بيروت، خفايا الشرق لغسان كتمتو... التصوّف بالأبيض والأسود
«بيروت، خفايا المشرق» عنوان كتاب غسان كتمتو الصادر عن «دار النهار» في إطار «بيروت عاصمة عالمية للكتاب»، ويضم نحو 50 صورة بالأبيض والأسود، ومقدمات لثلاثة رجال يجمعهم الاهتمام بجماليات الفن ودعمه، بثلاث لغات. الأول غسان تويني، والثاني (بالفرنسية) رئيس البيت الأوروبي للتصوير هنري شابييه، والثالث (بالإنكليزية) المتخصّص في تاريخ الصورة وأحد المديرين السابقين لمتحف جيتي- لوس أنجليس غوردن بالدوين.
يغطي غسان كتمتو في ترحاله رحاب الشرق من اسطنبول الى القاهرة ومن البحر إلى الصحراء، من السهول إلى الجبال، ومن الآثار إلى البدايات، من الأماكن المقدسة إلى الأسواق والمراعي، بل الأماكن المتصوفة بجمالها، وبين الأماكن كافة تبدو بيروت المحور والجامع لكل شيء... هي البيت بمنازل كثيرة، من العيش إلى الخفايا الرموز والوجوه التي يرصدها المصور في أسفاره.يظهر أسلوب كتمتو الشخصي ليبيّن النفحة الرمزية الحاضرة في الزوايا وفي التفاصيل الصغيرة، في تعابير الوجوه أو العيون، إنها «الشعرية بالأبيض والأسود: شعرية شجرة اللورانس ومدينة البتراء في الأردن والمرأة البصارة في مقهى الروضة (بيروت)، بل هي روحانية التراسل في مقام السيدة زينب في دمشق اذ يظهر الزائر (أو الزائرة) كأنه طيف أو كأن الصورة لوحة تشكيلية بالأبيض والأسود، واهتمام المصور الأكبر كان في بيروت بين القاهرة المصرية واسطنبول التركية، بيروت التي ينبعث الحنين من صورها ولحظاتها، خصوصاً قصر الداعوق أو الأزياء التراثية القديمة ودرج الجميزة وكحل الفتاة في بعلبك ونظرة الشاب في حديقة الصنائع، حنين تصنعه الصورة أولاً وأخيراً، أو تستنبطه عينا الناظر إلى أمكنة مهددة بالزوال وتقاليد هي في طريقها إلى الأفول تحت وطأة التغيرات في الموضة والوسائط والميديا، سواء كانت الأزياء التقليدية الجميلة او الحمامات التركية والنراجيل في طرابلس. صور غسان كتمتو صوفية في جانب منها وتعبيرية في جانب آخر، تجريبية تحتاج نصاً شعرياً إلى جانبها وروتينية في بعض المشاهد، ثمة وجوه نعرفها في الكتاب مثل الموسيقيان أحمد الخطيب وزياد سحاب، ووجوه نسأل في قرارة أنفسنا عن أصلها وفصلها مثل العجوز التي تخطت المئة. يقول غسان تويني في مقدمته: {هل – خفايا - المشرق، بما هو نقطة لقاء بين – مجاهل - الشرق العميق والغرب الفاقد لأبهة الأسرار، ولما في ثنايا الروح من كنوز، بيّنة ظاهرة للعيان، أم تراها، كما تشير إلى ذلك العبارة، وما يتداول ويشاع، عصية على الإدراك؟ ما تجعلنا صور هذا الكتاب نلمسه بالعين ونتبينه بالقلب قبل العقل، بل بالقلب في العقل، كما يقول القديس يوحنا الدمشقي، هو المشرق الواحد المتنوع المتجلّي سحراً في العمارة والمناظر والزيّ والأجساد والوضعيات والوجوه... وفي ما بينها من عميق الصلة والتوافق».ولأن غسان كتمتّو، أراد أن يذهب خطوات عدة في «لعبة الأسود والأبيض»، توسّل بورق قديم له تاريخه المتميّز، ومن خلاله تصبح للأسود والأبيض تدرجات لونيّة عدة، وظلال، وإنعكاسات. يقول كتمتو: {هذا الورق يظهر الدفء الذي يتمتع به المشرق». عن «الأسود والأبيض»، يوضح تويني: {يكشف غسان كتمتّو بالأسود والأبيض، أي بالإقتصاد في التصوير الذي هو الإلمام الفطري بلا متناهي الأنوار والظلمات، وبلا ماديتها على تناول الإحساس لها، وبالحرفة التي تختفي في ما تظهر، يكشف حجب المشرق، فيأتي فنه خير تجسيد لما تناولته عدسته، ومرآةً فاتنة لما كشفه هو من سحر الخفايا».عمل كتمتو الذي شارك في أكثر من 10 معارض دولية، 10 سنوات ليُنتج هذه الصور ويُبين عبرها للغرب وجه المشرق الحضاري والتاريخي، من وجهة نظر فنية جديدة. اكتشف أساتذته في المواد الاختيارية التي انتقاها وهو يدرس التسويق في جامعة لوس أنجليس، موهبته في التصوير الفوتوغرافي التجريبي. كانت بداياته التجريبية مع المصور والصحافي الأميركي مارك إدوارد هاريس الذي كان يُدرّس مادة التصوير آنذاك في جامعة لوس أنجليس في كاليفورينا. وعملا على تقنية الـ Polaroid transfer أي التصوير على أساس أن تُطبع الصور على ورق قطني للرسم، وهو ما يضيف الى اللقطات جمالية إضافية ويجعلها أكثر قوة وتعبيراً.