محمد أحمد الرشيد... في ذمة الله علم من أعلام العمل الوطني والبرلماني النزيه

نشر في 16-05-2010 | 00:00
آخر تحديث 16-05-2010 | 00:00
فقدت الكويت أمس أحد برلمانييها المخضرمين، وقطباً من أقطاب المعارضة، النائب السابق محمد أحمد الرشيد عن عمر يناهز التسعين عاما، بدأ مشواره النيابي في الفصل التشريعي الأول عام 1963، ثم تلاه نائباً لفصلين متتاليين 1971 و1975، وختامه كان في الفصل التشريعي الخامس عام 1981.

لُقِّب الفقيد بالنائب الشعبي المعارض، من جراء بروز مواقفه في المجلس، حتى وصفه البعض بالحدية والجدية في آن معاً، بالرغم من أنه كان رحمه الله طيب المعشر صادق الوفاء ولا يضمر لأحد حقداً أو كراهية. وحينما كنت تتحدث مع الفقيد كنت تشعر معه بطيبة أهل الكويت، لما يتصف به من صفاء القلب والألفة المميزة المبنية على حب الوطن، ولو كلفه ذلك الموت والتضحية بروحه في سبيلها.

الفقيد... الأسرة والدراسة

 جاء والده أحمد الرشيد البداح إلى الكويت من (الزلفي) في «نجد» في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر، في الفترة من عام 1762 حتى 1813 في عهد حاكم الكويت الثاني الشيخ عبدالله بن صباح، ليستقر فيها هو وأخواه تركي وعبدالمحسن، ويؤسسوا فيها عائلة «الرشيد» أو «الرشيد البداح».

اختارت العائلة سكنا لها بيتاً يقع بجانب مسجد النبهان الموجود حاليا بالقرب من سوق الكويت الكبير، الذي يقع داخل سور الكويت الثاني. واشتهر منهم جدهم الأول رشيد البداح، وكانت الأسرة معروفة قديماً بتصدير الجلود وفرو المواشي إلى روسيا، واستيراد البضائع من أقمشة وأحذية وغيرها من روسيا إلى الكويت. كما اشتهر من أفراد الأسرة المرحوم العالم والمؤرخ عبدالعزيز أحمد رشيد في بداية القرن الماضي.

ولد النائب السابق محمد أحمد رشيد رحمه الله عام 1920 في بيت والده عند مسجد النبهان، وبدأ دراسته عند الملا زكريا الأنصاري في مدرسته الأهلية فتعلم على يديه القراءة، ثم استكمل دراسته في المدرسة الأحمدية التي كان أخوه عبدالعزيز مدرساً فيها عام 1926.

تزوج الفقيد عام 1942 والمرة الثانية عام 1964، وله من الأولاد خمسة هم أحمد، ومعن، وأنس (الذي كان وزيراً سابقاً للإعلام بين عامي 2005 و2006)، وعبدالمحسن، وعبدالوهاب. وكان له من البنات عشر.

عمله قبل احتراف السياسة

 عمل الفقيد في بداية حياته بالغوص على اللؤلؤ، ثم التحق للعمل بحاراً في السفن الشراعية الكبيرة التي تنقل البضائع من وإلى الكويت، وفي خمسينيات القرن الماضي عمل رحمه الله في «التجارة» التي كانت السبب في توطيد علاقاته الاجتماعية وزياراته لدواوين أهل الكويت، فاكتسب من هذا الأمر معرفة وعلماً، بالرغم من أن عمره يومها لم يكن يتجاوز 35 عاماً.

ولع بالزراعة منذ شرائه مزرعة وبيتاً في مصيف «بلودان» السوري عام 1957، واستمر هناك ينمي اهتمامه بالزراعة حتى زادت رقعة أراضيه المزروعة، التي كان يصدر إنتاجها إلى الكويت. ذلك العشق للزراعة جعله من أوائل العاملين فيها، والمتملكين لأراضٍ زراعية في الكويت، حيث غدت مزرعته مشروعاً أخضر مشهودا له، ليصبح أول رئيس لاتحاد المزارعين الكويتيين. وهو أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية الشامية التعاونية عام 1962.

خلال تلك المدة بدأت الحياة النيابية تطرق باب قلبه وعقله، خاصة منذ انتخابات المجلس التأسيسي عام 1962، فقد كان الفقيد مواظباً على متابعة وحضور جلسات المجلس، مما ساعده على تكوين قناعة، وهي أن خدمة الكويت وأهلها عمل وطني مشروع لابد أن يخوضه بكل همة وعزم.

«فصوله» في مجلس الأمة

 فاز بانتخابات مجلس الأمة للفصل التشريعي الأول عام 1963، ولم يكن عمره حينئذ يتجاوز الـ 43 عاماً، وذلك عن الدائرة الانتخابية الثانية (القبلة). وانتخب في مجلس الأمة الأول مراقباً للمجلس، الذي كان يترأسه وقتئذ المرحوم عبدالعزيز حمد الصقر، كما انتخب عضواً في لجان عدة منها لجنة الشكاوى.

في 29 مايو 1963، تقدم رحمه الله بأول استجواب في تاريخ الكويت، وتوجه به ضد عبدالله مشاري الروضان وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، على خلفية توزيع قسائم سكنية في منطقة العديلية، حيث كانت شؤون الإسكان في ذلك الوقت منوطة بوزارة الشؤون الاجتماعية، وانتهى الاستجواب عند الخطوة الأولى، حيث اكتفى النائب محمد الرشيد برد الوزير وقام بسحب الطلب.

نشط الفقيد، رحمه الله، في القضايا العامة وتصدى في حياته لكثير من مظاهر التسلط والاستغلال، وكان ذلك دأبه حين كان عضواً في مجلس الأمة مثلما كان دأبه قبل أن توصله الإرادة الشعبية إلى قبة البرلمان. وخاض رحمه الله في حياته العديد من المعارك التي كانت تنجم عن شبهة تجاوز أو استيلاء على حقوق الآخرين. فقد كانت صراحته تتعدى الحدود، مما سبب له العديد من المواقف والإشكالات في حياته السياسية التي بدأها في مجلس الأمة الأول، واستمرت عضويته في المجالس النيابية المتعاقبة - ماعدا المجلس الثاني - حتى آخر مجلس مثل فيه، وهو المجلس الخامس، ليتوقف بعدها عن ترشيح نفسه، وقد بات مستودعاً يحوي ذكريات الحياة النيابية في الكويت.

دواوين الاثنين... والدفاع عن الدستور

في 8 يناير 1990، تعرض الفقيد للضرب من قِبَل القوات الخاصة، وكان عمره سبعين عاماً، بعد أن تدخلت القوات لتفريق الحشود التي طالبت بالدخول إلى ديوانية أحمد الشريعان في منطقة الجهراء، حيث كان مقررا الاجتماع فيها. وقد وقف الحضور الذي قدر بسبعة آلاف شخص حول الديوانية، وكان من ضمنهم النواب الذين دخلوا إلى المنطقة عن طريق بعض الطرق الداخلية ومن بين البيوت.

كان رحمه الله من أشد المدافعين عن الدستور، وعن حقوق الشعب الدستورية، وله مواقف شجاعة في التصدي للفساد والانحرافات البرلمانية. و»الجريدة» التي آلمها هذا المصاب تتقدم إلى آل الرشيد الكرام بأحرِّ التعازي وتدعو للراحل الكبير بالرحمة والغفران.

و»إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»

back to top