الديكتاتور... جملة سياسيّة ناقصة
من الوهلة الأولى يبدو {الديكتاتور} فيلماً لا يخلو من جرأة ومجازفة، بل إنه دخل فعلاً في {جدل رقابي} صعب، أسفر في النهاية عن حذف ثلاثة مشاهد!{الديكتاتور} للمخرج الشاب إيهاب لمعي، كتب قصته وقام ببطولته خالد سرحان، وكتب السيناريو والحوار ميشيل نبيل وعلاء إيهاب، وأدى أدواراً رئيسة فيه حسن حسني ومايا نصري وعزت أبو عوف وضياء المرغني.
الفيلم سياسي الموضوع، لكن من خلال معالجة ذات طابع كوميدي فانتازي، إذ يدور في جمهورية متخيلة اسمها {جمهورية بامبوزيا}، ورئيس الجمهورية (حسن حسني) يرتدي الزي العسكري، وهو مسنّ، لكنه يبدو غير معترف بذلك، إذ يصبغ شعره ويصف رجلاً في السبعين {بأنه لا يزال صغيراً}، وفي بداية الفيلم نراه أنجب ولدين (توأم)، ويقترح عليه أحد رجاله المقربين {حنفي} (عزت أبو عوف) أن يطلق على الأول {من العزة: عزيز وعلى الثاني {من الحكمة: حكيم}، فيسخر الأب ويرفض بحدة قائلاً: لا بل أرى أن يسمى الأول {حكيم} والثاني {عزيز}!ويكبر الولدان (يؤدي كليهما خالد سرحان)، ويرتدي حكيم الزي العسكري، ويستعدان، بل يستعجلان، كي يرثا الأب، خصوصاً {حكيم}.حينما يحزن الأب بسبب تحطم كوب عليه صورته يسخر حكيم ويتمتم حرصاً على ألا يسمعه الأب: وهل ترك شيئاً في البلد لم يضع عليه صورته!وفيما ينصب اهتمام {حكيم} وتركيزه على متى يتولى الحكم ويرث الأب، تستغرق {عزيز} أوقات اللهو مع النساء ومختلف صور الملذات والشهوات التي لا يكف عن طلبها. وهو في زيارته إلى إحدى المدارس يصادف مدرسة التاريخ {بسمة} (مايا نصري) التي ينجذب إليها، لكنه يجادلها حينما تصف هتلر وموسوليني بالديكتاتوريين والفاشيين ويقول لها {بل هما أحسن الزعماء}!ثم تقع المفاجأة بحدوث انقلاب عسكري، ويُقبض على الرئيس وحكيم ونراهما في الملابس الحمراء استعداداً لتنفيذ حكم الإعدام، ثم نراهما وقد تمكنا من الهرب، إلى جانب محاولات عزيز المستمرة من البداية هارباً من مكان إلى آخر، ثم تسفر الملابسات والأحداث عن وقوع انقلاب جديد، انقلاب مضاد، يعيد الرئيس القديم وحكيم وعزيز إلى حكم البلاد بالحديد والنار، بل إننا نرى النار فعلاً تشتعل وترتفع ألسنة اللهب بقوة وتسارع، في قلب البلاد، في آخر مشاهد الفيلم.يتوقف الفيلم في مشهد النهاية عند لقطة النار المضرمة المتصاعدة وهي لقطة {من بعيد}، إلى حد يدعو إلى التأمل، والتفكير فيها وهل هي نتيجة منطقية ونبوءة، أو أن الأحوال سائرة لا محالة إلى وضع حار عنيف ذي طابع استثنائي.ونحن لا نرى إبهاراً في {الديكتاتور} أو إنجازاً لافتاً على مستويات الحرفة والتقنية أو الجماليات، لكن يحسب للفيلم في الوقت ذاته أنه لم يلجأ إلى الحذلقة والافتعال، وبدا بسيطاً أحياناً أكثر من اللازم أي إلى حد {التبسيط} والتعجل. والأهم أنه بدا مفتقداً للدرجة المناسبة من {الإشباع الدرامي}، وبالتالي من اكتمال رؤيته السياسية أو جملته السياسية.فهل حذف الرقابة ثلاثة مشاهد تسبب أو على الأقل ساهم في هذا النقص والخلل؟ أم أن سبب النقص في الفيلم أبعد من ذلك؟ الممثلون الثلاثة الرئيسون (حسن حسني، خالد سرحان، مايا نصري) كانوا مناسبين لأدوارهم، مقنعين فيها، وعلى رغم النواقص في الفيلم إلا أنه يمثل اجتهاداً سينمائياً جاداً لمخرجة إيهاب لمعي، ولعله أهم عمل قدمه الأخير إلى الآن، ويوحي بأنه خطوة قد تعقبها خطوات للمخرج أكثر نضجاً وأقل تعثراً.