هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة مدنيو فيتنام وقفوا بلا خيار أمام اضطهادَين وقهرَين كلٌّ منهما يبز الآخر سوءاً... قوات أجنبية و ابن البلد ! (الحلقة 14)

نشر في 05-04-2010 | 00:00
آخر تحديث 05-04-2010 | 00:00
قصص التخلف

منذ مارس 1960، حينما تأسست بصورة رسمية «جبهة التحرير الوطني»، أو الجناح العسكري للـ«فيتكونغ»، ارتسمت الصورة في فيتنام على النحو المعروف لاحقاً: هانوي تدعم الثوار بالسلاح والمقاتلين المتدفقين من الشمال، وواشنطن تدعم نظام الرئيس نغو دنه دييم في الجنوب بالسلاح والعتاد والخبرة والموقف السياسي، قبل أن تبدأ في 1965 قصف فيتنام الشمالية.

في هذه الغضون كان الصراع قد احتدم بين دييم والأكثرية البوذية، وفي عهد جون كينيدي تخلت واشنطن عنه تاركةً لانقلاب عسكري قاده الجنرال دونغ فان منه في 1 نوفمبر 1963 أن يطيحه ويعدمه. بعد ذاك تعاقبت الانقلابات العسكرية وبدا أن البلد الذي أُفسد بما فيه الكفاية غدا غير قابل لأن يُحكم. وفي 1965 بات الحاكم الفعلي رئيس الحكومة الجنرال نغوين كاو كي، ثم انتقلت السلطة في 1967 إلى الجنرال نغوين فان ثيو. وثيو كان فاسداً وعديم النفع والفعالية، بدوره، فغسل الأميركيون يدهم منه، لكنْ ليس لمصلحة انقلاب عسكري هذه المرة بل لمصلحة فيتنام الشمالية والـ «فيتكونغ».

إذن نحن أمام قصة نمطية أخرى من قصص «العالم الثالث» حيث يحول التخلف دون إنتاج قوى قادرة على إطاحة الاستبداد تكون ذات أفق ديموقراطي. فكيف حين يدخل العنف والسلاح، من قبل الطرفين المتقاتلين الأقصيين، ليزيدا في الحد من احتمال كهذا؟

وضداً على التلخيص الفقير والخطي للتاريخ، يدلنا كتاب ديفيد إليوت الضخم «الحرب الفيتنامية: الثورة والتغير الاجتماعي في دلتا ميكونغ، 1930-1975»، إلى تعقيدات مكان بعينه حيال المقاومة. فهو يركز على إقليم ماي ثو، الزراعي المكتظ بالسكان، والواقع على بُعد 40 ميلاً من سايغون، رابطاً المدينة بدلتا ميكونغ. ويصطحبنا إليوت في رحلة داخل الثورة هناك تعود بنا 45 سنة إلى ما قبل تاريخ تناوله، واصفاً إيديولوجيات الثوريين وكيف قاتلوا، فضلاً عن سياستهم في ما خص الضرائب وتوزيع الأراضي وتطويع المقاتلين، من غير أن ينسى خلافاتهم ومنافساتهم وفترات شعورهم باليأس أو بنشوة النصر. وقد قابل الكاتب الذي لا يتردد في توجيه أقسى الاتهامات إلى الجيش الأميركي وأعماله التدميرية التي غيرت المشهد والمجتمع الفيتناميين إلى الأبد، كما تأدى عنها موت مئات الآلاف ممن كان أكثرهم مدنيين، فيتناميين كثيرين منهم 29 امرأة و154 عضواً سابقاً في الحزب. وهو يبدو شديد التأثر بمن قابلهم، وفي عدادهم ضباط سابقون في الجيش الجنوبي انتهى بهم الانتصار الشيوعي إلى مخيمات الاعتقال. لكن المقابلات لا تنوب عن تفحصه كماً كبيراً من الوثائق (رسائل ويوميات وتقارير وأوامر وتحاليل للوضع) مما وُضع إبان الحرب ولم يتلفه المستولون عليه.

قصف كمبوديا

لقد كان إقليم ماي ثو ناشطاً في مقاومة الفرنسيين مطالع القرن العشرين، وقد اهتمت سايغون بأمر انسجامه مع سلطتها المركزية فكانت ترسل إليه بعض أكفأ إدارييها وأقدرهم. لكنْ بعد توقيع اتفاقية جنيف، رحل معظم الجنوبيين الذين قاتلوا الفرنسيين إلى الشمال، وتُرك الإقليم من دون ثواره ومن دون خبراتهم، كما انتقل، في المقابل، مليون كاثوليكي شمالي إلى الجنوب، في واحدة من أكبر حركات النزوح السكاني للقرن العشرين.

وتستوقف الكاتب الخلافات التي كانت تطرأ بين الشماليين وذوي الأصول الجنوبية في الشطر الشيوعي، وتتعلق بالتكتيكات كما بالاستراتيجية والإيديولوجيا. وهذا ما يتضح بأجلى أشكاله في هجوم التت في 1968. فقد توقعت هانوي أن تسفر الهجمات الواسعة عن «انتفاضة عامة» ضد حكومة سايغون. بيد أن التت، على رغم الصدمة التي أحدثها في البداية ووصول مقاتليها إلى احتلال مجمع السفارة الأميركية نفسه، انتهى إلى فشل. فقد تمكن الجيشان الأميركي والفيتنامي الجنوبي من تدمير قوات الـ«فيتكونغ» التي كانت تنفذ خطة وضعتها حكومة الشمال.

لقد كان الفرح الهائج بـ«انتصار» الـ«تت» تعبيراً رهيباً عن قسوة الشيوعيين الفيتناميين واستهانتهم بموت عشرات الآلاف منهم، وهو ما استند إلى سابقة معركة ديان بيان فو في 1954، حين خرج «الانتصار» من فوهة الموت المعمم بلا حساب. ففي 1968 باتت استمالة الرأي العام الأميركي وإبعاده عن حكومته، من خلال قتل بعض الجنود، تعلو على كل أولوية، ولم يعد مهماً أن يموت أعداد لا حصر لها من الفيتناميين في سبيل ذلك. وقد اعتبر الفيتناميون الشماليون أنهم كسبوا بقصف ريتشارد نيكسون الموسع وبغزو كمبوديا أكثر كثيراً مما خسروا، لأن هذين الحدثين شقا الولايات المتحدة على نحو لم تعهده منذ حربها الأهلية.

الرفاق الشماليون

في 1931 نشأت منظمات للحزب في أحد أحياء قرى ماي ثو تحت مظلة «الحزب الشيوعي في الهند الصينية» الذي كان أسسه هو شي منه. وكانت نغوين ثاي ثاب إحدى الحزبيين المبكرين، التي أصبحت قيادية، وهي فلاحة فقيرة وابنة لأب كان ناشطاً في النضال المناهض للاستعمار. وهي تتذكر القسَم الذي أقسمته عند انضوائها في الحزب: «أريد أن أنضم إلى الحزب كي أقاتل الإمبرياليين، وأقاتل الإقطاعيين، وأطرد الفرنسيين من البلد». أما الحركة التي انتسبت إليها فكانت بالغة السرية وذات قيادة سلطوية كما يستولي عليها الشك والحذر بالأغراب والاستعداد لاعتماد الإرهاب تطبيقاً لأي نظام أو نصاب يُراد فرضهما. وقد توالى الاغتيال والإعدام المتبادلان مع الفرنسيين فيما كان الأخيرون من يبدأونهما غالب الأحيان ضد الناشطين الشيوعيين. لكنْ في 1940 انفجرت، في الإقليم، انتفاضة سُحقت بشراسة شملت توجيه ضربات جوية تولت تدمير المنظمة الثورية، فنُقل المقر الحزبي الرئيسي إلى الشمال، وبدأ غضب الجنوبيين بالتبلور جراء تلقيهم أوامر يصدرها الرفاق الشماليون. بيد أنه مع سقوط فرنسا أمام الألمان، والاحتلال الياباني للهند الصينية، عاد هو شي منه من الخارج ليفرض سيطرته المباشرة على الحركة الثورية في شمال فيتنام، فكان لهذا التطور، وما رافقه من مركزة في القرار، أن فاقما الاستياء الجنوبي. وإذ انتهت الحرب العالمية الثانية أُطلق سراح كثيرين من القادة الشيوعيين في الهند الصينية من سجن جزيرة بولو كوندور فعادوا للإقامة في ماي ثو. وهؤلاء أعادوا توكيد سلطتهم على الحركة الثورية الجنوبية، كما أعادوا تأسيس مقر إقليمي عُرف بـ«المكتب المركزي لفيتنام الجنوبية». يومها كان في فيتنام كلها خمسة آلاف عضو حزبي، مئتان منهم في ماي ثو التي كانت تعد 341 ألف نسمة.

وعلى امتداد كتابه يستعرض إليوت حركة الإرهاب الثوري في ذاك الإقليم، وهو ما استخدمه الفرنسيون وحكومة سايغون، ثم الولايات المتحدة، ذريعة لتبرير قمعهم للثورة. وهو يُظهر كيف اتخذ الإرهاب الشيوعي خصوصاً أشكالاً رهيبة في التعذيب، وأنه غالباً ما استُخدم ضد أفراد اعتبرهم سائر الفيتناميين أبرياء. بيد أن المدنيين وقفوا وكأنهم بلا خيار أمام اضطهادين وقهرين كل منهما يبز الآخر سوءاً، إلا أن واحدهما «ابن البلد».

تحرشات ثورية

في أواخر الخمسينيات استخدمت حكومة دييم وسائل عنيفة في ردع السكان الريفيين عن التعاون مع مقاتلي «فيت منه» السابقين. فعندما تصاعدت النشاطات الحكومية المضادة للانتفاضة، بين 1959 و1960، لجأت القيادات الثورية إلى وسائل تفوقها قسوةً من أجل تحويل «توازن الرعبـ« ضد نظام دييم. وهو، في رأي الكاتب، ما جعل الريفيين أشد خوفاً من الثوريين مما من سلطات سايغون.

مع هذا، حافظت الانتفاضة على إحرازها تأييداً لم يتراجع في ظل الأميركيين: ذاك أن ثمة شرائح واسعة استفادت من إعادة توزيع الأراضي، فيما عمل العداء للغريب المحتل والنظر إلى حكومة سايغون كهيئة فاسدة وتابعة، بما يهين الكرامة الوطنية، على إدامة ذاك الالتفاف. وهذا ما ظل يستنهضه التحرش الثوري بالفرنسيين ثم الأميركيين ودفعهم إلى ردود فعل ثأرية تصيب السكان، تماماً كما يفعل المحتل الفرنسي ثم الأميركي لفصلهم عن الثوار.

ويراجع جيمس سكوت في كتابه «الاقتصاد الأخلاقي للفلاح: التمرد والكفاف في آسيا الجنوبية»، الآثار التي خلفتها على الفلاح الفيتنامي البيروقراطية الممركزة والاقتصاد الرأسمالي الذي أدخلته الكولونيالية الفرنسية في بواكير القرن العشرين. بيد أنه إذ يفعل هذا، يدلنا إلى العمق الرجعي والماضوي للمقاومة الفيتنامية والنظام الذي تأسس عليها لاحقاً.

ذاك أن تجربة البقرطة والرسملة بقيادة فرنسا تسببت بتحول تاريخي هو الذي احتوى بذور ثورة 1945 وحرب «التحرير الوطني» التي تلته. ويمنح سكوت عدم الاستقرار الذي اتسمت به البيئة الزراعية والمناخية التي عاش فيها الفلاحون أهمية حاسمة: فالجزء الجنوبي من فيتنام كان مناخه أشد ملاءمة من الشمال حيث تكثر مواسم الجفاف والفيضان السنوية. غير أن حال الفلاح كانت بالغة السوء، ولو على تفاوت نسبي، في الإقليمين. ولأن الفلاحين استغرقهم أمر كفافهم، فقد أولوا الأمن والاستقرار أولوية قصوى، حذرين من المبادرات غير المضمونة سلفاً، ومعادين للتغييرات التي تطرأ من الخارج على أنماط حياتهم ومألوفهم. أما السعي وراء ربحٍ ومراكمةٍ يقودهما إلى صيرورة بورجوازية، فهذا كان من صنف الكماليات التي لا يملكونها. ويسمي سكوت الأخلاقية التي ظهرت في أوساطهم واتسعت بـ«أخلاق الكفاف»، وهي ما أسبغ الشرعية على رغباتهم المتقشفة والمحافظة كما ساعد في إنشاء «اقتصاد أخلاقي» مفضٍ إلى حماية الأفقر والأضعف من الدمار.

الكساد والمجاعة مصيبتان تترافقان

لقد أدخل الاستعمار الفرنسي وسائل محسنة وحديثة في المواصلات والنقل ومكافحة الأوبئة والتعليم، فضلاً عن التعريف بالثقافة الغربية. إلا أنه أيضاً أدخل نُظُماً جديدة تشريعية وإدارية، وزراعة مُتجرة بدأت ثمارها تربط الفلاح المعزول بمصارف باريس ولندن كما تعرضه لتقلبات الأسواق التي لا يفقه سرها. في هذا المعنى انهار نصاب الحياة المنسجمة والمتساوقة كما كان قائماً في حقبة ما قبل الاستعمار. فالأراضي الجماعية والغابات «الحرة» أممتها الدولة وباعتها، أما الضمانات للفقراء، على شكل مساعدات وولائم، فتقلصت تدريجاً. كذلك أدخل المستعمِر نُظُماً وإجراءات بيروقراطية موسعة، كما عين أعداداً ضخمة ممن يجرون الإحصاءات ويجمعون معطياتها أو يمسحون الأراضي أو يسجلون النفوس أو يراقبون السير أو يعقمون ضد الأمراض أو يكونون خبراء في الري أو يشذبون الغابات أو يطببون الحيوانات وغير ذلك. لكن الفرنسيين كانوا يجمعون ضرائب باهظة ومتعددة الأوجه والأسباب وغير مألوفة قبلاً. والضرائب الثقيلة هذه، حسب وصف رسمي فرنسي، إنما يمليها «العيش في مجتمع منظم يفيد منه الجميع».

ولئن أدى هذا كله إلى توسع التمايز الطبقي بين الريفيين، فقد شهدت الثلاثينيات ظهور مصيبتين مترافقتين ومتراكبتين: الكساد والمجاعة مما حمل الفلاحين على سد بطونهم بأي نبات أو حشرة تجود الطبيعة بهما. وفي 1930 انفجر الغضب على شكل انتفاضات في منطقة نغهي تِنه، إلا أن الغاضبين لم يملكوا إلا العصي والسكاكين التي هجموا بها على البيروقراطيين المحليين (الماندرين) مستدعين قصفاً جوياً من الطائرات الفرنسية.

ويرى سكوت أن واحداً من أسباب تحرك الفلاحين كان الرغبة في استعادة نظام أخلاقي للزراعة ونظام منسجم للحياة. لكن تقديرات سكوت تجد ما يعارض بعضها في بحث صموئيل بوبكين «الفلاح العقلاني: الاقتصاد السياسي للمجتمع الزراعي في فيتنام»، والذي يرفض تلك الصورة عن حياة منسجمة في عالم ما قبل الكولونيالية. فهو يركز على التناقضات ما بين الفلاحين، مع ما تستجره من أعمال لا تخلو من وضاعة، تحت وطأة التنافس الذي أحدثته التطورات الجديدة. فحين وفد الاستعمار لم يكن تتجير الزراعة ولا توسع السوق أو القوانين والتنظيمات البيروقراطية الجديدة ما «اجتث»، أو «اخترق»، إيديولوجيةً وتقليداً فلاحين مقاومين وموحدين ومناهضين للسوق. بل على العكس، كان الفلاحون الأمهر والأشطر من يباشرون عقد التحالفات مع البيروقراطيين محاولين استخدام المؤسسات الكولونيالية بما يفيد مصالحهم.

موجات هجرة كثيفة

يعقب ديفيد إليوت، مؤلف كتاب «الحرب الفيتنامية: الثورة والتغير الاجتماعي في دلتا ميكونغ، 1930-1975»، المتعاطف مع الثوار بأن مقاتلي الجنوب في ماي ثو، ممن شاركوا الشماليين ولاءهم لوحدة فيتنام، أرادوا أن يكون لهم دور تقريري أكبر بكثير في كيفية تسيير الأمور، وقد أغضبتهم سيطرة القيادة الشمالية حصرياً على القرار. والحال أنه ما إن انتهت الحرب في 1975 حتى سُرحت قوات الـ «فيتكونغ» ولم يحصل إلا القليون من قياداتها على مواقع فعلية في السلطة.

ويلاحظ إليوت أن إعادة توزيع الأراضي التي نُقلت من الأغنياء إلى الفقراء، والتي نفذتها «فيت منه»، وهم مقاتلو حرب العصابات الشيوعيون الجنوبيون ضد الفرنسيين، تسببت في تغيرات اجتماعية تؤسس للتعارض مع إيديولوجيا الحزب. ففقراء الريف غدوا أشد اكتراثاً بالتقدم الفردي مما بتقدم الجماعية الاقتصادية. أما الشيوعيون في الشمال، وهم تقليدياً متشددون إيديولوجياً وذوو تنظيم محكَم وسري، فتعاظمت شكوكهم بالمصالح الجديدة للفلاحين. وكان للتدمير الذي أنزلته الحرب، حيث لعبت القوات الأميركية دوراً أساسياً، أن أحدث تغيراً اجتماعياً ضخماً رافقته موجات انتقال سكاني كثيف من الريف إلى البلدات والمدن. هكذا بات الانتصار العسكري للشيوعيين الفيتناميين مرفقاً بالعجز عن إنجاز أهداف الثورة، إذ اصطدمت نزعتها الجماعية بولادة طبقة ريفية وسطى، في دلتا ميكونغ، وبتوسعها.

ويعيدنا إليوت إلى تاريخ الحركة الشيوعية في ماي ثو، والتي كان قد سبقها تحالف غير معلن بين طبقات ريفية ومدينية عدة قرَّب بينها بؤس الزمن والحياة الكولونياليتين. وقد اتجه غضب هؤلاء إلى ملاكي الأراضي والإداريين الفرنسيين والفيتناميين سواء بسواء. ذاك أن الكساد العالمي للثلاثينيات كان وقعه أكبر على فيتنام، حيث ترتب على الزراعة التجارية والمُتجرة دَين فلاحي واسع وثقيل الوطأة وتركز لملكية الأرض في عدد ضئيل من الملاّك.

back to top