الأديبة مي زيادة... أصلها وفصلها وليالي العصفوريّة

نشر في 03-09-2009 | 00:00
آخر تحديث 03-09-2009 | 00:00
قرأنا في إحدى الصحف اللبنانية أن أهالي شحتول في منطقة كسروان اللبنانية يرفضون ما يورده بعض المراجع عن أن مي زياد أديبة وشاعرة فلسطينية، لأنها على رغم ولادتها في الناصرة، لبنانية بامتياز. لذا أقامت بلدية شحتول نصباً لها في ساحة البلدة، مسقطها، ودعت الى إزاحة الستار عنه في 5 سبتمبر (أيلول) الجاري. طبعاً، من يقرأ هذا الخبر ويعود إلى حياة مي يضحك أو ويبكي لشدة حماسة الناس إلى الولاءات والفلكلور الثقافي.

هل القصد من إقامة تمثال لمي في مسقط رأسها إعادة الاعتبار إليها بعدما عاشت المرارة في حياتها، أم أن الخطوة بمثابة فلكلور عابر يلجأ اليه بعض البلديات في سبيل الدعاية لمشاريعه؟ الأرجح أن ابناء البلدة اللبنانية التي تريد تكريم مي زيادة لا يعرفون كثيراً عن حياتها ومأساتها، ربما هم أرادوا ما بقي منها، أي شهرتها في الوسط الثقافي. والأرجح أنهم لو عرفوها جيداً لشعروا بالذهول وفتشوا عن طريقة أخرى للتكريم، ليس من خلال تمثال نصفي، بل من خلال تشييد مجمع ثقافي أو عبر إعادة طباعة كتبها أو البحث عن مخطوطاتها المفقودة أو التي اخفيت.

في الأدب لا تهم جنسية الكاتب أو الشاعر سواء كان لبنانياً أو فلسطينياً أو موزامبيقياً، النص هو الأساس، وأصل الكاتب لا يصنع مجداً بل نصه. لنقل إن ماري إلياس زيادة التي يُقال إنها فلسطينية، ويعتبرها أهالي شحتول لبنانية، اشتهرت بدورها الريادي في الحركة الأدبية والثقافية في مصر منذ وصولها إليها في الثانية والعشرين من عمرها مع والدها ووالدتها، قادمين من مدينة ميلادها الناصرة في فلسطين. كان والدها قد رحل من بلدته شحتول في لبنان الى فلسطين، حيث تزوج من والدتها نزهة معمر الفلسطينية، ووُلدت ابنتهما ماري في 11 فبراير (شباط) 1886.

إضافة إلى أصلها وفصلها، جاءت زيادة إلى مصر مشروع أديبة تكتب بالفرنسية، بتوقيع إيزيس كوبيا، فحولتها مصر الى أديبة تكتب بالعربية، بتوقيع الآنسة مي، الاسم مأخوذ من الحرفين الأول والأخير من اسمها «ماري». ثم تعرفت مي إلى أستاذها أحمد لطفي السيد، الذي قادها إلى برنامج مكثف لدراسة اللغة العربية والخط العربي، والتحقت بالجامعة المصرية.

اللافت في حياة زيادة إقامتها صالونها الأدبي في مصر ورسائلها مع جبران خليل جبران. موضوعان يشكلان جوهر مسيرتها الأدبية والثقافية، خصوصاً حين نعلم أن عشرات المثقفين أغرموا بها. الأرجح أن الكتابة عن مسيرة زيادة تحمل في مكنونها دلالات كثيرة حول الحياة الثقافية عموماً وحول أن تكون المرأة مثقفة أو كاتبة خصوصاً، فما كُتب وعرف عن سيرة زيادة، ظل ضمن نطاق ما حوته الرسائل المتبادلة بينها وأعلام الأدب في مصر ولبنان. وركزت الكتابات على الطور الذي عاشته من حياتها بعد انتقالها برفقة والديها للإقامة في مصر في منتصف عام 1907، حيث أسعفها ثراء أهلها في افتتاح صالونها الأدبي، وتقديم حفلات الشاي أثناء المناظرات الفكرية والأدبية والشعرية، وتوفير الراحة لعشرات الوافدين، خصوصاً الأدباء الذين كثُرت التأويلات حول علاقتهم بها وعلاقتها بهم، وهي تراوحت بين الاستلطاف والانسجام والغرام إلى حد العشق، وتضاربت بين الظن والتأكيد والشائعات وجعلت بعض الشعراء يهيم بزيادة كأنها ليلى العصر الحديث.

لم تذهب الكتابات في تبيان علاقات زيادة مع أشخاص بعيدين عن الوسط الأدبي (غير الأدباء)، وكأن أهل الأدب وحدهم «محصورة بهم بالذات المؤهلات الدونجوانية» بتعبير سعد الذي أصدر كتاباً بعنوان «الآنسة مي»، مبيّناً فيه أنها أحبت ابن عمها جوزف في البداية قبل أن تصبح أديبة لامعة. وبعد وفاتها أطلق عدد من الكتّاب أعنّة أخيلتهم في تركيب الأخبار والروايات عن غراميات مزعومة لزيادة، وإن كان فيها شيء من الواقع. ولو عاشت زيادة، يقول فاروق سعد، وقرأت الحلقات المتسلسة التي نشرها كامل الشناوي بعنوان «الذين أحبوا مي»، وما تضمنته من مزاعم عن علاقاتها العاطفية بزوار صالونها الأدبي، لأقفلت باب منزلها في وجههم! على أن العلاقة الأكثر شهرة كانت بين زيادة وجبران وكانت قائمة على الوهم والحبر والورق.

يوم أرسلت زيادة أول رسالة إلى جبران كانت بلغت السادسة والعشرين، وأخذت تلوح تباشير ذيوع اسمها كأديبة تكتب باللغتين الفرنسية والعربية وبأسماء مستعارة كثيرة، وتوطدت ثقتها بمستقبلها الأدبي. وما يجدر بنا التأمل في ثناياه علاقتها الشهيرة بجبران، التي كثيراً ما نتماثل في اعتبارها ذروة الحب، لأنها لم تخرج في الواقع عن حدود الورق، تحديداً ورق الرسائل المتبادلة بينهما على مدى سنوات. إنها كعلاقة قيس وليلى القائمة على الأخبار والروايات التراثية المثالية التي تصب في خانة الحب العذري.

احتفظت زيادة برسائل جبران الـ 36، وأصدرتها في كتاب بعنوان «الشعلة الزرقاء»، فكان جبران عزاءها الوحيد في أحلك أيامها، وقد وُجدت بين أوراقها صورة له كتبت عليها بالإنكليزية «هذه مصيبتي منذ أعوام».

يبدو أن رسائل جبران سحرت زيادة وجعلتها تتعلق به أكثر، وكانت انفصلت يوماً ما عن خطيبها (ابن عمها) لأنها اكتشفت أن صديقه يساعده في كتابة رسائله الغرامية إليها، فهي الخجولة الجميلة، أحبت جبران من دون أن تعرفه. نقرأ ذلك من خلال رسائلها التي جمعها الدارسون وتدل على حب تصاعدت وتائر كلماته من عام 1912 حتى منتصف العشرينات.

قصة زيادة مع الحب طويلة وليست همنا الآن. ما نود قوله، في خضم زوبعة تمثالها في مسقط رأس والدها أو عائلتها، إنها تعرضت بعد وفاة والدها (1930)، ثم أمها (1932) إلى حالة من الحزن، ووجدت نفسها وحيدة في بيتها من دون حماية والديها، فقررت إلغاء ندوة صالونها الأسبوعية كل ثلاثاء، لكنها لم تنقطع عن التأليف والكتابة، إلى أن جاء إليها ابن عمها جوزف (عشيق مراهقتها) من لبنان، يسألها عن أملاكها وأموالها ويرشح نفسه مديراً لأعمالها، فلما أكدت له أنها لا تملك إلا حسابات بسيطة دس عليها جواسيسه ليستطلعوا خبايا أموالها، ومن بينهم قريبة أحضرها لتقيم معها بزعم أنها خادمة لترعى شؤونها! وكانت لوالد زيادة قطعة أرض في بلدته شحتول استولت عليها عائلته، ما جعله يحذر ابنته من الثقة بأقاربه أو أقارب أمها، وعلى رغم ذلك لم تجد الكاتبة مانعاً من فتح بابها لابن العم الذي استطاع بالخديعة الالتفاف حولها لتوقع له على توكيل يخول له التصرف باسمها، وبحجة الترفيه عنها استدرجها الى لبنان لتجد نفسها في قبضته يدخلها مستشفى العصفورية بقميص المجانين، زاعماً أنها تعاني اضطرابات عقلية تستدعي علاجاً دائماً. فبعد فشلها في حب جوزف، أتى الأخير نفسه وأدخلها المستشفى لتكتمل رحلة عذاب خطت زيادة سطورها في كتاب «ليالي العصفورية» الذي توارت مخطوطته عن الأنظار ولم تزل

مؤلفاتها

- «أزاهير حلم»: ديوان شعر.

- «الحب الألماني»: ترجمة عن الألمانية لمؤلفه فريدريك ماكس موللر، وعرّبته زيادة بعنوان «ابتسامات ودموع».

- «الحب في العذاب»: ترجمة عن الإنكليزية.

- «سوانح فتاة»: مجموعة خواطر.

- دراسات عن باحثة البادية، عائشة تيمور، وردة اليازجي.

- كلمات وإشارات، خطب ومقالات، ظلمات وأشعة، ومقالات في فلسفة الحياة والوطنية.

- «الصحائف»: مقتطفات من مقالاتها.

- «المساواة»: دراسة اجتماعية في الديمقراطية والاشتراكية.

- «رسالة إلى هتلر»: تنديد بمساوئ الحرب.

- «مذكراتي»: مذكرات لها في مصر ولبنان وأوروبا.

إضافة إلى قصص ومقالات كانت تنشرها في جريدة «المحروسة».

back to top