فلسفة الشعر عند ابن جدلان (2-2)
ابن جدلان شاعر لا يختلف فيه اثنان، فالتميز هو عنوانه الدائم، ورغم أن لمعان نجمه قياساً على عمره جاء متأخراً بعض الشيء، فإنه كان إسعافاً للساحة الشعبية في وقت سعى فيه أرباب الحداثة والغثاثة إلى مواراة القصيدة التقليدية، فكان نجمه سعداً على شعراء المدرسة الكلاسيكية، لقد أعاد ابن جدلان التوازن إلى هذه الساحة لأنه أجبر الجميع على الاتفاق على إبداعه الذي لا يحتذي النماذج السابقة، لكنه يشكل نموذجه الخاص في اقتناص المعاني النادرة والصور الشاردة.
الأكلبي شاعر يجتهد لإرضاء الذائقة الأدبية العالية، ولذلك فهو يحاول أن ينتقي من شوارد الفكر أجملها، ولذا فلا يقنع بكل ما يتبادر إلى ذهنه، بل يعمل على تنقيح قصائده بدون فلسفة أو غموض حتى يفهمها الجمهور، ثم يشنف بها الأسماع فتصغي إليه، ورغم ذلك فهو يعرف أن رضا الناس غاية لا تدرك: زاومنـي الهاجـوس (...) أبـو الأهـل يقول البيـوت العصـم وإيـاك وإياهـا لا عيّنت كلمة قلت يضرب بها المثـل لقيـنـا وراهـــا كـلـمـة كّـنـهـا إيـاهــا ما تنجح مدارس فلسفة علم في جهل والعربان ما كلٍ يقدر يكسـب رضاهـا يحاول قدر الإمكان يعني على الأقل يدخل في مفاهيم العرب يكسب اصغاها وشاعرنا لا يمكن أن ينتابه الغرور الذي يعانيه (الاغيلمة) فثقته في نفسه كبيرة، ولكن رغم ذلك فهو لا ينشر من شعره إلا ما يعتقده بتأييد أهل المعرفة و(الصنف) ولو علم أن قصيدته التي سينشدها على الملأ ستجلب له اللوم والعتاب من هؤلاء فإنه يرى أن السكوت خير من الكلام بل إن السكوت في هذه الحالة واجب عليه: ويدل منطق لساني في الأناشيـدي ويزيدني مع هل العرف اعتباراتي إذا لقى من رجال العـرف تأييـدي حبيـت نشـر الجـرايـد والمـجـلاتي وإذا نشيدي جذبني للمناقيدي قبل مآسي كلامي ياجب سكاتي وهو يقدم درساً لكل الشعراء في صعوبة اقتناص الفكرة البكر، أو الصورة النادرة، أو المعنى الشارد، أو المفردة الفاخرة، فلا يمكن لكل شاعر اقتناصها، ولكن لابد أن تكون القصيدة صادقة: شرد بكار النشيد أجفل من الصيدي ومـن القنانيـص قـدهـا مستـذيـراتي يقنـص لهـا بالمحـازم والبـواريـدي تنصـاد مـرة وتسلـم عـشـر مــراتي الشعر صدقه على الأفعال تأكيدي وتقبل بيوته بدون صكوك وإثباتي فهو هنا يعترض على مقالة (أعذب الشعر أكذبه) ويتمثل قول الشاعر العربي: وإنَّ أَحْسَن بيتٍ أنت قائلهُ بَيْتٌ يقالُ إذا أنشدتَه صَدَقَا ويشرح شاعرنا دور الشعر وأهميته عند العرب في تخليد المآثر والثناء على مكارم الأخلاق والتأكيد على العادات والتقاليد، وليس كما يفعل بعض الشعراء اليوم الذين سخروا شعرهم لمصالحهم الخاصة بدون اعتبارات أخلاقية: مجـده يخلـد بيـوتٍ للأجـاويـدي تبقى ضويّه بعد الأسلاف حياتي وأكد بطبـع العروبـة والتقاليـدي من لا نفع حي ما يفقد ليـا مـاتي ما هوب شعر المظاهر والمقاصيدي يا صاحبي رش خبزك من لبن شاتي ولكنه حين تطرق الى شعراء المصالح لم ير بداً من التأكيد على قدراته ومواهبه التي يستطيع مثل هؤلاء مجاراتها، لأنه يغرد خارج السرب قريحتـي ميلـت شـعـري وتمجـيـدي لمعانق الشرد فـي روس المنيفاتـي حذرات الأشعار في روضة مقاييدي الشـرّد اللـي مطاردهـن عسيـراتـي القلّط المترفات العنّس الغيدي اللي عدمهن على الشعّار حسراتي مخرج من خلال ما سبق بيانه نجد شاعرنا يركز دائماً على جوهر القصيدة، لا على شكلها، ولكنه يختصر تجربته مع الشعر في أربعة أبيات تؤكد عمق تجربته الشعرية، بل ثراء معرفته النقدية التي ربما كانت سبباً في تجويده لشعره وحرصه على تقديم ما عجز عنه الآخرون إذ يقول: ياللـي تقـول الشعـر هـمـزه وكـسـره يقول فكرك مقـديٍٍ وأنـت مـا اقديـت اسرح نهارك وإن ضوى ليلك أسره وتعود من بحر الشعر مثل مـا جيـت أحلـى بيـوت الشعـر سهلـه وعسـره عسره على الإبداع سهله ليا أوحيت