«هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة» (الحلقة 12) المقاومة أفرغت الداخل اليوناني وفتحت الباب واسعاً أمام الدول الأجنبية وأجهزة استخباراتها
«الرجعية اليونانية»
وعلى أي حال، فمعاهدة فاركيزا، التي عقدت في عام 1944 بين الحزب الشيوعي وحكومة بابانداريو في المنفى وقضت بنزع سلاح الحزب والمضي قدما في تسوية سياسية بمساندة بريطانيا لاعبة الدور الأكبر في إبرامها، لم تأت بالسلام الموعود، بل فجرت الأحقاد والثارات، القديم منها والمستجد. ولئن استطاع المسلحون الشيوعيون أن يقضوا في خلال أيام على قوات "إديس"، فإنهم خسروا المعركة على أثينا التي انفجرت على أثر صدام عنيف بين متظاهرين شيوعيين وقوات الشرطة في 3 ديسمبر 1944. وتتعدد الروايات في شأن تلك المعركة أيضاً، فيؤكد الشيوعيون أن قوات الأمن تعرضت بشراسة لمظاهرتهم السلمية، مدفوعة إلى ذلك بإرادة بريطانية و"رجعية يونانية"، فيما يؤكد خصومهم أن الشيوعيين كانوا نقلوا قوات إلى العاصمة أرادوا من تلك التظاهرة أن تكون شرارة استيلائها على السلطة. وكائناً ما كان الأمر، استمرت المواجهة 37 يوماً شهدت من القسوة أبلغها، ولم يكن انقضى غير شهرين على تحرير اليونان من القوات الألمانية. وأخيراً، وبعد تلك الهزيمة، وافقت المقاومة الشيوعية على نزع السلاح في 12 فبراير 1945.ومرة أخرى رأى من تبقى من المقاتلين الشيوعيين أن الظروف مناسبة لاستئناف القتال ضد البريطانيين، فيما رفضت قيادتهم المدنية المضي في القتال بسبب تمسكها بالشرعية، معلنةً أن معاهدة فاركيزا لاتزال قادرة على تعبيد الطريق إلى التطور الديمقراطي لليونان.وفيلوكيوتيس كان، منذ البداية، قد عارض المعاهدة، لاسيما بندها المتعلق بنزع السلاح من طرف واحد لرفضه أن ينتهي الأمر "إذعاناً للإمبرياليين والرجعيين"، ودانه الحزب وندد به بوصفه مغامراً متهوراً ومرتكب جرائم ضد الديموقراطية وخطراً على الشيوعيين أنفسهم. وفي سياق التخلي هذا اندرج تسليم "إلاس" سلاحها وحلها وحداتها، وفيه أيضاً قُتل قائدها وبطلها الأسطوري فقُطع رأسه ثم عُرض، في طقس بدائي متوحش، في بلدة تريكالا. وهي ممارسة تكررت في الأشهر التالية بينما كانت الفرق اليمينية المتطرفة تعبث ثأراً وتقتيلاً بالشيوعيين.هكذا توسعت الجروح والأحقاد أكثر، وعاد الشيوعيون، وكان التعب والإرهاق قد استبدا بهم، إلى التمرد، وقد حفت بتمردهم شروط أسوأ بكثير تسليحاً وإعداداً وتنظيماً، وفي ظل تعاظم الخلاف بين ستالين وتيتو الذي كف عن مساعدتهم فكانوا، من بين شيوعيي العالم، أبرز من دفع أكلاف ذاك الخلاف. ذلك كله لم يحل دون ثلاث سنوات أخرى من العنف ما بين 1946 و1949. في موازاة ذلك أجريت، في 1946، انتخابات كان من الطبيعي أن يقاطعها الشيوعيون، فانحصر التنافس فيها بين المَلكيين وحلفائهم في اليمين القومي والفينزيلوسيين الذين انشقوا، بدورهم، جناحين. وبسبب ذاك الانشقاق تمكنت الأحزاب اليمينية من كسب الانتخابات واستعادة النظام الملكي."الإرهاب الأحمر" والملكية العائدةأما الانتفاضة الجديدة فتركزت في الأرياف، هي الأخرى، مخالفةً، أيضاً وأيضاً، الاستراتيجية الرسمية للحزب في تعويلها على الإرهاب المديني. هناك، وعلى رغم كل شيء، أحرز الشيوعيون انتصارات جدية بقيادة ماركوس فافياديس، معلنين حكومة مؤقتة لهم في الهضاب الشمالية، ومهددين المدن من بعيد، وأحياناً من قريب نسبياً. هكذا أبقى جيشهم، أو "الجيش الديموقراطي" على ما دُعي (وهو وريث "جيش التحرير الوطني الشعبي" - إلاس)، سكان المدن في حال من الحصار الخانق فاقمه وقوى أثره وجود شيوعيين داخل المدن.وكان الكولونيل اليميني جورج غريفاس، وعلى رأس عدد من الضباط اليونان، قد شكل "منظمة x" التي كانت فعاليتها في مقاومة الاحتلال أصغر من فعاليتها في مقاتلة "إلاس" والشيوعيين. ومع انتهاء الاحتلال تابع نشاطه هذا، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه في قبرص لمقاتلة البريطانيين. كذلك نشط في مقدونيا مناضل يميني ضد الشيوعيين اسمه سورلاس. وفي أمكنة عدة، ظهرت عناصر يمينية متشددة ومتفاوتة القوة والتعقيد، كان بعضها ممن تعاونوا سابقاً مع الألمان.لكن الشيوعيين، في المقابل، وبسبب القسوة البالغة التي أبدوها لدى محاولتهم الاستيلاء على أثينا أواخر 1944، فضلاً عن الميراث الدامي لمقاومتهم الأولى، قد خسروا معظم الرأي العام وانحسر كل تعاطف معهم في البيئة العريضة الرجراجة ما بين يمين ويسار. وإذ راح "الإرهاب الأحمر" يستجر "إرهاباً أبيض"، رأت أكثرية اليونانيين، بمن فيهم متعاطفون سابقون مع اليسار، أن الملك رمز الخلاص الوحيد. وفي المقابل لعب دوره النزاع الروسي- اليوغوسلافي الناشىء، والذي اضطر الشيوعيين اليونان إلى إدانة تيتو. بيد أن القوة العسكرية للشيوعيين والتي غدت أكثر فأكثر استبدادية، تراجعت من غير أن تنهار. فلم يمكن إلحاق الهزيمة بانتفاضتهم إلا بصعوبة قصوى وتدخل مُكلف للقوات البريطانية.وفي آخر المطاف تولت المقاومة، في سائر فصائلها، إفراغ الداخل اليوناني أمام أدوار الدول الأجنبية وأجهزة استخباراتها، من الاتحاد السوفييتي إلى بريطانيا ثم الولايات المتحدة، فيما تصدعت المؤسسات السياسية والحزبية جميعها تقريباً. وإذ تردت الأفكار عما كانت قد باشرت تتطور باتجاهه، كادت تضمحل الإجماعات، وهي قليلة أصلاً، بين اليونانيين، مع ما يعنيه ذلك من هلهلة نسيج وطني ليس معروفاً بالتماسك والقوة. وبسبب حرب المقاومات استعيدت المَلكية الرجعية، وهي واثقة وظافرة، فعندما ظهرت عليها إمارات الوهن، في 1967، حل الانقلاب العسكري المدعوم من الولايات المتحدة في إحدى ذرى الحرب الباردة. وبالاستفادة من ضعف المجتمع المدني والحركة الشعبية الديموقراطية، أمكن تجميد التطور السياسي اليوناني طوال سبع سنوات تالية.الجوار الشرقي الملتهبأما إلى الشرق من اليونان، فكانت يوغوسلافيا، منذ نشأتها، اختراعاً حديث العهد أقيم، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، على شيء من العجل. ولأن التقاليد التاريخية للجماعات، بما توقظه من ذاكرات فعلية أو مصنوعة، تعمل ضد الوحدات ككيانات جديدة طارئة على تلك الجماعات، بدا التنافس المحموم داخل الدولة الجديدة سمة العلاقة بين الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك، بينما ظل أهل الجبل الأسود، الأرثوذكس بدورهم، متمسكين بتمايزهم عن تينك القوميتين الأكبر والأوسع تشكلاً وشعوراً بالذات الجمعية. ومن جهتهم، ارتبط السلوفينيون تاريخياً بفيينا، لا بزغرب الكرواتية التي يشاركونها كاثوليكيتها وسويةً في التقدم لم تحرزها القوميات الأخرى، كي لا نقول ببلغراد الصربية الأرثوذكسية والأكثر فلاحية. أما المسلمون في سراييفو فانطووا على عالمهم العثماني العتيق وقدر من الغربة عن التكوين الجديد الذي أحالهم أقلية هامشية.وتراكمت، على ضوء واقع كهذا، تناقضات موروثة عدة. فالصرب، مثلاً، اعتبروا كوسوفو، التي تتعرض لهجرة مسلمة ألبانية متصاعدة، مدينتهم المقدسة بالمعنى الذي ينظر فيه اليهود إلى القدس، أو المسلمون إلى مكة. وهم عاشوا ويعيشون على ذاكرة مقاومة الأتراك المسلمين طوال قرون خمسة، ما أكسب صلتهم بها مضموناً متوتراً ومناهضاً للإسلام، جاعلاً كوسوفو، على مدى خمسة قرون، منطقة حربية وعادماً كل فرصة ازدهار أو تقدم. أما الجبل الأسود الذي أجبر على الانضمام إلى يوغوسلافيا في 1918، في ظل آخر ملوك مملكة الجبل الأسود المستقلة، الملك نيقولا، فاندلعت فيه حرب أهلية قصيرة، إلا أنها بالغة الشراسة، بين الذين يؤيدون الوحدة والاندماج في يوغوسلافيا والذين هم ضدهما. ذاك أن أكثر من نصف أهل الجبل الأسود يشعرون بقرابة خاصة مع الصرب، الذين يعدون أكثر من عشرة أضعافهم، مردها إلى المذهب الأرثوذكسي الواحد وإلى كون الجبل الأسود مصدر الصرب البعيد ومنبع الهوية الصربية، تبعاً لتلك الميثولوجيا القومية.وهذا التفتت إنما عبر عنه، كما حاول بطريقته أن يتفاداه، المشروع الوحدوي اليوغوسلافي لدى استعادته بقيادة شيوعية إثر الحرب العالمية الثانية. وقد دل ذلك إلى مدى حاجة البلد الذي استُرجعت وحدته السياسية إلى أسطورة المقاومة الجامعة والموحدة بدورها. والحاجة تلك هي ما عززها سعي الشيوعية اليوغوسلافية إلى توطيد دولتها وسلطتها اللاحقتين، سيما في ظل تصديها لستالين ونزعته إلى الهيمنة. وهو جميعاً ما ارتبط باسم الشيوعي الشاب، نصف الكرواتي نصف السلوفيني، جوزيف بروز، الذي عُرف في ما بعد باسم تيتو.السيرة اليوغوسلافيةوالحال أن الأسطورة لم تكن أسطورية كلياً. فالمقاومة وفرت حججاً معقولة عن أن اليوغوسلاف حرروا أرضهم من دون جيش روسي أحمر، على عكس بقية الأوروبيين الشرقيين، فكانت يوغوسلافيا البلد المحتل الوحيد الذي عرف ما يمكن اعتباره حرباً في مواجهة الألمان على امتداد الحرب العالمية الثانية. وفي الحالات كافة، فهي عُدت بين بلدان قليلة لم تخلف فيها نهاية الحرب العالمية جيشاً حليفاً يحتل أرضها. وأخيراً، غدت يوغوسلافيا التيتوية البلد الشيوعي الأوروبي الوحيد الذي يتحدى موسكو وتوسعيتها.ثم إن المقاومة اليوغوسلافية، منظوراً إليها نظرة إجمالية تشمل فصيليها الأساسيين، استندت إلى مرتكزات تنظيمية صلبة، كالجيش الوطني الذي التف حول الجنرال درازا ميهايلوفيتش ومنه انبثقت قوات "الشِتنكس"، المعروفة رسمياً بـ"الجيش اليوغوسلافي في أرض الآباء"، والحزب الشيوعي الذي شكل منه جوزيف بروز تيتو مقاومته التي عُرفت بـ"الأنصار"، وهي الكلمة التي تنوب عن "جيش التحرير الشعبي وفرق الأنصار في يوغوسلافيا". وهو ما أعطى تلك المقاومة معنى وفعالية افتقر إليهما معظم الحركات المماثلة في بلدان أخرى. وفي سيرة الشيوعية اليوغوسلافية مما لا سيرة للمقاومة من دونها، ترقى الأحداث إلى الثلاثينيات، حين كان الطلبة الشيوعيون مهمومين بمقاومة البوليس السري للديكتاتورية المَلكية، وكانت قياداتهم تضم تيتو الذي درس في مدارس موسكو الحزبية، وأستاذ المدرسة السلوفيني جوزيف كارديلج، والخياط الصربي إدوارد رانكوفيتش، وابن الجبل الأسود ميلوفان دجيلاس.ولم يكن الحزب، عشية الحرب العالمية الثانية، يضم أكثر من ألفي عضو على الأكثر، لكنه ما إن انتهت الحرب حتى استولى على السلطة بجيش تعداده 800 ألف عنصر، فيما بدت القوى اليمينية والمَلكية والقومية، الكثيرة والقوية، متناحرة ومتنافسة في ما بينها. وطبعاً لعبت الاستقلالية التي جسدها تيتو حيال الاتحاد السوفييتي، دوراً ملحوظاً في رفع صدقيته كقائد وطني بدل أن يكون مجرد قائد فصائلي للحزب و"الأنصار".بيد أن ذلك خالطه الكثير من التعرج والحركات الالتفافية. فتيتو عاش في موسكو إبان تطهيرات ستالين العظمى، ولئن لزم الصمت صوناً لحياته، فقد تعلم الدرس الذي يسعى المستبدون إلى تعليمه لمن يعاين استبدادهم. فلم يخلُ الأمر، بالتالي، من انتهازية اضطرارية تعدت الحفاظ على الحياة الشخصية إلى اللهاث النشط وراء موسكو في أمور استراتيجية ومبدئية بالغة الأهمية، بما فيها طبيعة الوطن وتركيب عناصره. هكذا، مثلاً، يستوقف نويل مالكولم في كتابه "البوسنة: تاريخ قصير"، ما يسميه "ضآلة الوضوح في المعلومات التي قدمها [تيتو]"، مع بداية الحرب العالمية الثانية، "عن البلد وما إذا كانت سيُرتب أم يُقسم". ولا يلبث أن يمضي شارحاً: "في تلك الفترة كان لايزال خادماً مطيعاً لستالين، وكان مستعداً أن يخلق ما تطلبه موسكو: أكان دولة مركزية قوية، أم اتحاداً يوغوسلافياً من جمهوريات اشتراكية فيدرالية، أو حتى فيدرالية بلقانية تشمل بلغاريا وألبانيا".تقديرات غامضةالحال أن الغموض والتعثر مما لازم المواقف الستالينية حيال المسألة القومية انتقل إلى الحزب الشيوعي اليوغوسلافي ذاته. فحتى أواسط الثلاثينيات، قامت سياسة الكومنترن على اعتبار يوغوسلافيا جزءاً من حائط الدول غير الصديقة التي نشأت في فرساي لتكون سداً ضد الاتحاد السوفييتي، وقد دعا الكومنترن إلى حل يوغوسلافيا في 1924، كما شُجع الشيوعيون اليوغسلاف على تحريك القوميات الناقمة في وجه بلغراد الصربية كوسيلة لخدمة ذاك الغرض. أما في 1935 فتغير الخط كلياً: ذاك أن الشيوعيين باتوا الآن مطالَبين من "الشقيق الأكبر" بالحفاظ على يوغوسلافيا والعمل بموجب روحية "الجبهة الشعبية" ضد "الفاشية الدولية". لكنْ يبدو أن انشغال ستالين باندلاع الحرب الثانية هو ما استثمره سريعاً تيتو، فلم ينتظر أوامر الكرملين، بل بادر إلى الانخراط في حرب التحرير تبعاً لأفكاره وعملاً بطرقه وتقديراته الذاتية التي طويلاً ما بقيت غامضة أو مكتومة. هكذا بدا، في وقت لاحق، ان الانتصار الفعلي الوحيد الذي أحرزته الشيوعية الأوروبية في الحرب إنما تم بغير رضا السياسة السوفييتية، إن لم يكن بعكس رضاها. وقد ظل من اللافت أن البريطانيين، حسب إحدى الروايات، اعترفوا بتيتو وأنصاره حين كانت روسيا لا تزال تؤيد عودة الملكية.لكن تلك الصفحات لا تطمس صفحات أخرى لا تقل أهمية عنها، ولو أنها حظيت بضوء وتركيز أقل. ذاك أن تيتو ودجيلاس ورفاقهما فهموا الحرب، أيضاً، ومنذ البداية، بوصفها فرصة لانهاء خصومهم المحليين، وكانت الخصومة الأساسية للشيوعيين مع ميهايلوفيتش و"الشِتنكس"، فضلاً، بطبيعة الحال، عن "الأوستاشي" (الانتفاضة) الفاشية في كرواتيا. وقد صرف "الأنصار" وقتاً وجهداً في تصفية الطرفين لا يقلان عما صرفاه في مكافحة الغزاة الألمان. فبين 1941 و1945 قضى 1.9 مليون يوغوسلافي أكثر من نصفهم فقدوا حياتهم في الحرب الأهلية الداخلية. وكانت الحرب ضد الخصوم الداخليين، كما ضد الغزاة، في غاية الوحشية.لقد تحول تعامل "الشِتنكس" مع الألمان، لقطع الطريق على "الأنصار"، ملفاً ضخماً ودسماً. إلا أنه لا يني يثير عدداً من المسائل الأعقد بما يلائم التعقيد اليوغوسلافي نفسه: ذاك أن "الشتنكس"، بقيادة ميهايلوفيتش، مثلوا عدداً من التوجهات التي أملت عليهم إبقاء مقاومتهم مضبوطة ومحدودة من أجل "الحد من الدمار" الذي "يقضي كلياً على يوغوسلافيا". وقد كمن وراء ذلك أنهم، هم الصربيون القوميون المتشددون، يملكون ارتياباً عميقاً حيال الشيوعية التي رأوا أنها تقاتل بالنيابة عن السوفييت، وأنها تبغي، من خلال اعتماد المقاومة استراتيجية وحيدة وقصوى، دفع الألمان إلى القضاء الكامل على صربيا ويوغوسلافيا القديمتين من أجل أن يقطفوا هم البلد وسلطته وقد انهارا تماماً. وكان ما يؤكد لهم مخاوفهم تلك أن الشيوعيين دمجوا بين مهمة التحرير من الغزاة الألمان ومهمة إنهاء المَلكية الصربية – اليوغوسلافية وعلى رأسها الملك بيتر (بطرس) الثاني الذي كن له ميهايلوفيتش كل الولاء. لكن الأخير، كسلطوي وعسكري رجعي الهوى، تملكه حذر يضاهي الحذر الأول من الديمقراطيات الغربية التي رأى أنها تخوض معركتها مع الألمان بدماء الصربيين واليوغوسلاف. هكذا انهارت علاقته بالبريطانيين في حدود 1943 – 1944 فاندفعوا إلى حصر الدعم الذي يقدمونه للمقاومة اليوغوسلافية بـ"الأنصار" وحدهم. وفوق هذا لم يكن ميهايلوفيتش أقل حذراً من الكروات والمسلمين وسائر العناصر المشكلة ليوغوسلافيا لظنه أن عداء هؤلاء للصرب أكبر من أي حساسية أخرى تتملكهم.الأسياد الجددفعلاً، جرت، بانتهاء الحرب، عمليات اجتثاث بالغة الثأرية لـ"الشتنكس" و"الأوستاشي" ممن هربوا شمالاً مع الجيش الألماني المنكفىء. هكذا قُتل كثيرون منهم شتاء 1945 على الحدود النمسوية-السلوفينية، بحيث أن الفلاحين في تلك المناطق ظلوا لسنوات يعثرون على جثث لهم هناك. وفي هذا استُخدم بعض أكثر الوسائل قسوةً وإجرامية ضد الخصوم المهزومين داخل المقاومة المناهضة للنازية، كما ضد أولئك الذين وقفوا خارجها أو ضدها. وفي هذا السياق أُعدم ميهايلوفيتش، الذي اختبأ في البوسنة، رمياً بالرصاص، بتهمة "الخيانة العظمى".وكانت أعمال كهذه أحد أسباب الغضب الذي تراكم وانفجر لاحقاً، لدى الكرواتيين والسلوفينيين، حيال دولة تيتو التي تجاهلت كل ما حصل حرصاً منها على وحدة البلد بقيادتها، وعلى طهارة أسطورة المقاومة المطلقة والمبدئية.لكنْ رغم الخلاف مع روسيا الستالينية وما أكسبته من قوة نسبية للنظام، فإن الشعور بنقص الشرعية وبضعف الوحدة الوطنية حملا تيتو في 1949 على ابتداء موجة التجميع الاجباري. وبعد رحيل ستالين في 1953، أبدى الزعيم اليوغوسلافي حماسته لتوطيد عبادة شخصية خاصة به، بوصفه قائد المقاومة وباني الأمة والمتصدي لحمايتها من تهديدات الخارج. وسريعاً ما تحولت العلاقة "الأخوية" بين قادة الحزب، والتي صنعتها الحرب أساساً، إلى بُنية مراتبية بالغة الصرامة يتربع في قمتها تيتو زعيماً مطلقاً. أما الـ15 ألف شيوعي يوغوسلافي الذين حافظوا في الخمسينيات على ولائهم لستالين، فجُرجروا مثل القطعان إلى معسكرات التجميع وتعرضوا لشتى أصناف التعذيب، على ما يروي دجيلاس نفسه في كتابه "سقوط الطبقة الجديدة: تاريخ التدمير الذاتي للشيوعية"، حيث أعاد نشر بعض أهم ما ورد في كتب سابقة له.لكن عبادة شخصية تيتو، التي تم اشتقاقها من أسوأ مظاهر الستالينية، ساعدت عكسياً في تعزيز صورة المقاومة إبان الحرب. هكذا تعاظم الطلب على تلك المقاومة والتعويل عليها بوصفها مصدراً لشرعية السلطة الشيوعية ولشرعية تيتو داخلها.إلا أن التحسن الاقتصادي اللاحق، قياساً ببقية بلدان أوروبا الشرقية، ساهم، هو نفسه، في تصديع الأساطير الموحدة بما في ذلك أسطورة المقاومة. ذاك أن التحسن النسبي ذاك اتصل أساساً بوجود أكثر من مليون عامل يوغوسلافي مهاجر في الغرب وبمليارات الدولارات من المساعدات الأميركية منذ قطيعة تيتو وستالين في 1948. وانفتاح كهذا على الخارج كان مثل الشمس التي بدأت تحرق شمع الرواية المحلية المغلقة على نفسها. فـ"الحرب والثورة – على ما كتب دجيلاس – كانا يوشكان على الانتهاء، لكن الأحقاد والانقسامات استمرت تجلب الموت والدمار في داخل البلد وفي خارجه على السواء... والثورات إنما تُبرر كأفعال حياة، أفعال عيش، بيد أن أمْثَلَتها غطاء لأنانية الأسياد الثوريين الجدد وحبهم للسلطة".استئصال الخصومابن الجبل الأسود الشيوعي ميلوفان دجيلاس، على ما يخبرنا هو لاحقاً، كان يضرب المساجين الألمان حتى الموت وينتزع حناجرهم مستخدماً، لهذا الغرض، سكين جيب، وكان هو ذاته من التقى، باسم الشيوعيين و"الأنصار"، بعض كبار الرسميين الألمان في سراييفو، وفي أمكنة أخرى من البوسنة، في مارس 1943، وقد أخبرهم أن العدو الرئيسي لـ"الأنصار" هم "الشِتنكس" لا الجيش الألماني. وقد اقترح دجيلاس هدنة على الألمان، بل عرض مقاتلة البريطانيين إذا ما حط طيرانهم المنطلق من البحر الأدرياتيكي فوق مناطق يسيطرون عليها. ويبدو أن القادة الألمان اهتموا بالعرض الشيوعي اليوغوسلافي، الذي ينم عن ضآلة الحجم الذي تحتله الاعتبارات الإيديولوجية، بل الاعتبارات الوطنية أيضاً، قياساً بحجم الرغبة في استئصال خصوم محليين. والأشد بؤساً من ذلك أن هتلر كان هو من أحبط ذاك العرض، فلم ينجم التفاوض إلا عن تبادل محدود للأسرى.وهناك أكثر من دليل على هذا التوجه المحكوم بتلك الأولوية: ففي بدايات الحرب والمقاومة سيطرت "الشتنكس" على معظم صربيا والجبل الأسود، وهو ما حكم استراتيجية تيتو بوصفها استراتيجية يكمن عمودها الفقري في التخلص من "الشتنكس". ومع أن جيش "الأنصار" الشيوعيين ضم آلافاً من المقاتلين الشجعان، بقي أن معظم القتال الواسع النطاق تقريباً بينه وبين قوات المحور إنما حصل بمبادرة من قادة المحور الذين كانوا هم الذين يقررون، تبعاً لاعتباراتهم، متى ينبغي إجلاء هذه الفرقة من "الأنصار" أو تلك عن مناطق محددة.كذلك لم يؤثر تحرير تيتو للمناطق الريفية البعيدة على الجهد الحربي الألماني بأي معنى حيوي: فالألمان والإيطاليون مضوا في فرض سيطرتهم على المدن الكبرى والطرق وسكك الحديد الرئيسة والمناجم. أما السبب الذي حمل الألمان على إجلاء "الأنصار" عن شمال غرب البوسنة، مطالع 1943، فلم يتعلق بقوات تيتو ومقاومتها بقدر ما اتصل بالخوف الألماني من إنزالٍ قد ينفذه الحلفاء في الساحل الدلماسي المجاور، وهو السبب نفسه، أي السيطرة على الداخل المجاور، ما جعل الألمان يشنون آنذاك هجومهم على الهرسك والجبل الأسود.