الولايات المتحدة وإيران... هل تصبحان صديقتين؟
على الولايات المتحدة أن تمدّ يد الصداقة لتركيا وإيران فيما تحلّ روابطها بإسرائيل والسعودية. تلك هي الرسالة الجوهرية التي يضمّنها ستيفن كينزر، مراسل سابق في الشرق الأوسط لدى صحيفة نيويورك تايمز، في كتابه الجديدReset: Iran, Turkey and America’s Future الصادر لدى {تايمز بوكز} في 288 صفحة. يبدو توقيت هذا الكتاب مناسباً، إذ كُتب قبل أن تدفع حادثة أسطول الناشطين الذين حاولوا أخيراً كسر الحصار على غزّة بتركيا إلى صميم الصراع بين إسرائيل وفلسطين. بصفتها حليفة قديمة للولايات المتحدة داخل منظّمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإحدى الدول الإسلامية الصديقة النادرة لإسرائيل، أصبحت تركيا في الآونة الأخيرة أكثر عداءً تجاه الدولة اليهودية وأقل استعداداً للتعاون مع الأميركيين في المنطقة.
ما يقصد كينزر قوله في كتابه إن تركيا قد تشكّل مركز نشاط ديبلوماسي لجمع الولايات المتحدة، إسرائيل والفلسطينيين معاً. في المقابل، يفترض بأن إيران يجب وقد تصبح صديقة حقيقية للولايات المتحدة، على رغم العداء المرير الذي ساد بينهما على مستوى رسمي منذ أطاحت الثورة الإسلامية بالشاه المدعوم من الولايات المتحدة في العام 1979. يدعم كينزر فرضيّته بلمحة تاريخية وجيزة عن تركيا وإيران خلال القرن الماضي. يُشار إلى أنه ألّف كتاباً سابقاً بعنوان All the Shah’s Men عن انقلاب أطاح في العام 1953 بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالزعيم الإيراني المنتخب ديمقراطياً، محمّد مصدّق. هكذا، يقارن بين مساعي رجلي الإصلاح العظيمين في كلا البلدين، مصطفى كمال الذي لقّب نفسه لاحقاً بـ{أتاتورك} أو {أبو الأتراك} وحكم من العام 1923 حتّى وفاته في العام 1938، ورضا بهلوي. تسلّم هذا الأخير، عسكري قاس هو الآخر، المنصب عينه في إيران في العام 1925، إنما بتاج على رأسه بدلاً من قبّعة جنرال، وذلك إلى أن أُطيح به في العام 1941. واجه كلّ منهما معارضة شديدة من مؤسسته الدينية، مع أن أتاتورك كان أكثر براعةً في قمعها من بهلوي. لا يزال نظام آية الله روح الله الخميني الإسلامي، الذي نفى أكبر أبناء الشاه بهلوي، يحكم إيران على رغم المحاولات التي جرت في العام الماضي للإطاحة به أو على الأقل تلطيف سلوكه الإسلامي المتطرّف. أمّا في تركيا، فقد أفسح نظام أتاتورك العلماني الصارم في المجال أمام شكل أكثر اعتدالاً للإسلام السياسي من نظيره الإيراني، وذلك في قرابة العقد الماضي فحسب. يستهل كينزر سرده عن إيران الحديثة بلمحة مصغّرة مؤثّرة عن أميركيين: أستاذ مشيخي يُدعى هاورد باسكرفيل قُتل بالرصاص في العام 1909 خلال محاولته كسر الحصار على تبريز تأييداً لدستور إيراني جديد، ومورغان شاستر، الذي عيّنته حكومة إيرانية إصلاحية {وزيراً لخزانة الأمبراطورية الفارسية} إلى أن طرده البريطانيون في العام 1911. خشي هؤلاء من أن يغرس أفكاراً عن الاستقلال الفعلي والمحاسبة في أذهان طبقة ناشئة من القادة الفرس الوطنيين. في هذا السياق، يصف كينزر كيف كان البريطانيون، المعارضون آنذاك للأفكار الأميركية عن التصميم الذاتي، عازمين على إنكار سيادة الفرس لضمان حصولهم على إمداد وافر من النفط البخس بواسطة شركة النفط التي تفرّعت منها شركة BP اليوم. في المقابل، لم توافق الولايات المتحدة على التعاون مع بريطانيا والإطاحة بمصدق، الذي كان يُفترض أن يبني لاحقاً دولة إيرانية علمانية حديثة إنما مستقلة بحق، إلا بعد الحرب العالمية الثانية حين جاء الرئيس دوايت أيزنهاور خلفاً للرئيس هنري نورمان. لكن قبل حدوث ذلك، تردد صدى لائحة العقوبات البريطانية ضد مصدق ونظامه بعد تأميمه نفط البلاد في العام 1951 على نحو غريب في العقوبات المشددّة التي يفرضها الغرب اليوم على إيران بحجة أنها ترغب في بناء قدرة نووية وصناعة قنبلة مشبوهة. هكذا، يصف كينزر كيف سعت إيران منذ زمن طويل، حتّى في ظل حكم آيات الله، إلى التصالح مع الأميركيين. ففي النهاية، كلاهما يكرهان تنظيم القاعدة الذي يكن لهما الكراهية بدوره. لذلك، عرض الحكّام الإسلاميون في إيران، مباشرةً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، اتّفاقاً (جوبه بالرفض) للحفاظ على التعاون الإقليمي.يوضح كينزر: {يريد الإيرانيون الحرية التي يتمتع بها جيرانهم الأتراك. سيحصلون عليها كما يبيّن لنا التاريخ، ولو أن قليلين منهم سيجرؤون على تقدير التوقيت والتكلفة. تركيا وإيران هما البلدان المسلمان الوحيدان في الشرق الأوسط حيث الديمقراطية متجذّرة. وهذا ما يجعل مستقبلهما لامعاً، ويجعلهما شريكين منطقيين للولايات المتحدة}. ليت الأمر كان بهذه البساطة. قد يكون تحليل كينزر عفوياً بعض الشيء. فمع نعت القادة في إيران الولايات المتحدة بـ}الشيطان الأكبر} على مدى ثلاثة عقود، قد لا تكون المصالحة بين البلدين بهذه السهولة. مع ذلك، الرسالة الجوهرية مثيرة للاهتمام.