سيرة علي الزيبق على طريقة روبن هود
قدمت فرقة «ومضة» في «بيت السحيمي» في القاهرة العرض المسرحي «علي الزيبق»، من تأليف د. نبيل بهجت وإخراجه، الذي استلهم فنون البهلوان، خيال الظل، الراوي، الغناء الشعبي، التنورة، التحطيب، كمفردات لتشكيل الأحداث الدرامية، وتداخل الغناء الشعبي مع الحدث الدرامي في محاولة للتفاعل مع الجمهور بشكل إيجابي.يتمحور العرض حول رسالة واضحة مفادها أن القوة غير كافية لتحقيق الانتصار ولا بد من أن يرافقها الحق، ويأتي في إطار محاولة لإعادة إحياء التراث الشعبي والاستفادة من كنوزه المهملة.
يبدأ العرض من لحظة مقتل حسن رأس الغول، والد علي الزيبق، ورصد حيل الأخير في الانتصار على سنقر الكلبي مقدم الدرك، رمز الشر المطلق في العمل الملحمي.ضمير شعب«علي الزيبق» إحدى أبرز السير الشعبية التي حملها الضمير الشعبي عبر الزمان وحفظها من الزوال، فظلت في الصدور يتناقلها «الحكواتية» على أنغام الربابة.تتميز سيرة الزيبق في تعبيرها عن حاجات المجتمع العربي، وتقديمها شخصيات من قلبه، فكان البطل علي ابن حسن رأس الغول «ابن بلد» أصيل أو حرفوش من حرافيش نجيب محفوظ، صادق الفقراء وناصرهم. كذلك قدمت السيرة البطل في شكل جذاب، فهو ذكي، واسع الحيلة، سريع البديهة، من هنا جاء لقبه الزيبق، لأنه يسرق من الأغنياء وكبار التجار ليعطي الفقراء والمحتاجين.رمز البسطاء إن كان عنترة رمز الشجاعة في الفلكلور العربي فإن الزيبق أصبح رمزاً لانتصار الإنسان البسيط، فجاءت الشخصية الرئيسة في العمل الملحمي، على عكس معظم السير، من واقع الحياة تعبر عن هموم المواطن العادي وعن آمال الشعب المغلوب على أمره. من هذا المنطلق تحدى علي الزيبق سلطة الولاة الغاشمة التي سحقت كرامة الإنسان العادي وتحالفت مع التجار الجشعين، مؤكداً أن «حاميها حراميها»، فتجاوب الجمهور داخل النص – وخارجه - مع الضربات التي وجهها الزيبق ضد قوى الظلم والجشع.لصوص شرفاءعلى رغم القاسم المشترك بين الزيبق والبطل الشعبي الإنكليزي روبن هود في كونهما من اللصوص الشرفاء، يدور الجدل أحياناً حول أيهما اقتبس من الآخر، لكن يبدو أن المجتمعات المختلفة، عندما تمرّ بأزمات قاسية وتتعرض لظلم الحكّام، تبحث عن بطلها الخاص الذي يعبّر عنها وعن أمانيها وأحلامها. ظلت سيرة الزيبق مع سير الهلالية وبيبرس وعنترة والأميرة ذات الهمة وسيف بن ذي يزن تُروى في المقاهي وفي ريف مصر وصعيدها حتى أوائل القرن العشرين، عندما دون معظمها وطبع في كتب.فاروق خورشيديعتبر الكاتب الراحل فاروق خورشيد أهم من استفاد من سيرة علي الزيبق المصري في إطار اهتمامه الشخصي بالسير الشعبية، حتى أصبح حجة في كل ما يتّصل بها من قضايا فنية وتاريخية وفي أبعادها الاجتماعية والسياسية.ولعشقه فن السيرة أعاد خورشيد صياغة «علي الزيبق» بأسلوب قوي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وقدمها بشكل روائي حديث له منطقه الفني الخاص ومصداقيته، مع الحفاظ على الروح الشعبية الأصلية في أجواء الرواية، لكن من دون مبالغات وخروج عن المألوف، فقدم لنا روايتي «علي الزيبق» (1963) و{ملاعيب علي الزيبق»، موصولتين بالأصل الشعبي «سيرة علي الزيبق المصري»، وإن كانت الرواية الثانية تتماهى مع عنوان نص شعبي آخر هو «ملاعيب شيحا»، بل وتزيد عليه بأن أحداثها تستكمل النص الأصلي لسيرة الزيبق، فتبدأ من حيث توقفت السيرة وتستكمل في إطار من خيال خورشيد، مع فتح ما أغلق فنياً من دوائر درامية يتحرك من خلالها العمل الجديد.«علي الزيبق» تجربة تقدم لنا كيفية الاستفادة من تراثنا الشعبي وإعادة بعثه في شكل حديث، يعبر عن الشخصية العربية ويظهر مكنوناتها ويؤكد غنى هذا التراث بالتفاصيل. كذلك قدم الكاتب يسري الجندي هذه السيرة في عمل تلفزيوني شهير في منتصف الثمانينات.على رغم انتشار هذه الأعمال، يبقى المجال مفتوحاً للاستفادة من تراثنا الشعبي وبعثه من مرقده أمام كل مبدع حقيقي يتعمق في فهم الشخصية المصرية ويعمل على تأكيد سماتها. فكم من السير تحتاج من يعيدها إلى الحياة؟!