تحقيق أيام الجهاد الأكبر رمضان شهر حماية الأمة من شرور النفس

نشر في 17-09-2009 | 00:00
آخر تحديث 17-09-2009 | 00:00
 إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقوم رجعوا من الغزو: «قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد لهواه».

والآن ونحن في ظل شهر رمضان المبارك أصبحت الأمة أكثر حاجة إلى تفعيل وصية الرسول الكريم في جهاد النفس، خاصة أنه في ظل تسلسل الشياطين في رمضان يبرز شيطان آخر أكثر خطورة وهو شيطان النفس الأمارة بالسوء الذي يسعى إلى صرف الإنسان عن التزود بالتقوى التي تأتي من خلال ترك المعاصي واتقان العمل وعدم التكاسل والسعي إلى تحرير الفكر وصولاً إلى الجهاد الدعوي وتوصيل رسالة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.

عن هذه القضية يتحدث إلى «الجريدة» عدد من علماء الإسلام ليوضحوا ماهية الجهاد الأكبر وأهميته خاصة في شهر رمضان.

يقول د. محمد أبو ليلة (أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنكليزية بجامعة الأزهر وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة) إن الجهاد الأكبر الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم بجهاد النفس هو الأصل، وهو المراد بقوله تعالى «وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ» (الحج: 78)، وهذه الآية توضح هذا المعنى وما جاء بعدها من كلام الله عز وجل «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (الحج: 77) وهذا هو السابق على الآية، أما ما جاء في تكملة لها فقوله تعالى «هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج: 78) إلى آخر الآيات التي تتحدث في مجموعها عن الصلاة وسائر العبادات الأخرى وعن وجوب فعل الخير الذي هو أمر جامع لكل ما ينفع الناس في الدنيا والآخرة، كما تخبر الآية كذلك عن جوانب اليسر في الإسلام والأمر بالاعتصام بالله، وهذه الآيات الكريمة ليس فيها إشارة إلى جهاد العدو بل كلها تصب في اتجاه جهاد النفس أي تربيتها وتصفيتها من أدران المعاصي والشرور والجهل والشح، وهو الأمر المطلوب خاصة في شهر رمضان الذي خصصه الله عز وجل لجهاد النفس وكبح جماحها وتجنب أذاها وأذى الغير، والإكثار من عمل الخيرات والمبرات بقدر الوسع والطاقة.

ويضيف أنه إذا كان الجهاد الأكبر يتمثل في إعداد المؤمنين وتدريبهم وشحذ هممهم خاصة في هذا الشهر المبارك، فإن الأمة الإسلامية اليوم في أشد الحاجة إليه اليوم لأن هناك حاجة ماسة إلى أن تشترك جميع السواعد والعقول لإخراج الأمة من دائرة التخلف والتبعية، ولا يكون ذلك إلا بالجهاد ضد التخلف والفقر والجهل والاتكالية والعشوائية المشاهدة اليوم في حياة الأمة، والمضي قدماً نحو طريق التقدم العلمي في جميع المجالات والذي يأتي قبله المصارحة مع الذات وإحراج الضمائر المتخاذلة التي تركزت مهارتها في التبرير والتغرير، فلابد من استغلال الشهر المبارك في تغيير النفوس من الداخل، مع المحافظة على القيم والدين حتى نواكب العصر من خلال منظومة القيم الإسلامية الرشيدة وليس عن طريق الانتفاع الضار الذي يضحي بالأخلاق والقيم في سبيل حياة مادية غير مأمونة.

إعلاء كلمة الله

ويوضح د. صبري عبدالرؤوف (أستاذ الفقه بجامعة الأزهر) أن الجهاد كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الهدف الأساسي منه هو إعلاء كلمة الله في الأرض، والدفاع عن قيم العدالة والحرية وأمن الإنسانية، وشهر رمضان فرصة عظيمة لممارسة هذا اللون من ألوان الجهاد، وخاصة أنه يشهد انطلاق مشاعل الدعوة من كل حدب وصوب لتوصيل رسالة الإسلام في كل ربوع العالم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن هناك نطاقاً أساسياً يجب الالتزام به وهو الفكر الوسطي المستوحى من صحيح وعالمية الإسلام، حتى يمكن لكل مسلم من خلال شهر رمضان وما يحويه من قيم جهادية كبرى أن يكون لبنة حقيقية في تقديم صورة صحيحة ومضيئة عن الإسلام، خاصة أن الأمم كلها تلتفت أنظارها إلى أمة الإسلام في هذا الشهر المبارك، لترى ماذا تفعل وكيف تعبد ربها وهل تطبق مبادئ دينها أم أن المسلمين يقولون ما لا يفعلون؟

ويشير إلى أن العالم الإسلامي اليوم في أمس الحاجة إلى تفعيل قيم الجهاد الأكبر انطلاقاً من شهر الجهاد والعمل، وأن الجهاد بالكلمة والموعظة الحسنة هو مسؤولية الدعاة حتى يتسنى مقاومة دعوات العنف والتطرف ومحاولات تفسير الإسلام بطريقة تبعده عن جوهره، وتأويل النصوص بغير ما أولها عليه السلف الصالح والعلماء الأجلاء وأولو الرأي الواضح والمستنير للإسلام، ولذلك على المسلمين عامة والدعاة خاصة أن يحققوا في هذا الشهر وفي غيره ما أراده الله عز وجل من قوله تعالى «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ» (آل عمران: 110).

ويقول د. سالم عبدالجليل (وكيل وزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة) إن المسلمين في حاجة إلى تربية دينية صحيحة، وتربية دنيوية مستقيمة، وشهر رمضان الفضيل هو الفرصة الأكبر أمام المسلمين لتحقيق معاني الجهاد الأكبر وتنمية القيم الدينية في نفوسهم، وذلك عن طريق التحلي بالخلق القويم وبذل الجهد في الطاعة والعبادة، والإكثار من قراءة القرآن والتعبدية، خصوصا أن أداء صلاة مثل قيام الليل أو التهجد في جوف الليل والناس نيام هي لون من ألوان الجهاد، وتقديم نماذج مضيئة للإسلام والمسلمين وإتقان العمل والسعي إلى المساجد وترويض النفس وتربيتها على طاعة الله في هذا الشهر، وعدم الانصراف وراء ملذات زائلة، وكل هذه الأمور قيم جهادية علمها الإسلام للمسلمين، وطالبهم بتطبيقها في كل الشهور عامة وفي رمضان خاصة.

back to top