفة. كذلك وضح طبيعة انتشار المدارس العلمية وعددها ومناطق تواجدها وأوضح بصورة كافية طبيعة الحياة الاقتصادية في القاهرة عند حديثه عن المؤسسات الاقتصادية من وكالات وقيساريات ومحلات، فرسم صورة رائعة متكاملة للقاهرة في العصور الإسلامية أحاط من خلالها بجوانب القاهرة الثقافية والدينية والاقتصادية والعلمية.