من (أريش العين) و(غض العود) إلى (سيد الملاح) و(الزين) النهج الغزلي الأثري في النتاج الشعري

نشر في 12-06-2009 | 00:00
آخر تحديث 12-06-2009 | 00:00
لا أفهم كيف يطالب بعض الشعراء الشاعرة المرأة بأن تكون لقصيدتها سمتها الأنثوية، وكل منهم يخاطب حبيبته في قصيدته بـ حبيبي؟!، وينطبق ذلك على كل صياغات المذكر المختلفة من (أريش العين) و(غض العود) إلى (سيد الملاح) و(الزين)، وليس انتهاء بـ(شوق) التي منحها المغني خالد عبدالرحمن في بعض أغنياته حلاوة وطلاوة لدى جمهوره.

(1)

بما أن ذهنية وذائقة الإنسان العربي هي نفسها التي تتعامل مع الشعر العربي الفصيح، والشعر العامي أو اللهجوي/ الشعبي، ومن دون فروقات كبيرة من حيث التلقي والتعامل، فإن شاعر القصيدة الفصحى لا يختلف غالباً عن شاعر القصيدة العامية من حيث التعامل مع بعض الاستخدامات والأساليب والمفاهيم المتعلقة بالشعر، والتي يتم السير على نهجها، وتقليدها، وتكرارها.

ومن ثم استمرار تكريسها، وكأنها أمر يجب أن يبقى ثابتاً من دون أي تغيير، مما يؤكد أن كثيرا من التعاملات مع التراث الشعري، يتم عبر كسل فكري مستتب ومستمر من الأغلبية، ومن دون أن يكون هناك تأمل في أمر الاستخدام أو الأسلوب أو النهج، وهل هو صالح لأن يظل يستعاد ويكرر ويستخدم كما هو، وكأنه حقيقة علمية وليس شكلية أدبية أو عرف أدبي قابل للتغير والاستبدال.

وهكذا هو نهج مخاطبة المرأة أو الإشارة إليها من قبل الشاعر في القصيدة الغزلية بصيغة المذكر!

(2) 

وعلى الرغم من أن المتتبع لشعر الغزل في العصر الجاهلي سيجد أن الحبيبة كانت تخاطب في كثير مما وصلنا منه من شعر باسمها، ومن ثم فإنها تخاطب في كثير من صياغات ذلك الشعر بصفتها المؤنثة، فإن مخاطبة الحبيبة بصيغة

المذكر قد بدأ منذ ذلك العصر الغابر القدم، وظل يتكرر كنهج في ركام من القصائد الغزلية، وعبر أغلبية الشعراء، وعلى مر العصور، وإلى عصرنا الحاضر.

وكما ظل جَّل، إن لم يكن كل شعراء الفصحى إلى وقتنا الحاضر يسيرون على نفس النهج، فيخاطبون الحبيبة أو يشيرون إليها في قصائدهم بـ (حبيبي) و(حبيب)

أو أي مما يدخل في نطاقهما من الاستخدامات ذات الصفة الذكرية فإنهم يبدون كما لو أنهم يتعاملون مع الأمر على أنه ثابتة عقائدية لا نهج أسلوبي شاذ! ومن هنا فلا أدري بأي عذر - والحال هكذا - يدعي بعض شعراء الفصحى

أنهم أعلى باعاً في الثقافة والوعي عن معاصريهم من شعراء العامية، وهم أشد منافسة لهم - ومن الفريقين منهم، تقليدي وحداثي - في عدم مبارحة ذلك النهج الغزلي الأثري في كثير من نتاجهم الشعري العاطفي؟!

(3) 

وكنت قد تساءلت بحيرة ضمن إجابة لي عن سؤال من الأخت القاصة والكاتبة فاطمة الغامدي عبر لقاء في منتديات (منابع الدهشة) وتبعاً لحديث عن قصيدة

الغزل وقلت بأني لا أفهم كيف يطالب بعض الشعراء الشاعرة المرأة بأن تكون لقصيدتها سمتها الأنثوية، وكل منهم يخاطب حبيبته في قصيدته بـ حبيبي؟! وينطبق ذلك على كل صياغات المذكر المختلفة من (أريش العين) و(غض العود) إلى (سيد الملاح) و(الزين) وليس انتهاء بـ(شوق) التي منحها المغني خالد عبدالرحمن في بعض أغنياته حلاوة وطلاوة لدى جمهوره كانت السبب في نهضة مباركة لتلك المفردة الجميلة في كثير من قصائد خبط عشواء، وما بين أسماء البنات كذلك، لأن البعض تصور أنه اسم حبيبة المغني المبجل، غير متنبهين إلى أنه يخاطب الحبيبة بصياغة المذكر في كل تلك الأغنية (الشوقية)، وذلك لأن (شوق) من ضمن الاستخدامات القديمة في مخاطبة الحبيبة.

ومنه على سبيل المثال (يا شوق يا للي في خدودك نقاريش)!

لكن من المؤكد أن (شوق) أخف وطأة من (الغضي) وكل أشيائه الجمالية التي يشملها بأبوته... (أبوعيون) (أبوخدود)... الخ!

(4) 

ولابد لي من الاعتقاد في ما يختص بالشعر الشعبي، وبناء على عجائبه المريرة بأن هذا الأمر لابد أن يكون داخلا في مجال الـ(ما يخالف) و(عادي) مقارنة ببعض القصائد العامية الغزلية، تلك التي يبدو شعراؤها وكأنما يفضحون

أنفسهم بكشف وتأكيد كذبهم، وكون قضية حبهم مجرد (أي كلام مصفصف)، وذلك كلما جاءت قصائدهم تلك وكل بيت فيها بصيغة مخاطب مختلفة، فمرة مذكر ومرة مؤنث!

وأتصور أن الأمر في هذه الحالة أكثر من كونه مجرد سير على نهج غابر وأقرب إلى الإعاقة الفكرية والعمى الوجداني، الذي يؤكد أن الحب ما هو إلا ضحية ضحالات نظمية على زيف فادعاءات جوفاء بلهاء أبعد ما تكون عن حقيقة الحب ومفهومه السامي، ومن ثم فهي مزيد من الإساءة الركامية للحب وللمرأة معاً.

(5) 

ومع انني لا أعرف تحديداً حجة أو سبب أول شاعر خاطب حبيبته أو معشوقته في قصيدته، كما لو أنها ذكر لا أنثى، فإني في كل الأحوال لن أحمله خطأ آخر شاعر استخدم نفس النهج الأغبر!

هذا في نفس الوقت الذي أقدر فيه للمرأة الشاعرة وعيها بتجنب الثورة الخاطئة، فالأخذ بالثأر من الرجل الشاعر عبر عكس الأمر كما ظل يفعل، ومخاطبة حبيبها أو الإشارة إليه في قصيدتها بصيغة المؤنث! انتقاما من الشاعر ضد استمراره على مر العصور بسلبها أمرا هو من

أشيائها الاستخداماتية الطبيعية في قصيدتها العاطفية... لكنه سيظل يحق لها أن تسأل أي شاعر ينهج ذلك النهج (الأحول) وهو يخاطب المرأة أو الحبيبة: أي (حبيبي) يا رجل؟

back to top