النقد 
مهمة ثقيلة

نشر في 20-10-2009
آخر تحديث 20-10-2009 | 00:00
 طالب الرفاعي لا تقِلُّ أهمية النقد، بأي شكل من الأشكال، عن أهمية أيِّ جنس أدبي، فالكتابة النقدية، هي إبداع يسير في موازاة نصٍ إبداعي أول، يضيء معانيه ومغالقه بنص لاحق عليه، لا يقل إبداعاً عنه.

وأحياناً قد تتفوق الكتابة النقدية على النص الأصلي، متى ما توافرت لها المقومات الثقافية والنقدية المطلوبة، ومتى ما استطاعت أن تتجاوز النص الإبداعي بأخذه إلى أبعاد جديدة، تضيف فهماً أوسع إليه، وتلمّ شتات معانيه.

الناقد، في أي مجال من مجالات الأدب، لا يقل أهمية عن الكاتب نفسه، لذا يبدو واضحاً لراصد الساحة الثقافية الكويتية، غياب الناقد الكويتي، خصوصا بين جيل الشباب، فالكويت اليوم تزخر بإنتاج قصصي وشعري وروائي ملحوظ، لكن ليس هناك إنتاج نقدي يوازي الكتابات الأدبية.

أسباب كثيرة قد تكون وراء غياب الناقد الأدبي المتخصص، من بينها:

- الثقافة الموسوعية الأكاديمية المتخصصة التي يحتاج إليها الناقد، لمعرفة وفهم مختلف المدارس النقدية.

- القراءة والاطلاع الأدبي المتواصلان في شتى مجالات الأدب والفن بشكل عام، وفي مجال تخصص الناقد بوجه خاص.

- النظرة الخاطئة عن النقد والناقد، لدى جمهور التلقي، بوصفهما يحتلان مرتبة لاحقة على مرتبة الإبداع الأدبي.

- استسهال البعض كتابة النص الإبداعي، مقارنة بنحت النص النقدي.

- أمراض الساحة الثقافية، وانتشار المحاباة ومراعاة واجب الصداقة، على حساب موضوعية النقد، ما يصعّب مهمة الناقد، ويجلب عليه الكثير من العداوات.

إن حركة ثقافية معافاة تتطلب بالضرورة وجود الناقد والنقد إلى جانب المبدع والنص الإبداعي، وللآسف نحن في الكويت في بعد عن النقد والناقد، فباستثناء أسماء عملت في النقد على فترات متقطعة، كالدكتور سليمان الشطي، والروائي إسماعيل الفهد، والدكتور مرسل العجمي، فإن الساحة الثقافية تعاني غياب الناقد المتخصص، الذي اتخذ من متابعة الكتابات الأدبية ونقدها مساراً لحياته الثقافية والعملية.

إن وجود الناقد الأدبي المتخصص، شعراً وروايةً وقصةً قصيرةً، يسهّل مهمة الأديب، والأديب الناشئ تحديداً، كونه أحوج ما يكون إلى صوت متفهم يحنو على موهبته ويرعاها، ويأخذ بيده إلى الطريق الأدبي القويم، ويختصر عليه مراحل قد يتخبط فيها طويلاً، قبل أن يرسو على شواطئ الإبداع الجاد.

إن وجود حركة ثقافية يعني وجود المبدع والنص والناقد، وغياب النقد يعني بالضرورة اختلالاً في أحد جوانب العملية الإبداعية، ما ينعكس على النتاج الإبداعي من جهة، وعلى المبدع والمتلقي من جهة ثانية، فالنقد يمس النص الإبداعي والمبدع، بقدر ما يصل إلى القارئ المتلقي، الذي يشكل النقد بالنسبة إليه علامات طريق ضرورية يستدل من خلالها إلى أهم نقاط قوة وضعف النص الأدبي، كما تساعده على اكتشف الفرق بين كاتب وآخر، وبين انتماء كل كاتب إلى مدرسة فنية وأدبية بعينها.

غياب النقد والناقد، ليس مشكلة كويتية، بل هو إشكال يشمل الحركة الثقافية العربية بأسرها، ويتفاوت بين قطر وآخر، فبسبب شمولية مهمة الناقد، وضرورة أن ينذر نفسه للقراءة والمتابعة المتواصلتين، وبالنظر إلى عدم التقدير الذي يحظى به النقاد من الناشر ومن المؤسسة الثقافية ومن القارئ، فإن الكثيرين فضلوا الانصراف إلى الكتابة الأدبية، هروباً من مهمة النقد الثقيلة، وكم يخسر المبدع والقارئ من جراء ذلك؟ 

back to top