موجة التجديد في ذكرى الطيب
كتب أحد المعلقين في الصحافة المصرية: «كلما شاهدت أحد الأفلام التي تعرضها السينما المصرية هذه الأيام أشعر بحزن وأقول أين الآن نحن من السينما التي قدمها عاطف الطيب وخيري بشارة ومحمد خان وداود عبدالسيد؟».الحق أن هذه الحقبة، التي سطعت فيها موجة هؤلاء الأعلام وأقرانهم السينمائية، من مخرجين وسينمائيين، تمثّل إحدى الفترات الذهبية في تاريخ الفيلم المصري والعربي، وقد انطلقت مع بداية الثمانينات الماضية واستمرت وسط صعوبات متزايدة بإصرار أصحابها إلى منتصف التسعينات تقريباً، إلى أن ظهرت موجة «الضحك للضحك» وسيطرت مدة 10 سنوات كاملة.
أخيراً، تحاول السينما المصرية أن تستعيد قدرتها على تقديم مختلف الأعمال، لكنها بعيدة فعلاً عن وهج الحالة التي مثلتها حقبة الثمانينات الذهبية أو «حقيبة» الخمسينات الذهبية وغيرهما.في ذكرى رحيل المخرج المقتدر عاطف الطيب، أحد أقطاب موجة التجديد في العقد قبل الأخير من القرن العشرين، لا بد من الإشارة إلى أن فيلمه «سواق الأتوبيس» (1983) شكّل بداية موجة التجديد الحقيقية التي تميزت على المستويات الجمالية والفكرية، وقد أطلق عليها بعض النقاد اصطلاح «الواقعية الجديدة».تنطبق هذه التسمية فعلاً على أعمال الطيب كافة وعلى بعض أعمال غيره. فرأفت الميهي مثلاً قدّم السينما ذات الطابع الفانتازي.تأخذ سينما الطيب منحى واقعياً واضحاً، حتى أن قطب الواقعية الأكبر صلاح أبو سيف صرح مراراً «إن سينما الطيب هي ما يمكن أن أقول وأقر أنها امتداد حقيقي ومعاصر للسينما التي قدمتها، إن عاطف هو التلميذ الذي أعتز به وأحبه». ويجمع بين سينما أبو سيف وسينما الطيب تصويرهما حياة الأسر البسيطة والمتوسطة في مصر، وإذا كان الأول قدّم الطبقة الوسطى في مرحلة تماسكها وصعودها، فالثاني عبّر عنها في مرحلة تفتيتها ونكوصها، بفعل سياسة الانفتاح الاقتصادي وسيادة الرأسمالية الطفيلية ابتداءاً من عام 1974.جسّد الطيب هذه الرؤية ببراعة وبلاغة في عمله الثاني «سواق الأتوبيس» الذي كتبه بشير الديك وقدّم معالجته الرصينة اللماحة. يعبّر الفيلم عن محنة «حسن» (نور الشريف) وسط عواصف زمن الانفتاح، ومحاولاته الدائمة لإنقاذ ورشة والده (عماد حمدي) التي تمثل الإنتاج والعمل الدؤوب وقيم الرغبة في العطاء والمشاركة في التنمية، لكن هيهات في وقت حلّ فيه النهب و{الشفط» و{اخطف واجري» مكان الإنتاج والكد وتضافر الجهد!يستكمل الطيب مشروعه بـ{الحب فوق هضبة الهرم» المقتبس عن قصة لنجيب محفوظ و{ملف في الآداب» و{البريء» من تأليف وحيد حامد، وصولاً إلى «القوس» الذي أغلقت به الرحلة الخصبة، لينفتح بعدها الحديث عن عطاء وحيوية وصدق سينما الطيب حديثاً متجدداً متعدد الجوانب.في «ليلة ساخنة» تصوير آخر لمجتمع آخذ في التراجع و{سواق» آخر، لكنه سائق تاكسي والبطل أيضاً هو نور الشريف إلى جانب إعادة اكتشاف مدهشة للفنانة لبلبة، فطالما اعتمد الطيب على الممثل وفنه، وتمتع بمقدرة على استخلاص أعمق المواهب والإمكانات.وبقدر ما يتألق الشريف في أفلام الطيب «سواق الأتوبيس» و{قلب الليل» و{ناجي العلي» و{ليلة ساخنة»، يتألق أحمد زكي في «البريء» و{حب فوق هضبة الهرم» و{الهروب»، وتبرع نبيلة عبيد في «التخشيبة»، وهالة صدقي في «الهروب»، ومديحة كامل في «ملف في الآداب»، وسناء جميل في «البدرون»، وميرفت أمين في «سواق الأتوبيس». قدّم الطيب الممثل في أفضل حالاته وأنضجها، وتلك ميزة مشتركة أخرى بينه وبين أبو سيف أستاذه.تقوم السينما الواقعية على الإنسان الذي يجسّده الممثل، وعلى عنصر تصوير البيئة باتقان، والأمران كانا على دقة كبيرة في سينما الطيب. لكن هذا النوع من الأفلام لا يكتفي بتصوير الواقع فحسب، بل يبرز مشاكله لأجل الإصلاح وتطوير الإنسان، وهذا ما كانت تتوخاه سينما الطيب دائماً وتحققه بتفوّق.