عبد الله محمّد العضيمي في النصّ وإشكاليَّة المعنى يتعدَّد النصّ الواحد بتعدُّد قراءته

نشر في 12-06-2009 | 00:00
آخر تحديث 12-06-2009 | 00:00
No Image Caption
أقصى ما يتمنّاه شاعر أو أديب أن يتمكَّن من جعل اللّغة قادرة على قراءة حالته الشعوريَّة والأفكار التي لا تتعب من الإقامة على بساط تفكيره. وأهل الأدب نوعان: واحد يملك المهارة والقدرة على استغلال طاقات اللّغة التي بينه وبينها علاقة حميمة هي وليدة المعرفة والهوى، فيشعر أحيانًا أنّ ما في صدره تضيق به اللّغة على رحابتها، ويحاول جاهدًا إقناع الكلمات بأن تتّسع لمزيد من المعنى والجمال ويكتشف بعد حين أنّ اللّغة عاجزة إلى حدّ ما عن تلبية خاطره ويرضى على مَضَضٍ لأنّه يفعل ما بوسعه.

أمّا النوع الثاني فيرغب أكثر ممّا يقدر، ويطوّق اللّغة كطفل يطوّق بيديه الصغيرتين طائرًا كبيرًا، ما يعني أن النَّصّ سيقول ما لا يقوله صاحبه، وبكلام أدقّ، لم يصلْ إلى النصّ ما أراده صاحبه، فنصير أمام كاتب أو مستثمر لغة عنده ما يقوله هو، وعند نصّه ما يقوله هو أيضًا، وفي النهاية يبقى النصّ والقراءة الأولى والأخيرة تكون له.

في مقدّمة كتاب «النصّ وإشكاليّة المعنى» يعلن المؤلّف عبد الله محمّد العضيمي أنّ قراءة النصوص لدى هواتها ضربٌ من المغامرة، إذ يسعى القارئ إلى متعة يولّدها اكتشاف دلالة النصّ. والمعنى الذي يعبّر عنه النصّ هو أساس التفاعل بينه وبين قارئه. من هذا المنطلق تختلف قدرة النصوص على تحفيز القارىء، فإذا كان النصّ متعدّد المواضيع صعُبَ الوصول إلى الخيط الذي يربط بين المواضيع كلّها بهدف الوصول إلى المعنى الكلّيّ كما يحصل عند مقاربة القصائد العربيَّة الجاهليَّة. وصعوبة الوصول إلى دلالة النصّ تكمن أيضًا في النصّ الغامض بسبب توظيف رمزيّ أو تشكيل لغويّ، ووحدها القراءة تَعمَل على مواجهة الغموض لإضاءته وتقرّب المسافة بين القارىء والنصّ.

في الفصل الأوَّل، النصّ وإشكاليَّة المعنى بين الشاعر والقارىء، يقدّم المؤلّف قراءة في تجربة شاعر معاصر. ويبدأ كلامه بأسئلة تطرح إشكاليّات حول علاقة النصّ بصاحبه أو العكس، ويتحدَّث عن القدرات التي «يمتلكها الشاعر في السيطرة على نصّه»، وعن فاعليّته في توجيه النصّ بما ينسجم مع رؤيته. فأيّ شاعر لا بدّ من أنّه يوجّه قارئه إلى فهْم معيَّن للنصّ، ويبقى السؤال حول تمكّن الشاعر من تحقيق هدفه التوجيهي أو إخفاقه في ذلك.

النموذج الأوَّل هو قصيدة «رويدكِ» لغازي القصيبي. وهي كناية عن تحذير يوجّهه الشاعر إلى امرأة مندفعة نحو رجل لن يكون سوى قاتل لها، لأنّه عجز عن النجاح في علاقته مع حبيبته التي اختارت غيره وكأنّ الكلام لا يتجاوز التحذير. هذه المعاني نصل إليها من ظاهر النصّ. وفي الواقع، يطرح الشاعر المرأة في القصيدة المذكورة رمزًا، ويوجّه القارىء إلى دلالة هذا الرمز من خارج النصّ بسبب معرفته أنّ النصّ يعجز عن ذلك التوجيه. والمقدّمات التي تسبق القصائد تحمل في طيّاتها توجيهًا مباشرًا أو غير مباشر للقارىء، لتصير المقدّمة مستندًا لا يمكن الاستغناء عنه في عمليَّة الفهم النصّيّ. والقصيبي شاعر من هؤلاء الشعراء الذين يستعينون بالمقدّمات لإضاءة نصوصهم. وقد عرض المؤلّف العضيمي قصيدة للقصيبي على عدد من الشعراء فكان فهمهم لها بعيدًا من مقصد الشاعر لأنّهم قرأوا القصيدة بلا مقدّمتها. وعلى رغم ذلك يقرّ القصيبي بأنّ النصّ لا ينجو من القراءات المتعدّدة مهما حاول الشاعر توجيه قرّائه، وأنّ شعريَّة النصّ تعني انفتاحه على عالم واسع من الدلالات وما الدلالة الواحدة سوى اغتيال لهويَّة النصّ الشعريَّة.

في الفصل الثاني يتناول العضيمي القصيدة الجاهليَّة وتعدّد القراءة، معتمدًا نونيَّة المثقب العبديّ أنموذجًا. والهدف رصْد الأسباب الكامنة وراء تعدّد المواضيع في القصيدة الواحدة للوصول إلى رابط، ما يجعل هذا التعدّد في إطار وحدة قد تكون شعوريَّة أو نفسيَّة وهي وليدة وجدان الشاعر الجاهلي. نونيَّة العبدي مؤلَّفة من مقاطع خمسة موزَّعة على مواضيع خمسة: علاقة الشاعر بحبيبته، والظعائن، والناقة، وعلاقة الشاعر بعمرو بن هند، وموقف من المستقبل. وقد شكّل المقطع الثالث والمقطع الأخير صعوبة في «ربطهما بالمعنى العامّ للنصّ». وللدكتور وهب روميّة قراءتان لهذه القصيدة، تختلف الثانية عن الأولى وفيها جديد لم يكن في سابقتها، فإذا كان القارىء الواحد متعدّد القراءات فكيف الحال مع تعدّد القرّاء؟

في الفصل الثالث حضر البحتري، تحت عنوان «الرحيل عن دائرة البعد»، بِداليَّة اختارها العضيمي لمقطع فيها يتحدَّث عن الذئب في صراع مع الشاعر. وقد اتُّهم البحتري بداليّته هذه بأنّه ذو قصيدة مفكَّكَة، متعدّدة المواضيع، جاهليَّة البنية والنَّفَس. ورأى المؤلّف أنّ القصيدة تتألَّف من ثلاثة مقاطع، وبعد التحليل يتبيَّن أنّ «البُعْد» يشكّل محورها الأساس، وله مجموعة من الدَّوال، وإذا أصرَّ الشاعر على الرحيل فذلك للهروب من الفقر إلى الغنى، بهدف استعادة التواصل مع الآخرين الذين تركوه لأنّه فقير. ومقدّمة القصيدة مفتاح دلاليّ يفتح لقارىء باب النصّ بوضوح.

في الفصل الرابع، وعنوانه «نحو المعنى» يحضر ابن خفاجة بقصيدة «الجبل» المتميّزة في شعر الطبيعة. وإذا كان القارىء العادي لم يلحظ فيها بُعدًا يتجاوز الطبيعة فإنّ قارئًا آخر أخذتْه إلى عالم دلاليّ أبعد وقد تعدَّدت قراءاتها بتعدّد قرّائها، ومنهم: «إحسان عبّاس، وعبد الهادي زاهر، ومحمّد مجيد السعيد، ومنجد بهجت، وشوقي ضيف». والقراءة الأخيرة كانت للمؤلّف العضيمي، الذي رأى أنّ الشاعر استهلّ القصيدة بالكشف عن حياته الدائمة السَّفَر، والمعرَّضة دائمًا لمواجهة مع الموت، وهو بلا أهل ودار، وسعادته ليست سوى في لحظة عابرة، وفي مواجهته اللّيل بُعدٌ رمزيّ يُظهِر تمزّق الشاعر، وبعد الصراع مع اللّيل يبرز الجبل بشموخه شيخًا وقورًا يتأمّل في مصائر البشر، وفي الجبل كثير من الشاعر الباحث عن الاستقرار والقوَّة والثبات، غير أنّه يكشف عن عمق مأساته أيضًا، فهو ثابت في مكانه لا يستطيع الرحيل مثل الذين يسكنونه ويرحلون... وابن خفّاجة المستهلّ قصيدته معلنًا مأساة التشرّد والرحيل، عاد ليقتنع في النهاية، وبعد عظة الجبل، أنّ الرحيل نعمة. وبهذا التسلسل اعتبر العضيمي أنّ قصيدة الجبل ذات وحدة تقيم في ظلال التعدّد الموضوعاتيّ، والشاعر واحد من أوَّلها إلى آخرها على المستوى النفسيّ.

وتحت عنوان «الرؤيا والتفسير» في الفصل الخامس والأخير قدَّم العضيمي قراءة في قصيدة لغازي القصيبي، خرج منها بأنّ القصيبي يرسم لنا شعوره بالعجز عن تحقيق ما يصبو إليه لاصطدامه بصخرة الواقع و»هذه هي الدلالة الكلّيّة للرؤى في القصيدة». بعد قراءة «النصّ وإشكاليَّة المعنى» لعبدالله محمّد العضيمي ينتابنا شعور، وتَعْبُرنا فكرة بأنّ النصوص تحتاج إلى قراءة دائمة وعلى سُنَّة أمين نخله القائل: «لا يُمْسَح القلم من شيء»، يبدو أنَّنا في حاجة إلى القول: لا تُمسَح العَيْن من شيء أيضًا، لأنّ قراءة النصوص مثل كتابتها التي لا تنتهي.

back to top