القاصّة اللبنانيّة بسمة الخطيب: أكتب القصص حفاظاً على طفولتي

نشر في 15-11-2009 | 00:00
آخر تحديث 15-11-2009 | 00:00
No Image Caption
عرفت بسمة الخطيب في لبنان من خلال القصص التي تنشرها إلى جانب تحقيقاتها الصحافية، وهي إلى ذلك مهتمة بصوت الطفل، تكتب القصة القصيرة كأنها تخصّ الأعمار كافة من خلالها.

معها كان الحوار التالي.

لماذا اهتمامك بالقصة القصيرة في زمن يوصف بـ{زمن السرد} إلى جانب موجة الشعراء و{القصائد السريعة} إذا جازت التسمية. في رأيك هل ما زال للقصة القصيرة مكان في هذا العالم الصاخب؟ بمعنى آخر أليس على كتاب القصة ابتكار أشكال جديدة تجعل القصة تواكب الموضة والقارئ الجديد؟

يشمل زمن السرد الرواية والقصة معاً، فالقصة سرد أيضاً لكنه سرد مكثف ومشذّب من العوالق والاستطرادات والوصف المطوّل. جيّد أنك قلتها: زمن السرد وليس زمن الرواية أو قصيدة النثر، أو زمن لون دون غيره. تقال هذه العبارة رداً على تراجع الشعر بعد أن كان {ديوان العرب}. أما عالمياً فقد تراجع الشعر لصالح {الحكاية} أو {القصة}، علماً أنها كانت دوماً مرغوبة، سواء طالت وتشعبت أم قصرت وتكثفت.

في رأيي، القصة القصيرة لا تزال حاضرة، لم تمت ولم تنقرض ولن تموت أو تنقرض، أدخل الإنترنت وابحث عنها ستجد مواقع إلكترونية كثيرة متخصصة في هذا المجال وملايين المدونات ونوادي خاصة وجوائز وملتقيات افتراضية وغير افتراضية. تراجعت القصة القصيرة بعد عصرها الذهبي (السبعينات في العالم العربي) وراجت الرواية أكثر، لكنها لم تكتسح الساحة، فهي نفسها في مأزق عامّ يسمى مأزق الثقافة والقراءة والنشر، ليتنا فعلاً في زمن الرواية، لكان لزمننا بعد ثقافي – إبداعي.

إننا في زمن التردّي والتراجع الإبداعي، والروايات التي تبيع وتحقق رقماً مميزاً هي روايات النميمة والفضائح الجنسية والسياسية. ونعود إلى القصة القصيرة التي ما زالت تُكتب وتنسج خيوط علاقتها السرية بقصيدة النثر وعلاقتها المعلنة بالكريشندو. لديها ماض بعيد يعود إلى بدايات السرد الإنساني، إلى قصص الأنبياء وخرافيات {إيسوب} ثم {حكايات بيرو} و{كليلة ودمنة} و{ألف ليلة وليلة}، أبرز المجموعات القصصية التي ترتبط معاً في ظلّ قصة واحدة جامعة، وصولاً الى مؤسسي فن القصة القصيرة وواضعي مبادئه ومسمياته كما نعرفها اليوم مثل إدغار آلان بو وموباسان وبراندر ماثيوز. وكما تلاحظ على رغم أن القصة كانت أول طرق التعبير السردية للإنسان إلا أنها جاءت آخر ما تمّ تأريخه ووضعه في أطر أكاديمية وتنظيرية، فتعبير {القصة القصيرة} تكرّس أكاديمياً للمرة الأولى مع البروفيسور ماثيوز في كتابه {فلسفة القصة القصيرة} عام 1901. هذا الفن العريق لا يمكن أن يمحى بجرة قلم ناقد ما أو كاتب مستاء، إنه مهمّش ومعزول فحسب، مبعد عن الأضواء، متواضع لكنه متطلب ومرهق للكاتب كما للقارئ، وهذا قد يكون أحد أبرز أسباب تهميشه.

{العالم صاخب} كما ذكرت والقصة القصيرة مثله، إنها صورة مصغرة عنه، مثله متوترة ونافدة الصبر، كإيقاعه مكثفة وسريعة، وهي أكثر لون يناسب القارئ الجديد، القارئ الإلكتروني الافتراضي، الذي يحتل الساحة بقوة وسيسيطر عليها قريباً، فكما ترى حتى علاقاتنا الاجتماعية باتت افتراضية عبر {الفايسبوك} وأشقائه، ونوادي القراءة وتبادل الكتب، بل لنقل تبادل القصص، فليس أسهل من تبادل القصص عبر الإنترنت، وهو أدخل قارئاً جديداً الى عالم القراءة، له متطلبات خاصة، ما يرشح القصة القصيرة كي تكون سيدة العصر الافتراضي القادم، لذلك أنا متفائلة بمستقبلها، وسينحو السرد نحو التكثيف والاختزال، وبعدما قال أدونيس إن الشعر هو رحيق الكلام سيأتي مفكّر يقول إن القصة القصيرة هي عسل الكلام، تتركز فيها حلاوة السرد المكثفة من دون ملامسة التقزز.

طبعاً، على القاص ابتكار أشكال جديدة. بالأحرى عليه أن يكتب بدمه وحواسه ويترك بصمته الخاصة، وهذا يحدث تلقائياً على ما أظن، لأن تقليد السابقين والوقوف على أطلالهم لا ينتج فناً أو إبداعاً ولا أظنه يرضي الكاتب نفسه. القصة القصيرة تغيرت كثيراً عما بدأت به، بالنسبة إليّ لا يمكن أن أكتب قصة قصيرة تتجاوز خمس صفحات أو الف كلمة. لا يمكن أن أكتب كما كتب فلوبير وموباسان وهمنغواي وأو هنري، ليس لأنني أفضل منهم فهم عمالقة ورواد لكنهم بأنفسهم لو عادوا إلى الحياة اليوم لكتبوا قصصاً مختلفة شكلاً ومضموناً عما كتبوه في أزمنتهم تلك، لن يكون موباسان مضطراً إلى وصف مطول لحانة فرنسية لرسمها في مخيلة القارئ لأن جميع القراء اليوم يعرفون جيداً بفضل السينما والميديا والإنترنت كيف تكون الحانة... كذلك سيراعي نمط حياة القارئ الذي بات يملك وقتاً أقلّ للقراءة، لا يجلس مسترخياً في مقعده ولديه الوقت كله لمطالعة عشرات الصفحات، بل يتصارع مع الوقت والمسؤوليات وتتجاذب وقت فراغه المحدود وسائل ومغريات شتى، منها التلفزيون الأكثر جاذبية.

ثمة ميل في كتابك إلى قصص الأطفال، هل تجدين في {شيطنة} الأطفال مصدراً لالهامك؟

في شيطنتهم وبراءتهم وخيالهم... إنهم مصدر إلهام فعلاً، تعلمت منهم الكثير، فقد تخصصت في التربية الحضانية إلى جانب دراسة الصحافة، ومن خلال ورش تأليف الحكايات ساعدوني في تنمية خيالي وتصوري لتأليف القصص، فهم لا يضعون القيود على خيالهم. وبقيت أكتب وأؤلف لهم القصص للحفاظ على الطفلة التي كنتها أي للحفاظ على جزء مني. اليوم لست راضية عن أي نص كتبته للأطفال حتى أنني لم أنشر أي كتاب سردي لهم، ترجمت بعض قصص أندرسن بمناسبة مئويته الثانية في كتاب صدر عن مجلة {العربي الصغير} في الكويت وكتاباً آخراً علمياً عن الزهور. لكنني مترددة الى اللحظة في أخذ مسودات كتب الأطفال التي أعمل عليها إلى مطبعة أو دار نشر. الأمر مخيف حقاً. أن تشعر أنك تخاطب فئة حساسة مثلهم وكأنك داخل الى أصعب وأخطر اختبار في حياتك. عملي وتجربتي مع الأطفال رفدا شخصيتي وكتابتي كما التجارب الأخرى، وأنا متأثرة جداً بطفولتي وحكايات جدتي وأمي والبيوت التي انتقلنا بينها ونحن أطفال وأيام المدرسة الأولى وبدايات الحرب. وذكرياتي... إنها جزء من مادة الكتابة وهي تطفو على الصفحات من دون سابق تعمّد، البوح الذي توفره لك الورقة والقلم لا يوازيه بوح آخر لدي.

هل تحبين أن تكوني صوت المرأة في قصصك؟

صوت الأنثى، امرأة أم نبتة أم ثمرة أم زهرة أم قطة... لكن ليست هذه قاعدة. ففي بعض القصص اتخذت صوت الذكر وقلبه. فكرة القصة نفسها تفرض اللسان الذي يروي القصة. تحدثت عن آلام ثور في حلبة مصارعة الثيران، عن ضفدع يناضل للحصول على أنثى في موسم التزاوج ويغني استدعاء للحب، عن سائق تاكسي... لكنني لا أنكر أن صوت الأنثى أقرب إليّ، إنه فاتن وآسر حتى أنه لدى بعض المذاهب الدينية {عورة} لشدة فتنته، هذا لا يخيفني. لكنني في المقابل لست مهووسة في استعادة حقوق المرأة والدفاع عن قضاياها، فقضاياها هي قضايا الرجل والطفل، والكتابة تفسح في المجال للتعبير، إنها فعل حرية وبوح وليست فعل انتقام من اضطهاد الرجل والمجتمع الذكوري.

ما رأيك بنزوع النساء في العالم العربي إلى كلشيات {الجسد} (المتحلل)، إذ يكتبن كما لو أنهن مغنيات جسد أو كليب جسد؟

باختصار: لا أحبّ هذا. أشعر أحياناً أنهن مهووسات جنسياً، إذ يبالغن في الموضوع إلى درجة الوقوع في أسره التامّ والاختناق داخله. لا أحبّ أن تأسرني فكرة ما وتسلبني حرية اعتناق أفكار أخرى. أتعامل مع قضية الجنس بطبيعية، لا أقحمه ولا أنكره.

في جانب من قصصك تحضر الفكرة اللامعة، لكن يلاحظ القارئ أحياناً أنها في حاجة إلى التكثيف السردي، ما رأيك؟

دعني أعبر عن دهشتي من ملاحظتك فأنت أول قارئ يقول هذا. معظم القراء لمسوا تكثيفاً وبخلاً أحياناً. اشتغلت على هذا وما زلت أجتهد فيه. كتابة القصص كالمشي فوق الزجاج، لا بد من الحذر والخوف والقلق والتوتر وتوازن الخطوات لأن أقل خطأ يسبب نزيفاً. في النهاية، يجب أن أحصل على نصّ مصقول وأي حرف زائد أو ناقص يسقط قصتي. اشتغلت سنوات على قصص {شرفة بعيدة تنتظر}، كتبتها مراراً، او بالأحرى شذبتها كالنبتة وإن نسيت بعض الشوائب فأرجو أن تكون قليلة، لكن هذا يزعجني، وملاحظتك دفعتني الى إعادة قراءة القصص.

هل تتابعين كتّاب القصة الجدد والقدماء، هل ما زال يستهويك مارون عبود وتوفيق يوسف عواد ويوسف إدريس ويوسف الشاروني وزكريا تامر؟

أقرأ كل جديد بالطبع وسبق أن قرأت الرواد بل قرأت معظم ما كتب من قصص حتى التي لا أحبها... قرأتها ثم نسيتها. كان قراراً مني. حين قلت هذا في {ملتقى القصة القصيرة الدولي} في القاهرة في حضور زكريا تامر ابتسم وأخبرني لاحقاً أنه فرح كثيرا بما قلت وأنه شعر أنني أتحدث بلسانه. إضافة إلى من ذكرت يحضر إبراهيم صموئيل، يحيى الطاهر، إبراهيم أصلان، حنان الشيخ، وكتّاب عالميون مثل تشيكوف وبورخيس فوكنر وماركيز وآني سومون ولويز أردريتش وأوكونور... أحرص على متابعة القصة القصيرة في العالم وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية موطن القصة القصيرة الحديثة.

يميل البعض من الجيل الجديد إلى كتابة قصيدة أشبه بقصة قصيرة أو قصة قصيرة أشبه بقصيدة تصنف في خانة {قصيدة النثر}، وهذا نجده أيضا لدى أدباء مثل فرانز كافكا أو نجيب محفوظ، كيف تقرئين مثل هذه التجارب؟

أحب أي فعل تجريبي، الإبداع بذاته تجريب واستكشاف. إقرأ قصائد أمجد ناصر الأخيرة ستجد نفسك محتاراً إن كانت قصائد نثر أم قصصاً قصيرة، ناصر أبرز من اشتغل على هذه التجربة، فمحى الحدود بين النوعين بخفة ومهارة. أما ماركيز فقال إنه لتحاشي تأثير المقالة الصحافية على كتابته القصصية لجأ إلى حيل شعرية.

أعتقد أن القصة القصيرة تتميز باستفادتها القصوى من جميع الأنواع الأدبية والفنية، من الشعر والمقالة والموسيقى والرسم والنحت وتقليم الزهور والزراعة والخياطة وصياغة الحلي... هذه ميزتها المبهرة: أصغر الفنون يحتويها كما تحتوي حبة رمل العالم - وفق تعبير للشاعر وليم بليك- عموماً، أحبّ أن يشتغل النقاد على هذا، بما أن الأكثرية مولعة بالتسميات والتصنيفات (بينما أنا لا) ربما يضعون تسمية مثل {القصة الشعرية} في مقابل {قصيدة النثر}.

back to top