مُناداة برنارد مادوف والآذان الصمّاء

نشر في 11-06-2010 | 00:01
آخر تحديث 11-06-2010 | 00:01
بين كل الشراكات العائلية لم يكُن هناك أقوى وأنجح من تلك التي جمعت بين عائلات كابلان وغيويرز وسمول التي عملت معاً في تطوير وإدارة العديد من المباني على مر السنين،
كيف استطاع شخص مثل "بيرني مادوف" خداع ذلك العدد الكبير من الأشخاص الأثرياء المتطورين، وأخذ كل تلك المبالغ الضخمة ولمثل تلك الفترة الطويلة من الزمن؟

الرواية المحلية التالية تقدم جواباً جزئياً على الأقل في هذا السياق. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل التسعينيات من القرن الماضي، كانت صناعة العقارات التجارية في واشنطن تخضع لهيمنة حفنة من العائلات اليهودية، وبدأ معظم المؤسسين في أعمال البناء وتشييد منازل وأبنية سكنية لجيش واشنطن المتنامي من الموظفين الاتحاديين، ثم شرعوا مع ذريتهم أيضاً في تطوير مراكز تسوق بالضواحي وتشييد أبنية تجارية في وسط المدينة.

وبينما كان البعض من تلك الجماعات مشهوراً مثل موريس كافريتز وتشارلز سميث وتيد ليرنر، اكتفى الآخرون بالبقاء بعيداً عن الأضواء مثل غودلسكي والإخوة كوهن وأبراموز وكيس، وكانوا في الأغلب يتعاملون بعضهمv مع البعض الآخر في بيع الأراضي والاستثمار في مشاريع، وكانت الصفقات تُبرَم في العديد من الحالات بمجرد المصافحة بالأيدي.

وقد استخدموا المحامين المحليين والمهندسين والمقاولين أنفسهم، وكانوا يتناولون طعام الغداء ويلعبون الغولف معاً.

ومن بين كل الشراكات العائلية لم يكُن هناك أقوى وأنجح من تلك التي جمعت بين عائلات كابلان وغيويرز وسمول التي عملت معاً في تطوير وإدارة العديد من المباني على مر السنين، وكان بينها 1700 ك-ستريت و4000 ماساشوستس أفنيو و1000 كونكتيكت أفنيو، وهذه الأخيرة هُدِمت أخيراً من أجل بناء مكاتب جديدة  لـ"آرنت فوكس".

وقد شُيِّدت أبنية واشنطن الثلاثة في الشمال الغربي من قِبل شركة إنشاءات "وليم ماغازين"، التي حصلت على حصة أقلية في الشركات التي تملّكت الأبنية، وبمرور السنين قُسِّمت حصة "ماغازين" بين الأولاد والأحفاد وذهبت نسبة تقل عن 2 في المئة الى "روس ماغازين" حيث بدأت قصة مادوف.

في أواخر عام 2006 يذكر "روس" أنه تلقى اتصالاً من أخيه "مارك" الذي كان يمثل العائلة في لجنة إدارة الممتلكات, وقد عبّر "مارك" في اجتماع للجنة عن قلقه إزاء كون كل أموال احتياط المباني -قُدِّرت قيمتها حينها بنحو 30 مليون دولار- كانت تُستثمَر من قِبل مدير أموال في نيويورك يُدعى "برنارد مادوف"، واقترح "مارك" تنويع المحفظة، لكن اقتراحه قوبل بالرفض من قبل الأعضاء الآخرين في اللجنة، لأن "مادوف" حقق لهم عوائدَ كبيرة لسنوات طويلة، وعندها اقترح "مارك" أن يجري"روس" وهو مستشار استثمار محترف، مزيداً من التحري عن حسابات "مادوف"، وبعد مراجعة بعض المستندات التي قُدِّمت إليه، أجرى "روس" مكالمة طويلة وصفها بغير المُرضية مع "إدوارد كابلان" العضو المنتدب في الشركة، أعقبها برسالة من أربع صفحات بعد عدة أسابيع، تتضمن اعتراضات على استثمار اموال الاحتياط مع "مادوف".

وكتب "روس" إلى "كابلان" في يناير 2007 يقول: "عندما ناقشت معك شركة مادوف بدَوت في موقف الدفاع، كما أخبرتني أنه يدير الحسابات (ولا أحد يعرف كيف يقوم بعمله)، وفي رأيي أنه في حساب يبلغ 15 مليون دولار -رصيد أموال الاحتياط في واحدة من المباني- يتعين أن يعرف أحد كيف يقوم هو بعمله".

طلب الإقالة

ومن بين أشياء أخرى مُريبة حول عمليات "مادوف"، وجد "روس" أن "مادوف يحيط عمله بستار من السرية، ولحظ بشكل خاص عدم وجود أي بيانات نهاية السنة التي توجز نشاط الحسابات، وأثار فضوله أن شركة "مادوف" لم يكُن لها خدمة مشورة استثمارية مدرجة مع لجنة الأسهم، أو موقع "ويب" للخدمة، كما عبّر عن شكواه من رسوم بلغت 4 سنتات لكل سهم في الصفقة، والتي أعطت "مادوف" حافزاً لتحريك الحساب مع أنه كان يعطي عائداً بلغ 6.39 في المئة في 2005، وشكك في ملاءمة استراتيجية استثمار تستخدم خيارات مخاطرة في حساب غرضه الرئيس الحفاظ على رأس المال، وكما تبين، كانت تلك الأسئلة الصحيحة تماماً.

ولم يحصل "روس" على ردٍّ, وبحسب أخيه "مارك" لم تتخذ اللجنة أي إجراء رداً على رسالته، وربما يتمنى أعضاء اللجنة بعدما حدث, لو أنهم قاموا بعمل ما، إذ تبين أن أعضاء عائلات "كابلان" و"غيويرز" و"سمول" كانت لهم استثمارات تتجاوز أموال احتياط المباني مع "مادوف"، وخسروا ملايين الدولارات في مشروع "بونزي"، إضافة إلى أموال في مؤسسات خيرية كانوا يشاركون فيها، والعديد منهم عرف "مادوف" من بالم بيتش في فلوريدا حيث لديهم منازل شتوية، وكانوا ,مع مادوف, أعضاءً في نادي بالم بيتش كاونتري الخاص. وهكذا عندما أقدموا على استبعاد تحذيرات "روس" وأسئلته، رغم وجود ذلك القدر الكبير من أموالهم في حيز الخطر؟ لقد رفض "إد كابلان" الردَّ على مكالمتي الهاتفية هذا الأسبوع، لكنه ردَّ بشكل فعلي على ذلك السؤال في رسالة بعث بها أخيراً إلى "ماغازين" في فبراير 2009, بعد شهرين من اعتقال "مادوف"، وبرر "كابلان" بصورة منطقية قرار مجلس الإدارة بالقول إن استراتيجية "مادوف" الاستثمارية كانت منطقية ومعقولة وتعتمد على "أساليب ملكية" خدعت العديد من المستثمرين الأثرياء الآخرين، كما استبعد "كابلان" أيَّ أهمية لأسئلة "روس" السابقة، قائلاً إنها فشلت في "وصف أيِّ مخالفات أو أنشطة احتيال من جانب مادوف، تشير الى نوع الاحتيال الهائل الذي تم اكتشافه أخيراً فقط".

وقد تكون الحقيقة الأكبر أن "كابلان" وغيره من العملاء الأوفياء كان لديهم أكثر من مجرد أموال مستثمرة مع "مادوف" -لأن سمعتهم كانت موضع استثمار كذلك، وكانت عبقرية "مادوف" تركز على حاجة ضحاياه إلى رؤية أنفسهم ورؤية الآخرين لهم- في صورة المتقدمين والمرتبطين بشكل جيد، وكان التشكيك في قرار الاستثمار الأصلي -حتى مع وجود تحذيرات بحدوث أخطاء- يعني التشكيك في الأشياء الأخرى أيضاً.

لست أعلم إذا كان "روس ماغازين" يستحق بموجب القانون واتفاقية الشراكة الأصلية أيَّ أموال نتيجة التصرفات الطائشة من جانب لجنة الإدارة، وبناءً على طلبه كُلِّف أحد المحامين من الخارج بتقديم توصية حول ذلك، وما أعرفه أنه يستحق الحصول على اعتذار بسيط ومخلص, وهو لايزال في انتظاره.

back to top