«هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة» (الحلقة 11) «تيتو اليونان» أصبح قائداً للمقاومة وبطلاً ووجهاً أسطورياً... لكنه أخفق في تحقيق حلم «الأراضي المحررة»
حروب الأهل في أوروبا الجنوبية
عاشت اليونان تقليدياً بلداً بالغ الانقسام وشديد الاعتماد على الحماة الأجانب. وهذا ما كان مرده إلى أسباب عدة، من بينها أن النضال، ضد الجار التركي الأقوى، بهدف الاستقلال وتوحيد أطراف البلد كافة، ظل متقطعاً، يراوح في الزمن وفي الفعالية. وهذا ناهيك عن فقر تلك البلاد التي لم تعرف الثورة الصناعية، فيما اشتُهرت تربتها بقلة الخصوبة، وتعرض مجتمعها واقتصادها، ومن دون انقطاع، لضغط سكاني كثيف، فضلاً عن الفارق الضخم، ذي الطبيعة "العالمثالثية"، بين العاصمة المتحذلقة المقلدة لبلدان الشمال والفلاحين البدائيين المقيمين في جبالهم، والموغلين في وعيهم الديني وطقوسهم الخرافية. وقد ترافق مع هذا، كما عبّر عنه، عجز ملحوظ عن تنظيم دولة مدنية فعالة، وهو ما فاقمته لاحقاً الحرب الأهلية، ثم منذ 1967، سمح العامل هذا لضباط الجيش أن يلعبوا دوراً انقلابياً من طراز أميركي لاتيني. وقد تأثر بعض تلك العناصر بكون اليونان بلداً بالغ البعثرة الجغرافية، يتألف من مساحة جبلية برية معطوف عليها 1400 جزيرة متناثرة أكبرها كريت.هكذا كان تاريخ المقاومة هناك هو نفسه تاريخ الصراع بين مقاومتين، واحدة يسارية شيوعية وأخرى بدأت جمهورية شبه ليبرالية لتنتهي على شيء من التطرف القومي واليميني. وقد تدرج الصراع الداخلي في مراحل عريضة ابتدأت في 1943، حين كانت البلاد لاتزال تحت احتلال ألماني هتلري بدأ في 1941 بمشاركة إيطالية وبلغارية، ولم ينته إلا بانتهاء الحرب الأهلية في 1949، أي بعد خمس سنوات على تحرر البلد من الألمان. فكأن الفعالية الأولى للمقاومة تمثلت في التسليح الشامل الذي أتاح أوسع الفرص لليونانيين كي يقتل واحدهم الآخر، مُعززاً بمظلة إيديولوجية تناحرية تبين أنها حافز أقوى، بلا قياس، من حافز الوطنية وبناء الوطن. وبشيء من المحاكمة الصارمة على النتائج، لن يكون من المبالغة أن يقال إن المقاومة، وهي الضئيلة الأثر على الاحتلال قياساً بالأثر الحاسم الذي نتج عن الجهد الحربي البريطاني، كانت ذريعة للاقتتال الأهلي، أولاً وأخيراً.لقد كلفت تلك الحرب مصرع 55 ألف شخص من أصل سبعة ملايين يوناني يومذاك، فضلاً عن تهجير نصف مليون مواطن، لم يعودوا إلى بيوتهم إلا لاحقاً، وهذا بعدما قضى مئة ألف يوناني في المجاعة الرهيبة التي رافقت الغزو الألماني.«يوم غورغوبوتاموس»في هذا السياق نفهم أهمية العملية المتأخرة لترميم الوحدة الوطنية، التي رعاها قسطنطين كرامنليس، كما نفهم، بالقدر ذاته، صعوباتها: ذاك أنه حين عاد كرامنليس من المنفى المديد إلى بلاده في 1974، إثر سقوط النظام العسكري، وأراد إعادة الحياة الديموقراطية، كان أحد أبرز شعاراته "أنسوا الماضي"، أي أنسوا الحرب الأهلية التي انبثقت من المقاومة، فمزقت البلد على امتداد الأربعينيات وتركت تأثيرات سلبية على اجتماعه وعلاقات أبنائه، كما على تطوره اللاحق. فكرامنليس، في رغبته بناء إجماعات بين أبناء شعبه، منح الحزب الشيوعي حرية العمل السياسي للمرة الأولى منذ 1947، كما ألغى الاحتفالات بالانتصار على الشيوعيين الذي أحرزه اليمين، بمعونة البريطانيين الحاسمة، في 1949، عاملاً على استبدالها باحتفالات تُجرى بمناسبة المعركة التي خاضتها المقاومة اليونانية، وهي موحدة، عند جسر سكك حديد غورغوبوتاموس، في نوفمبر 1942. والمدهش أن المعركة الأخيرة هذه كانت الوحيدة التي قاتل فيها القوميون بقيادة الجنرال نابوليون زيرفاس والشيوعيون بقيادة أريس فيلوكيوتيس ضد الألمان، قياساً بسائر المعارك حيث كانوا يتبادلون الحرب في ما بينهم. هكذا أعلن كرامنليس رسمياً عن تأسيس "يوم غورغوبوتاموس" الذي أُخضع لأمثَلَة وطنية وقومية تكاد ترقى إلى سوية ميثولوجية.وفي هذه الغضون كانت قد توافرت بضعة عناصر سهلت على كرامنليس مهمته تلك. فاليونان شهدت، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تغييراً اقتصادياً واجتماعياً متسارعاً لعبت السياحة والنقل البحري دوراً بارزاً فيه. كما تغيرت تغيراً ملحوظاً اصطفافات الحرب الأهلية واستقطاباتها: فاليمين توزع بين من أيد، في 1967، النظام العسكري، وبين من عارضه متمسكاً بالديمقراطية البرلمانية نسجاً على منوال أوروبا الشمالية، وفي عدادهم كرامنليس نفسه. كذلك ففي 1968 حصل انشقاق بين شيوعيي الداخل الذين تأثروا بالأطروحات الجديدة لرفاقهم الإيطاليين فتبنوا "الشيوعية الأوروبية" ووجدوا التأييد لهم من يوغوسلافيا التيتوية، وشيوعيي الخارج الذين أيدوا موسكو وأطروحاتها واستمروا يسيرون في ركابها.النزعة الجمهوريةواقع الحال أن النجاح البريطاني (والأميركي) في اليونان، بعد الحرب العالمية الثانية، أخضع سردية المقاومة والحرب الأهلية اليونانيتين وألحقها كلياً برواية الحرب الباردة ضد السوفيات والشيوعية. وهذا ما يدل إليه تراكم ضخم من الأعمال والكتابات في عدادها كتاب مارك مازوير "داخل يونان هتلر-تجربة الاحتلال، 1941-44". لكنْ منذ 1960 وخصوصاً بعد انقلاب 1967 المدعوم أميركياً، وهو الذي استفز قوى ليبرالية ومحافظة معادية للشيوعية الا أنها متمسكة بالديمقراطية البرلمانية، ظهرت رواية مراجِعة. وهذه الأخيرة بدت مضادة للرواية الأولى، تبرىء الشيوعيين وتؤكد أن المقاومة التي تماهوا معها إنما كانت ديمقراطية ووطنية أساساً، فيما بريطانيا وأميركا هما المتآمرتان الفعليتان لأنهما أرادتا استعادة مَلكية غير شعبية وإقامة حكومات يمينية بالغة التبعية لعواصم الغرب. وفي المقابل، ذهبت الرواية الشيوعية أبعد من هذا، زاعمةً لنفسها احتكار التصدي للاحتلال النازي، وراسمةً الأطراف الأخرى بوصفها إما متواطئة معه، وإما أن "عمالتها" للبريطانيين هي ما حملها على اتباع مقاومة لم تكن منتجة في كل الحالات.وانشطار الروايات إنما كان، ولايزال، انعكاساً لانشطار الواقع. فقد عرف التاريخ اليوناني الحديث ما يشبه الانقسام الفرنسي الحاد في 1936 حول ليون بلوم وحكومته، ولو على شكل مقلوب. فالملك جورج الثاني لم يكن شعبياً بسبب دعمه ديكتاتورية الجنرال ميتاكساس اليمينية التي قامت قبل نشوب الحرب. لكنْ قبل ذلك، ظلت المَلكية المستوردة من الشمال الأوروبي نبتة غريبة نسبياً في اليونان، قاومتها على امتداد القرن التاسع عشر حركات عدة تجمع بين الوطنية الجمهورية والدستورية وبين منزع أهلي شبه فوضوي لا تعوزه كراهية الغريب. لكن حركة الصراع تأججت في الثلاثينيات: ذاك أنه، ولأسباب عدة في صدارتها نمو النزعة الجمهورية التي سبق أن تمكنت من إلغاء المَلكية ديمقراطياً في 1924، وكذلك نمو الحزب الشيوعي ونفوذه، سلم الملك رئاسة الحكومة لميتاكساس، ذي العاطفة المَلكية والتأثرات الفاشية. لا بل إن ميتاكساس كان، في 1935، مَن لعب الدور الأبرز في استعادة العرش، قبل أن يعلن، في 1936، حكماً عسكرياً يحظى برعاية الملك ومظلته. ولما اندلعت الحرب الأهلية في العام نفسه في إسبانيا، وسط أجواء أوروبية متطرفة وملبدة، أسبغ اليمين القومي على حركة ميتاكساس لوناً خلاصياً للوطن والمَلكية والكنيسة الأرثوذكسية سواء بسواء. لكن الانقلاب، المرعي من القصر، عمل فعلياً على تضييق رقعة التأييد الشعبي للملكية وهي لم تكن واسعة أصلاً، كما حول النزعة الجمهورية إلى عاطفة هي، ولأسباب بادية الاختلاف، موضع إجماع وطني عريض.والحق أن تصحيح رواية الحرب الأهلية بإنهاء استحواذ الحرب الباردة عليها وردها إلى الداخل اليوناني، أدى منطقياً إلى تظهير الانقسام الداخلي والاعتراف له بحصة تقريرية حاسمة في صنع الأحداث. ففيما كان النازيون لايزالون في اليونان، وقبل أشهر على انتهاء احتلالهم في أكتوبر 1944، بدأت المقاومتان شن حربهما المفتوحة. وعلى ضوء الحرب هذه، وليس الحرب على الغزو الألماني، تشكلت الحياة الحزبية كما أُلفت الأساطير على أنواعها.«عملية بربروسا»من ناحية أخرى، بدا الحزب الشيوعي اليوناني، في 1940، على وشك الانهيار التام بسبب الضربات الموجعة التي وجهتها إليه ديكتاتورية ميتاكساس، قتلاً وسجناً ونفياً لقادته وأعضائه. كذلك، وبسبب أوضاعهم التنظيمية ومصاعب التواصل في ما بينهم، تصرف الشيوعيون بارتباك واضح حيال مسألتين كانتا مُلحتين: كيف يقفون حيال الغزو الإيطالي الذي سبق الغزو الألماني ولم يُكتَب له التوفيق؟ وهل يؤيدون ديكتاتورية ميتاكساس في مواجهته؟ وما الموقف من ألمانيا النازية التي غزت بلدهم في 21 أبريل 1941 ثم احتلت عاصمتهم أثينا بعد ستة أيام، فيما كانت تربطها يومذاك معاهدة عدم الاعتداء الشهيرة بالاتحاد السوفياتي؟ لكنْ بعد أن هاجم الألمان بلد الشيوعية الأول في عملية بربروسا في يونيو من العام نفسه، وكان معظم اليونان قد سقط في يد المحور، بدا الحزب الشيوعي اليوناني أول الأحزاب الشيوعية التي تعلن مباشَرةَ المقاومة ضد الغزاة وضد الحكومة التي أقاموها برئاسة الجنرال جورجيوس تسولاكوغلو، وهو مَن استسلم أمام جيشهم استسلاماً غير مشروط. وهذا ما حصل حين قررت لجنته المركزية في مؤتمر عقدته في أثينا في 1- 3 يوليو 1941 اعتماد الكفاح المسلح. لكن الجهد الأساسي للحزب انصب، عملياً، على ضرب شُلل المقاومات اليمينية الصغرى في صدامات ما لبثت أن انفجرت في 1943، وذلك في إطار السباق على ملء الفراغ الذي خلفه الاحتلال الألماني. فالأخير اقتصر حضوره على الإمساك الأمني الشرس والمُحكم بالبلد، فيما كان الملك والحكومة اليونانيان قد انتقلا منذ 1941 إلى منفاهما في مصر، وهو العام نفسه الذي رحل فيه ميتاكساس. وكان بمنزلة دوغما لدى الحزب الشيوعي اليوناني (KKE)، اعتباره أن تحقق النصر مرهون بالمدن، لا سيما المدينتين الأكبر أثينا العاصمة وسلونيكا، فيما الصراع في المناطق النائية والجبال لا يحظى إلا بموقع ثانوي. وهذا مع العلم أن الشيوعيين كانوا في 1944 قد أحكموا سيطرتهم على معظم مساحة اليونان، ما خلا العاصمة وسلونيكا. في المقابل، تمثلت وجهة نظر شيوعية أخرى في القائد العسكري للحزب، أريس فيلوكيوتيس، الذي قد يصح وصفه بأنه تيتو اليوناني الذي، على عكس رفيقه اليوغوسلافي، لم يُكتب له التوفيق. فقد كان فيلوكيوتيس قائداً شيوعياً حاول، إبان الاحتلال، أن يضمن تفوق الأنصار، الـ Partisan، على القوى الأجنبية واليمين المحلي. لكنه كان شخصية تراجيدية يتقاذفها تكوينه البسيكولوجي الحاد وقيادة حزبه الستالينية الشديدة الولاء لموسكو. هكذا ارتسم الفشل في أفقه، هو الذي لم يستطع أصلاً ما استطاعه تيتو حين طور، نظرياً وعملياً، معادلة شيوعية – وطنية قادت خطاه إلى السلطة في بلغراد. وكان فيلوكيوتيس شجاعاً وصلباً وقائداً تكتيكياً بارعاً وقف على رأس الجيش الشيوعي المعروف بـ"جيش التحرير الوطني الشعبي" (إلاس). غير أنه كان عديم الحيلة ونافد الصبر في علاقاته مع البيروقراطية الحزبية، بحيث بدا دائماً كما لو أنه منشق أو معزول وأقلوي. وهو ما كان قد تعاظم بعد ظروف غامضة انتهت به إلى توقيع "بيان توبة" أخرجه من السجن إبان ديكتاتورية ميتاكساس. لكنْ، على عكس بقية موقّعي التوبة، استأنف نضاله بحزم ضد الديكتاتورية حال إطلاق سراحه.الوجه الأسطوريومع اجتياح المحور لبلاده، تصرف فيلوكيوتيس كما يحلو له، متمرداً على التوجهات الشيوعية الرسمية، السوفياتي منها واليوناني. ففي جبال رومللي، أصبح فيلوكيوتيس بطلاً شعبياً وقائدا للمقاومة في اليونان كلها، بل وجهاً أسطورياً. والحال أنه كان شديد العنف والقسوة يُكثر اللجوء إلى حكم الإعدام، لا لخصومه فحسب، بل أيضاً لرجاله إذا ما اعتدى أحدهم على امرأة أو سرق أملاكاً لفلاحين. وقد فرض أمناً أقصى في المناطق التي سيطر عليها فيما تحول فزاعةً مكروهة لدى سياسيي أثينا القدامى والتقليديين كما لدى مثقفيها. لكنْ بدل الوحدة الوطنية المفترضة التي تستدعيها المقاومة نظرياً، إذا بهذه المقاومة تشق صفوف الشيوعيين أنفسهم.فنجاح فيلوكيوتيس في تنظيمها آل إلى توسيع شقة خلافه مع أمين عام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي جورج سيانتوس، والذي كانت لجنته تتولى تنظيم المقاومة الجماهيرية لما كان يُعرف بـ"جبهة التحرير الوطني" (إيام). فالمنظمة هذه نجحت في التحول أقوى تنظيمات المقاومة، تسيطر، مبدئياً، على "إلاس" التي أُسست في 16 فبراير 1942 لتغدو جيشاً جباراً هو أكبر من سائر منظمات المقاومة مجتمعة. وكانت وجهة نظر بريطانيا ان "إيام" و"إلاس" إنما هما صناعة الحزب الشيوعي اليوناني من أجل الاستيلاء على السلطة وإقامة حكم توتاليتاري في أثينا. أما أن معظم عناصر "إلاس" قاتلوا بشجاعة ضد الاحتلال، مع أن معظم جهدهم صب في مكافحة المنافسين اليونانيين، فهذا لم يكن إلا هدفاً ثانوياً في حسابات لندن. ذاك أن البريطانيين، وإن نظروا بعين الخوف الراهن إلى برلين، فقد نظروا بعين الخوف من الغد إلى حليفتهم موسكو.بيد أن سيانتوس، ومن ورائه الاتحاد السوفياتي، كان مصدر الأذى لفيلوكيوتيس، قبل أن تكون لندن. فهو كان مصمماً على أن يتبع حرفياً الخط السوفياتي في ما خص الوحدتين الوطنية والأممية ضد بلدان المحور. وكان ستالين أصلاً قد نظر إلى اليونان، في مقابل الاهتمام الغربي الشديد بها، بقليل من الاكتراث. فالديكتاتور السوفياتي، حسب إليزابيث باركر في كتابها "تشرشل وإيدن في الحرب"، وهو ما بات موضع إجماع المتابعين، وافق من دون تردد على عرض ونستون تشرشل، في لقاء تاريخي ضمهما في موسكو في نوفمبر 1944، على أن يطلق يد بريطانيا في اليونان مقابل حرية مماثلة تحظى بها موسكو في مناطق أخرى من أوروبا الشرقية. وحسب ميلوفان دجيلاس في عمله الشهير "محادثات مع ستالين"، أوضح "أب الشعوب"، منذ بدايات التورط في الشأن اليوناني، موقفه السلبي. فعندما طرح معه وفد من "الأنصار" الشيوعيين اليوغوسلاف هذه المسألة، وكانوا شديدي الاهتمام بمصير اليونان المجاورة لهم، أكد أنه لن يشجع أي محاولة شيوعية للاستيلاء على السلطة في البلد المذكور، لأن الحلفاء الغربيين لن يتسامحوا معها. وقد باتت وجهة النظر الأكثر إقناعاً، وإجماعاً عليها، تفيد أن الشيوعيين اليونان إنما أرادوا جر ستالين إلى حيث لا يريد، فيما كانت الدعايات الغربية تهول بدور موسكو والشيوعية.الولاء الأعمى للسوفياتيبدد كتاب دومينيك إيوديس "الكابيتانيوس: الأنصار والحرب الأهلية في اليونان 1943-49"، خرافة أن "إيام" كانت وراء مؤامرة للاستيلاء على السلطة بالقوة والإرهاب، وهي أسطورة كان أول من روّجها تشرشل قبل أن يعيد إحياءها الأميركيون في موازاة تعزيزهم "مبدأ ترومان"، ومن ثم، في السبعينيات، لتبرير سلوك الطغمة العسكرية. لكنْ يوجد، مع هذا، من يجادلون بأنه، وبغض النظر عن شعبية "إيام"، فإن انتصاراً تحققه كان كفيلاً بإقامة ديكتاتورية شيوعية دموية، على غرار ما نشأ في البلدان الواقعة إلى لشرق منها. وديكتاتورية كهذه لابد أن تدمر التقاليد والمؤسسات اليونانية في بقعة من أوروبا لن يسمح الغرب بتحولها إلى الشيوعية.في هذا السياق اعترض القائد الميداني الشيوعي فيلوكيوتيس على سياسة حزبه، وضمناً الاتحاد السوفياتي، محتجاً بأن اللجنة المركزية ليست على بينة من المؤامرات على الأنصار التي يحيكها البريطانيون وحلفاؤهم اليونان، وطالباً منها الانتقال من أثينا المحتلة إلى الأراضي المحررة لـ"اليونان الحرة"، من أجل أن تُبنى هناك حركة مقاومة لا تُضطر إلى تقديم التنازلات. لكن رفض سيانتوس حتى أن ينظر في هذا الاقتراح أضاء على خلاف آخر، هو درجة احتقار القيادة الحزبية "الذهنية" لمقاتليها "اليدويين"، امتداداً لتقاليد مجتمع متخلف ذي تراتبيات جامدة وشبه جوهرانية. فالكثيرون من قياديي الحزب كانوا من سكان المدن ومن خريجي "جامعة الكومنترن الشيوعية لشغيلة الشرق" (KUTV) في موسكو، وهؤلاء إنما عُرفوا بولاء أعمى للاتحاد السوفياتي، وكانوا، بالنتيجة، يتقيدون بالمعتقد الماركسي التقليدي الأشد سَفْيَتةً عن أولوية البروليتاريا المدينية في النضال الثوري، وعن أن الأنصار الفلاحين مجرد ملاحق وتوابع للطبقة العاملة. وبالنظر إلى الوضع اليوناني بدا هذا خطأً فظيعاً في مَن يستعجل الوصول إلى السلطة كيفما اتفق، وذلك على العكس تماماً مما فعله تيتو وماوتسي تونغ وسائر من نجحوا في المهمة هذه.وقد تواصلت الاشتباكات بين قوات الحزب الشيوعي والمجموعات القومية حتى ربيع 1944، فيما كانت قيادة الحزب المدنية تدفع في اتجاه آخر تمليه استراتيجية الشرعية ومحاكاتها بدلاً من استراتيجية الثورة. وقد نجحت القيادة المذكورة في ضم "إيام" في سبتمبر 1944 إلى حكومة جورج باباندريو في المنفى، والتي جاءت نتاج اتفاقية، أو معاهدة، فاركيزا التي تم التوصل إليها، والتي بموجبها اتفق على نزع السلاح. وكان البريطانيون الذين لعبوا الدور الأكبر في طرد الألمان هم الذين دفعوا في اتجاه تلك المعاهدة والصيغة السياسية التي انبثقت منها. ففي حكومة الوحدة الوطنية تلك، أعطي للشيوعيين وحلفائهم ستة مقاعد حكومية، إلا أن الصيغة المذكورة ما لبثت أن انهارت، فاستقال الشيوعيون وأصدقاؤهم في نوفمبر بسبب رفضهم، تحت ضغط مقاتليهم، تسليم أسلحتهم. هكذا ابتدأ العنف دورة جديدة كانت تتصاعد في موازاة انهيار وحدة القرار داخل الحزب نفسه.خلائط إيديولوجيةلقد نشأت، مع الاحتلال، مقاومة "الجيش الوطني الديمقراطي اليوناني" (إديس) وعدد صغير من الفرق والفصائل التي نجح الشيوعيون مبكراً في تصفيتها. وكانت أثينا العاصمة مسرح بدايات "إديس"، تبعاً لقوتها بين المدنيين الجمهوريين ومتعلمي الطبقات الوسطى المأخوذين بنموذج أوروبا الديمقراطية. وبدوره، طالب الميثاق التأسيسي لـ"إديس" بإقامة "نظام جمهوري ذي شكل اشتراكي" في اليونان. وحسب الرواية غير الشيوعية على الأقل، حاول نابوليون زيرفاس، مؤسس "إديس"، الاتصال بالشيوعيين والتنسيق معهم، لكنهم، في المقابل، طالبوه بالذوبان في جسمهم العسكري، كما شككوا عميقاً بتحالفه مع البريطانيين الذين كانوا يوفرون له الدعم العسكري السخي. لكن تأييد البريطانيين لجورج الثاني وحاجة زيرفاس إلى معونتهم، جعلاه يعلن، في مارس 1942، ولاءه للملك، موسعاً، بالتالي، أطر حركته التنظيمية لاستيعاب العناصر الملكية.وهذا ما كان بمنزلة تحول كبير في ما يوصف بجبهة اليمين. فزيرفاس كان فينزيلوسياً، نسبة ً إلى إليفثيريوس فينيزيلوس، رئيس الحكومة الكاريزمي الذي اصطدم مبكراً بالمَلكية وأسس الحركة التي تركت تأثيرها الواضح على السياسة اليونانية ما بين مطالع القرن العشرين وسبعيناته. فقد أنشأ زيرفاس في سبتمبر 1941 "العصبة الوطنية الجمهورية اليونانية" المناهضة للمَلكية والمشوبة بخلائط إيديولوجية متنافرة تشبه خلائط الثقافة السياسية اليونانية.وفي 1924 كان الفينيزيلوسيون وحلفاؤهم الطرف الذي فاز بإلغاء الملكية والتحول إلى نظام جمهوري عبر استفتاء حصلوا فيه على الأكثرية، وقد استمرت الجمهورية التي أقاموها حتى 1935 حين استعيدت الملكية في ظل صعود التطرف اليميني والعسكري الذي رمز إليه ميتاكساس، وذلك على نحو متساوق مع معظم أوروبا وبعض "العالم الثالث". ثم في الثلاثينيات والأربعينيات، دعا الفينيزيلوسيون إلى التحالف مع دول الغرب الديمقراطية ضد ألمانيا النازية، فكانوا، على العموم، خليطاً إيديولوجياً قومياً وجمهورياً لا يقطع مع توجهات تقدمية وليبرالية ويسارية. لكنهم، بالتدريج، ولاسيما في ظل حاجتهم الماسة إلى البريطانيين، وأيضاً في مناخ النزاع مع الشيوعيين، راحوا ينعطفون يميناً.