الشاعر العراقي أنمار الجراح: أدعو الأدباء العرب الى تفخيخ أقلامهم
زار الشاعر والمؤرخ العراقي أنمار الجراح الكويت أخيراً، وكعادته يأتي بين فترة وأخرى لزيارة الأصدقاء والأحباء، ويتبادل معهم وجهات النظر في شؤون القصيدة والأدب، فهو باحث في شؤون الجزيرة وفي تاريخها الأدبي وفي الأدب العراقي، التقته «الجريدة» وكان معه الحوار التالي.بدايةً، ما حكاية قصيدة الشيخ جابر الأحمد رحمه الله؟
أشعر بالألم كلما أتذكر هذه القصيدة التي كانت السبب الرئيس في زيارتي الى الكويت للمرة الأولى خلال شهر أبريل (نيسان) عام 2004، إذ حاولتُ جاهداً لقاء سمو الشيخ جابر الأحمد، أمير دولة الكويت آنذاك، لأتلوها على مسامعه فلم تسنح الفرصة وكانت القصيدة تقع في 45 بيتاً. يقول مطلعها:لكَ المجـــدُ مهما فبركَ القـَولَ ناكــرُ ومهما استـُميلتْ للجحود الضمائرُكيف تنظر إلى المهـرجــانات العربية وتحـديــداً الأدبية منها؟ثمة بالتأكيد في كل دولة عربية مقر رئيس للاتحاد العام للأدباء والكتّاب، ويكون عادة في العاصمة وله فروع في معظم المحافظات، وجميع الاتحادات العربية رئيسة وفرعية تجتمع تحت خيمة الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ومقرّه ينتقل بحسب الدورات بين العواصم العربية، أما المهرجانات والنشاطات الأدبية فمقرونة بحجم الدعم المادي والمعنوي الذي تحصل عليه في بلدانها، وغالباً ما يكون دعماً رمزياًً لا يكفي لتوسيع مساحة النشاطات والسبب هو ترفـّع الأديب على السياسي فيما السلطة والمال بيد الأخير، ولا أدعو قطعاً إلى انخراط الأدباء والمثقفين في السياسة وإنما أدعوهم إلى تفخيخ أقلامهم ليثبتوا أنهم أقوياء فالساسة لا يحترمون الضعفاء أبداً، وعلى رغم معاناة المثقفين والأدباء العرب فإنهم يقيمون المهرجانات السنوية والفصلية والأمسيات الأسبوعية في أوطانهم، كذلك يقام لدينا في العراق سنوياً مهرجان المربد الشعري، وثمة أيضاً مهرجانات وطنية ضخمة تجمع بين الثقافة والفنون والآداب كـ{الجنادرية» في المملكة العربية السعودية و{هلا فبراير» في الكويت.هل تطمح إلى المساهمة في «هلا فبراير» ولماذا؟بالتأكيد، لأنني زرت الكويت خلال الست سنوات الماضية قرابة العشر مرّات وصار لي عدد كبير من الأصدقاء والأصحاب والتقيت بجميع أعضاء رابطة أدباء الكويت وغالبيهم تعرفني، إضافة إلى لقاءات كثيرة بعدد من الشخصيات الهامة والمعروفة مثل الأستاذ الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين والشيخ علي جابر الأحمد الصباح أيام كان محافظاً للجهراء والدكتور يعقوب يوسف الغنيم والأخ الفاضل عادل الحمد والعم الفاضل فلاح الرشيدي، وعدد من البرلمانيين المخضرمين كالأستاذ الفاضل محمد جاسم الصقر الذي شغل منصب رئيس البرلمان العربي والأستاذ خلف دميثير والعشرات من الشباب والكهول والشيوخ ممن اطلعوا على إمكاناتي الأدبية والشعرية وصاروا يعتبون لعدم مساهمتي في «هلا فبراير» لكن الأمر ليس بيدي بل يتعلّق بمنظّمي المهرجان.ماذا عن التواصل بين الشعراء العراقيين وشعراء المنطقة وكيف تفسّر وجود كمّ هائل من الشعراء في العراق؟ عندما نقول شعراء العراق فإننا نعني الآلاف، ونقصد بذلك شعراء الفصحى فحسب وتفسير ذلك يعود إلى أن بغداد استمرت عاصمة للثقافة والخلافة العباسية مدة تزيد على خمسة قرون وتحديداً 524 عاماً، من سنة 132هـ إلى سنة 656هـ، وهذه المدة الطويلة من التشجيع والدعم والتكريم كفيلة بإنجاب أجيال متعاقبة من الشعراء والمثقفين الذين تركوا كماً هائلاً من التراث الأدبي فنهل وينهل منه شعراء العراق اليوم ومن هنا نجد أن الفارق كبير بين عدد الشعراء في العراق عنه في أي بلد عربي آخر .أما بالنسبة الى التواصل بين شعراء العراق وشعراء الخليج والجزيرة العربية فهو ضعيف بسبب ضوابط الفيزا المفروضة على العراقيين حصراً، ولكن عربياً وعالمياً فتواصلهم بنظرائهم كبير ومهم وتحديداً في الأربع سنوات الأخيرة حيث هاجر المثقفون عندما اجتاحت العراق موجات الإرهاب الدامية فمارسوا نشاطهم الأدبي في المهجر متواصلين مع شعراء العرب والعالم، ولا أنكر الدور الذي أدّته مؤسسة جائزة «عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري» في إقامة الملتقى الأول لشعراء العراق في الكويت ودور الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في استضافة شعراء عراقيين وتكريمهم.كيف تنظر الى الواقع الأدبي في العراق اليوم؟ما زال قسم كبير من أدباء العراق في المهجر، إلا أن الساحة العراقية كانت وستبقى غنية ً بالمبدعين من الأدباء ولكنهم يعانون الإهمال بسبب عدم استقرار الوضع العام ونشوب الصراعات السياسية وتردّي الأمور الإدارية، ما دفع ببعضهم إلى التمرّد على الواقع، وبالبعض الآخر إلى اعتماد مبدأ الأدب للأدب وكلُّ يربأ بنفسه عن المزايدات السياسية الفارغة، إذ لا يمكن للشاعر أن يتقولب في إطار إيديولوجي محدد مهما كان عظيماً ذلك الإطار فما بالك بوجود أكثر من ألف كيان سياسي في العراق لم يطرح من الفكر غير الطائفية والقبلية بينما يحتاج الشاعر إلى آفاق واسعة لخياله اللا محدود .كيف هي علاقتك بأدباء الكويت؟كما أسلفت سابقاً، أتردد على الكويت منذ عام 2004 وفي معظم زياراتي لهذا البلد الحبيب كنت أقصد رابطة أدباء الكويت وألتقي بالنخبة فيها أقرأ لهم ويقرأون لي وتوطدت العلاقة بيننا حتى صرتُ أشعر بأنني واحدٌ منهم، أحببتهم كثيراً وأحبوني وشعرت بمستوى أدباء هذا البلد الرائع من خلال لقاءاتي المستمرة بهم، ومن الذين تشرّفت بلقائهم أذكر: الشعراء أحمد السقاف ود. خليفة الوقيان ود. خالد الشايجي وفيصل السعد، والأدباء حمد الحمد وعبدالله خلف التيلجي وعادل العبد المغني وخالد سالم محمد والروائيات ليلى العثمان ومنى الشافعي وطيبة الإبراهيم والقاص وليد المسلم والفنانان التشكيليان عبد العزيز التميمي وبدر القطامي والملحن الفنان غنـّام الديكان والفنان صالح الحريبي والشاعر الصحفي حمود البغيلي وآخرين لم تحضرني أسماؤهم.بماذا تنصح الشعراء الجدد؟أنصحهم بحفظ الكثير من الشعر الجميل فذلك يرسّخ فيهم موسيقى البحور الخليلية ويؤسس لمخيلة واسعة، وبالابتعاد عن المباشرة في رسم الصورة، وتجنّب السرد القصصي في القصيدة، وبألا يظن الواحد منهم عندما يكتب بيتاً أو قصيدة يُعجبُ هو بها أنه بلغ القمة وتمكّن من ناصية الشعر بينما لا يزال في أول طريقه الشاق الطويل فالغرور يعرقل مسيرته، كذلك أنصحهم بعدم استعجال النشر لأنهم سيندمون بالتأكيد لاحقاً، وألا يطلقوا صفة الشعر على الكلام المنثور وإن كان فيه الكثير من البيان والروعة لأن الشعر تطوّر عن الكلام العادي إلى الموزون المقفـّى وهو أحد فنون المنطق، والشاعر هو مَن يحمّل بعض الكلمات كل المعاني وإلا فجميع الناس شعراء.نعلم أنك باحث ومؤرّخ ولك مؤلفات في مجال أنساب القبائل العربية إضافة إلى كونك شاعراً.ألّفت كتباً عدة في مجال أنساب العشائر العربية كان آخرها كتاب «قبيلة بني حميدة العربية في الأردن» الذي أجازته وزارة الإعلام الأردنية وعممته وزارة التربية بسعر معقول على المدارس هناك كونه يتضمن دراسة هامة عن تاريخ شرق الأردن، وأذكر أيضاً «ألبو فهد ضياغم الصحراء» و «مواطن البو جواري وتفرعاتهم» و{مآثر الدليم في ديالى»... إضافة إلى أكثر من ألف مُشجِّر عن العشائر أصدرتها خلال الفترة من 1997-2009، أما آخر إصداراتي الشعرية فهو «رداء في ذاكرة الرتق»، وفي مجال البحوث والتاريخ أعمل على إنجاز أهم مشروع في حياتي وهو كتاب «خنجر في خاصرة الطائفية» يقع في 31 فصلاً أنجزت 27 منها ويعالج 31 إشكالية في التاريخ الإسلامي وفق نظرية تلاشي الأخطاء.