المخرج الفلسطينيّ إيليا سليمان: الناس يتفاعلون مع أفلامي لأنّهم مجروحون مثلي
زار المخرج الفلسطيني إيليا سليمان القاهرة لحضور عرض فيلمه {الزمن الباقي} ضمن بانوراما الفيلم الأوروبي الثانية التي نظّمتها المخرجة والمنتجة ماريان خوري، كذلك عُرض له فيلم {يد إلهية} ضمن أسبوع السينما الفلسطينية الذي أقامته سفارة فلسطين في القاهرة .}الجريدة} التقت سليمان الذي بلغ بأفلامه مكانة مرموقة عالمياً بمشاركاته في المهرجانات الكبرى كان آخرها {كان} في دورته الماضية.
اعتمدت في {الزمن الباقي} على السيرة الذاتية لسرد تاريخ فلسطين، فلماذا اخترت هذه الوسيلة؟تعود رغبتي في السرد الى سنوات طويلة خلت. فمعظم الأمور التي يتحدث الفيلم عنها رواها لي والدي قبل ثلاثين عاماً، فهي موجودة قبل أن أبدأ مسيرتي في السينما. عندما مرض والدي، طلبت إليه أن يكتب حكاياته، ويدوّن ما علق في ذاكرته ربما لأنني كنت على يقين بأنني سأعود إلى تلك الحكايات في أحد أفلامي، تماماً مثلما حصل في فيلمَيّ السابقين، وكنت أخشى الاعتماد على ذاكرتي فحسب لاستعادتها. أذكر أنني طلبت من والدي كتابة وقائع وأفكار وخواطر وإن لم تكن كاملة أو واضحة، وانطباعاته عن الأحداث وأن يذكر تفاصيل هامشية كحالة الطقس مثلاً والأشخاص الذين كانوا برفقته عند وقوع هذه الحادثة أو تلك.لكن تعتمد غالبية أعمالك على السيرة الذاتية، فما هو الفرق بين {الزمن الباقي} وفيلميك السابقين {سجل اختفاء} و{يد إلهية}؟أكتب وفق إحساسي والشعور الذي ينتابني في لحظة محددة، لذلك أدوّن باستمرار ما أراه أمامي في كل مكان وعندما أجمع عدداً معقولاً من التفاصيل أبدأ بكتابة سيناريو، ليست لدي استراتيجية مسبقة وواضحة. {الزمن الباقي} فيلم ملحمي أولاً، كذلك ليست المرة الأولى التي أشتغل فيها ضمن حقبة تاريخية وزمن لم أعشه، مع أنني صورت في الحارة والبيوت نفسها التي عشت فيها وعرفتها. إنها المرة الأولى التي أقوم فيها ببحث، شاهدت مئات الصور، قرأت كتباً عن تلك الفترة، وساعدني في ذلك حنا بو حنا الذي كتب كثيراً عن تلك الفترة في الناصرة، ووصف الناس الذين كانوا حوله بدقة، وبشكل ذاتي.في}سجل اختفاء}، باكورتك في مجال السينما الروائية الطويلة، أساءت شريحة من المشاهدين العرب فهمك، فكيف تصالحت معها بعد ذلك؟اعتبر البعض هذا الفيلم مغازلة للصهيونية بسبب المشهد الأخير منه، الذي يتابع فيه أبي وأمي رفع العلم الإسرائيلي عبر التلفزيون، الغريب أن الإسرائيليين اعتبروا ذلك هجوماً عليهم لأن والدَي كانا نائمين أمام التلفاز في المشهد، وهذه إهانة واضحة لهم، كذلك وصف أفراد ومؤسسات عربية الفيلم بأنه مشبوه، لكن اليوم يعتبرونه أفضل أفلامي، فبعد مرور السنوات تتضح الأمور أكثر ويصير الوعي أكبر.ربما التمويل الإسرائيلي الذي حصلت عليه لهذا الفيلم هو الذي صنع الحاجز بينه وبين الناس آنذاك؟حاربتُ الحكومة الإسرائيلية لأحصل على هذا التمويل، وكان بإمكاني تصوير الفيلم من دونه، لكني صمّمت على الحصول عليه بعد علمي بأن الضرائب التي يدفعها الفلسطينيون يذهب جزءٌ منها إلى وزارة الثقافة الإسرائيلية لتمويل الأفلام، تحدثت مع سياسيين وأعضاء في الحكومة الفلسطينية، منهم إدوار سعيد، قبل اتخاذ هذه الخطوة، ثم أرسلت نسخة السيناريو من دون أن أكتب اسمي عليها، فتم اختياره، وعندما علم الإسرائيليون بهوّيتي رفضوا الفيلم، فلجأت الى القضاء الذي حكم لصالحي. بدأوا معي حرباً أخرى، فلم يوفروا ما طلبته، أوقفت التصوير مراراً، وعندما حصل الفيلم على الجائزة الأولى في مهرجان فينيسيا طالبوني بأن أعيد لهم ما حصلت عليه من تمويل وكانوا يريدون محاكمتي، لأنني قلت إن الفيلم فلسطيني، ولم تنته القصة إلا عندما فوّضت محامية إسرائيلية. كاد {الزمن الباقي} أن يلقى ردود الفعل نفسها في البداية بعد ما كُتب أن جنسيّته إسرائيلية؟أُعلنَ عن ذلك بشكل خاطئ في أيام مهرجان {كان} الأولى، وقد أصدرت بياناً أؤكد فيه أن الفيلم ليست له علاقة بإسرائيل ولا يوجد فيه أي تمويل إسرائيلي، وقد واجهت المشكلة نفسها في {يد إلهية}، إسرائيل تريد أن تخفي هويتنا الفلسطينية باعتبارنا {عرب ٤٨} ويساعدها في ذلك جهل بعض النقاد العرب، الذين يفسرون نجاح أي مخرج عربي في دخول المسابقة الرسمية لأي مهرجان دولي بأنه مؤامرة.يرى بعض النقاد أن هذا الفيلم أنضج أفلامك وأفضل من {يد إلهية}، فما تعليقك؟يسعدني أنهم يرونني أنضج، وهذا أمر طبيعي، ولكن كان {يد إلهية} خطوة في مشروعي، وقلت فيه إن الكل محاصر خلف الحواجز في ظل احتلال مجنون، حتى الحب محاصر في حدود سيارة لا يمكنها العبور، بينما ينجح في ذلك بالون عليه صورة ياسر عرفات، تنهمر عليه رصاصات الجنود الإسرائيليين، لكنها السماء وما أوسعها، يطير فيها البالون حتى يستقر في سلام على قبة الصخرة.كيف اخترت الممثلّين في {الزمن الباقي}، خصوصاً أن بعضهم ليس ممثلاً أساساً؟كان {الكاستنغ} صعباً جداً، فثمة 105 شخصيات، وإمكانات قليلة، ووقتاً ومالاً أقل. كذلك كان ينبغي أن يشبه الممثلون بعضهم بعضاً. أظن أنني لم أخيّب أمل أحد. تعاونت مع عدد من الممثلين أكبر من فيلَمي السابقين. الممثل الرئيس هو صالح بكري (فؤاد)، إنه ممثل رائع جداً، بكل معنى الكلمة. كان اللاممثلون رائعين أيضاً: أخت فؤاد، نادية (ياسمين الحاج)، الأم محامية أصلاً (سمر قدحا طنوس)، خالتي شفيقة بجالي أدت دور أمي في الثمانين.لماذا واصلت المشاهد الصامتة في هذا الفيلم؟لأنني لا أحب الحوارات الكثيرة، وأسعى دائماً إلى محاربة الثرثرة، وكلما وجدت فرصة لحذف حوار واستبداله بصورة ومؤثرات أخرى يكون ذلك انتصاراً لي، لأن السينما هي فنّ الصورة، كذلك للصمت أبعاد أخرى عدة.هل ينطبق ذلك على أسلوب التهكّم الذي تعتمده في أفلامك؟هذا أمر خاص بي، لكن تبين لي أنه موجود لدى أناس كثيرين، والدليل أنه لو لم يكن لديهم هذا الحس الساخر والضحك المر، لما تفاعلوا مع أفلامي وعبّروا عن تأثّرهم بها. أنا أشبه الناس، فهم مثلي مجروحون جداً.