مدير الصناعات في القرية التراثيّة محمد دشتي: نُعيد إحياء الحرف القديمة ولا نسعى إلى الربح

نشر في 09-09-2009 | 00:00
آخر تحديث 09-09-2009 | 00:00
فيلكا إحدى أبرز جزر الكويت وأكثرها شهره، وقد أُكتشفت فيها آثار مهمة تعود الى عصور ما قبل الميلاد، تحديداً إلى الحضارة الدلمونية التي شكّلت الجزيرة أحد مراكزها في شمال الخليج، وقد أطلق عليها اليونانيون اسم «إيكاروس» قبل 3000 سنة قبل الميلاد.

«الجريدة» زارت القرية التراثيّة في الجزيرة وأجرت حديثاً مع مدير الصناعات التراثيّة محمد دشتي.

حدثنا عن بداية عملك في جزيرة فيلكا؟

أعمل هنا منذ ما يقارب الخمس سنوات. أهتم بالتراث الكويتي وأحافظ عليه عن طريق إحياء الصناعات التقليدية والحفاظ عليها من الاندثار.

يزخر تراثنا بأكثر من 300 حرفة، ما أعطانا حرية اختيار الحِرف التي تناسبنا وتتماشى مع متطلباتنا، وهي مجموعة أعمال كان الكويتيون يحرصون على مزاولتها، لكنها للأسف الشديد اندثرت مع بداية ظهور النفط. من هذا المنطلق حرصنا نحن كمؤسسة على مزاولتها هنا في الجزيرة.

ما هي أنواع الحرف؟

معروف عن أهل الكويت أنهم كانوا يعتمدون على أنفسهم في معظم الصناعات الأساسية، من بينها السفن والأبواب والأثاث وغيرها، وهي صناعات ركزنا عليها إضافة إلى «الورجيات» و{الصناديق المبيتة» و{مرشّات الزجاج» وغيرها.

هل العمالة في القرية كويتيّة؟

بداية، حرصنا على تعليم مجموعة من الكويتيين ودربناهم على هذه الحرف، لكنهم للأسف لم يتحملوا البعد عن الكويت والأهل، لذا فضلنا جلب عمالة آسيوية، تحديداً من الهند للاهتمام بهذه الصناعات.

حدثنا عن صناعة السفن؟

نصنع في القرية مجموعة من السفن، أبرزها: ألبوم، السمبوك، الشوعي، البغلة، البتيل، والورجيات وهي عبارة عن مجسمات يبلغ طولها 12 سم إلى ستة أمتار تقريباً.

هل يختلف كل نوع من هذه السفن عن الآخر، وكيف؟

طبعاً، ويأتي الاختلاف بحسب الاستخدام. سابقاً كان الكويتيون يستخدمون سفن «بوم سفار» للسفر ونقل البضائع إلى مسافات بعيدة مثل الهند وأفريقيا، إضافة إلى شحن التمور من البصرة إلى الهند وشرق آسيا وأفريقيا، وجلب الأخشاب والتوابل وغيرها عوضاً عنها. أما «بوم ماي» فأصغر من «سفار» وتحتوي على مجموعة من «الفناطيس» أي صناديق خشبية يملؤها العمال بالمياه من شط العرب، وتعود بأدراجها إلى الكويت.

«غواص» الأصغر بين المجموعة، وكانت تستخدم للغوص، فيما لم تصمد «بوم بغله» طويلاً نظراً إلى كبر حجمها وثقل وزنها، إذ كانت تُستخدم آنذاك للسفر إلى مسافات طويلة. واقتصرت مهمة الأنواع الأخرى مثل «البتيل» و»الشوعي» و»السمبوك» على استخدامها في رحلات الغوص وصيد السمك والسفر إلى مسافات قصيرة لا تتعدى دول الخليج.

لدى زيارتنا القرية دُهشنا لرؤية أبواب تراثية مصنوعة بإتقان، حدثنا عنها.

النجارة إحدى الصناعات المهمة في الكويت، لا سيما الأبواب والكراسي والطاولات والأسرّة و»المرازيب» و»الجندل»، وغيرها من أدوات منزلية.

كان النجار ينتج هذه المقتنيات داخل المنزل الكويتي القديم، لذلك حرصنا على تعليم العمال هذه الحرفة، وفعلاً اتقنوها وصنعوا أنواعاً مختلفة من الأبواب، أبرزها «بو صفاقتين» و»بوخوخة»، و»النصف».

حدثنا أكثر عن أنواع الأبواب؟

قديماً، كانت الأبواب تدلّ على حالة الفرد الاجتماعية: الباب المتقن والجيد يشير إلى أن صاحب المنزل من طبقة مرموقة، أما البسيط فيؤكّد أن أهل المنزل على «قدهم» أي بسطاء. من هنا اختلفت الأشكال والأنواع، فمثلاً «بو صفاقتين» و»بو خوخة» عبارة عن بابين داخلهما أبواب صغيرة تسهّل للعائلة عملية الدخول والخروج، لا سيما إذا أرادت إدخال قطع من الأثاث أو حمار «السقاي» لوضع المياه في الجرب وجلب «الكرف» و«السعف» وغيرها.

أما «النصف» فأشهر الأنواع ويتوافر منذ ما يقارب الـ 300 سنة. كذلك يتميز بزركشته اللافتة التي تعود إلى العصر المغولي، بالمناسبه عائلة النصف هي اول من اشترته من «سكراب» في منطقة البصرة لمنزلها في منطقة شرق، ثم وضعته واجهة لديوانها في الضاحية، وما زال موجوداً هناك وبحالة جيدة. جدير بالذكر ان الباب كان واجهة لخان قديم.

ماذا عن صناعة الأواني؟

تمتاز فيلكا بتربتها الطينية على عكس دول الخليج، فطالما كانت شهيرة بزراعة الحنطة والشعير والخضار والبطيخ، ولأنها الجزيرة الوحيدة المليئة بالحياة منذ ما يقارب الـ 2000 عام، وجدنا لدى وصولنا إليها أفراناً كبيرة كانت تُستخدم قديماً في حرق الأواني الطينية، التي بدورها كانت تصدّر إلى دول الخليج للطبخ وتخزين «الدبس» والتمر والحنطة، فجلبناها كلها لاستنساخها. ناهيك عن التحف والقطع الأثرية التي عثرنا عليها في الجزيرة والمحفوظة في متحف الكويت الوطني راهناً.

إضافة إلى الأواني رأينا تحفاً زجاجية ملونة، هل هي مستوردة؟

لا. عندما وصلنا إلى الجزيرة وجدنا الكثير من مخلفات الغزو العراقي ومظاهر الدمار كانت واضحة للأسف، ومن ضمنها زجاج خاص بالمنازل والمباني، فارتأيت أن أُعيد صناعته وتحويله إلى «مرشات» على شكل قوارير متنوعة الأحجام والألوان كانت تستخدمها ربة البيت لوضع ماء الورد وتعطير المنزل. فعلاً، بنينا فرناً حيث كنا نذوّب الزجاج ونمزج معه ألواناً مختلفة كالأحمر والأخضر والأزرق ونشكل منها «المرشات» وكل ما كان يُستخدم قديماً داخل البيت الكويتي.

ماذا عن الصناديق المبيتة؟

قديماً كانت تجتمع العائلات (البدو والحضر) على عادة معروفة وهي «دزة العروس»: صندوق مبيت من خشب «ساي» و»ساسيم» يُجلب من الهند، لحفظ كل ما يتعلّق بالعروس من حاجيات وملابس وذهب وغيرها.

صنعنا مجموعة من هذه الصناديق وبأحجام مختلفة تبدأ من 20 سم إلى المتر ونصف المتر، إضافة إلى الصندوق «المشربك» الذي كان البحارة يستخدمونه لتخزين الطعام والملابس، وهو مصنوع من الخشب الملفوف «بالبانوص» (حبل قوي) لحمايته من الكسر، ويتميز بخفة وزنه على عكس الصناديق المبيتة التي يدخل في صناعتها النحاس والدبابيس.

حدثنا عن الصناعات الأخرى؟

ثمة صناعات أخرى منها «الخوص» و»الورجيات» وهي زوارق صغيرة تُصنع من جريد النخل، إضافة إلى الأطر والمباخر و»حصالات الأطفال» التي تُدخل البهجة إلى قلوبهم وتشهد رواجاً كبيراً في القرية، ويشتريها الزوار كتذكار.

هل ثمة من يدعمكم، وهل هذه الصناعات مربحة؟

نحن كـ»مؤسسة مشاريع الخير»، لا نبتغي الربح بقدر حرصنا على نشر التراث والحفاظ عليه من الاندثار. ورغم ذلك، ولله الحمد، وجدنا الدعم من وزارات ومؤسسات مختلفة، أبرزها وزارة الإعلام التي تحرص على أن نمثل الكويت في معارض ومحافل دولية، إضافة إلى أننا نزوّد الوزارات والمؤسسات بهداية تذكارية لزوارها.

هل لديكم مشاريع مستقبليّة؟

نفتتح قريباً متحفاً في الجزيرة يعرض قصتها منذ الاسكندر إلى اليوم، ويشتمل على مجموعة من معلومات وصور خاصة بالجزيرة، أبرزها حول الزراعة وصيد الأسماك والتعليم من بداية المطوعة إلى ما قبل الغزو. كذلك يحتوي على مجموعة من معلومات وصور عن بعض المدرسين المخضرمين في الجزيرة والعلماء الذين تخرّجوا فيها.

ذلك كله بمساعدة أديب من مواليد الجزيرة أعطاني مجموعة من الكتب حول تاريخها.

back to top