مصادر الطاقة المستقبليّة لبيتر هوفمن... في أسباب الحروب والصراعات
صدر حديثاً عن «دار الفارابي» و{مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم» كتاب «مصادر الطاقة المستقبلية: الهيدروجين وخلايا الوقود والتوقعات لكوكب أنظف» للكاتب والصحافي بيتر هوفمن (ترجمة: ماجد كنج).في افتتاحيته للكتاب يرى السيناتور توم هاركين أن هذا الكتاب هو ذروة نتاج بيتر هوفمان خلال العقود الثلاثة الماضية من تدوين تطور طاقة الهيدروجين من مرحلة بدايتها في السوق حتى بلوغها موقعاً أصبحت فيه على عتبة التجارة الواسعة، واصفاً الطرائق المتعددة التي يمكن بها إنتاج الهيدروجين وتخزينه واستخدامه، ومقدماً تحاليل عميقة للحواجز التقنية والاقتصادية المتبقية لانتشار الهيدروجين على نطاق واسع.
أما في مقدمته للكتاب فيرى المترجم د. ماجد كنج أن استعمال النفط الطاقوي شكل سبباً لحروب وصراعات كثيرة، وأدى إلى تغيرات هائلة في البنية الاجتماعية الاقتصادية، وأسس بالتالي للثورة العلمية والتكنولوجية. فخلال القرنين الماضيين استهلكت البشرية كمية من الطاقة تعادل إجمالي كميات الطاقة المستعملة على مر التاريخ السابق. فالحضارة الحديثة تلتصق بشكل حميم بالنفط لتسيير آلاتها الجبارة وتطوير صناعاتها وزراعتها. لكن تراكم الانبعاثات، وتعتبر مجازياً نفايات احتراق مشتقات النفط، يؤثر على البيئة سلباً ويهدد بتغيرات مناخية خطيرة، خصوصاً لجهة احترار الكوكب الأرضي بفعل تأثير الدفيئة الناتج، لا سيما عن تراكم ثاني أوكسيد الكربون.يتابع كنج أنه وعلى مشارف القرن الحادي والعشرين تجد البشرية نفسها أمام أزمات سياسية واقتصادية وبيئية ومخاطر أمنية وحروب مدمرة، لا تقل خطورة عن أي تغيرات جيولوجية كارثية. فمزيد من استهلاك النفط سيؤدي من جهة أولى إلى تسارع التهديدات على البيئة وعلى الحياة ذاتها بفعل التلوث، ومن جهة ثانية إلى تسارع نضوب هذا المصدر الثمين ما يؤدي إلى زيادة احتدام الصراعات وخسارة هذا الخزين من مادة مفيدة في المجالات الصناعية والزراعية والتي لا تعوض ولا تحلّ مكانها أي مواد أخرى ضرورية لبقاء الجنس البشري في هذه الحقبة من تطوره النوعي والكمي.واليوم يرى نشطاء بيئيون كثيرون وعلماء في مجال الطاقة أن أمام البشرية فقط بضعة عقود قبل وقوع الكارثة لإجراء التحول الضروري والجسيم من حضارة اقتصاد الوقود الأحفوري إلى حضارة اقتصاد الهيدروجين، ويتطلب ذلك إقصاء استعمال الوقود الأحفوري بجميع مشتقاته واستبداله بمصادر الطاقة البديلة المستدامة مع استعمال الهيدروجين كناقل للطاقة. وتستدعي هذه العملية تحولات كبيرة في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، يساعد في ذلك الدخول في عصر المعلوماتية والإنترنت. فبحسب هؤلاء العلماء، بزغ عصر شبكة الهيدروجين وعلينا انتظار التحولات العميقة لدى الجنس البشري على الصعد كافة.الشمس والرياحيلفت هوفمن إلى أنه علينا أن نتذكر أن الشمس والريح ومصادر الطاقة المتجددة كافة هي متقطعة وموزعة على مناطق معينة، وقد تصبح مصدراً أساسياً للكهرباء إذا وجدنا الطريقة لتخزين طاقتها ونقلها بفاعلية. أما الهيدروجين فقد يجعل تصور التجديد واقعياً عن طريق تخزين الطاقة المتجددة لتكون متاحة متى وحيثما تدعو الحاجة. فالهيدروجين هو الجزء الأبسط، إنه غير سام ويمكن صنعه من الماء الصرف باستعمال الكهرباء من المصادر المتجددة. وإذا استعمل في خلايا الوقود فهو يولد الكهرباء ويطلق بخار الماء لا غير. أما كفاءة السيارات التي تعمل على الهيدروجين فتصبح مضاعفة مرتين أو ثلاث مرات عن تلك التي تعمل بواسطة محرك البنزين. كذلك يمكن لخلايا الوقود أن تصنع بالأحجام كافة لتلبية أي شيء بدءاً من الأجهزة المحمولة في الجيب إلى منشآت توليد الكهرباء الكبرى. فهي مثالية لبنية تحتية خاصة بالطاقة مبعثرة ومنيعة. يفيد هوفمان أن الهيدروجين يستعمل في صناعات كثيرة كمادة كيمياوية أولية، خصوصاً في انتاج الأسمدة والدهانات والأدوية والبلاستيكيات. ويستعمل أيضاً في معالجة الزيوت والدهون وكوقود للتلحيم وصنع البنزين من الفحم ولإنتاج الميتانول. إنه كسائل فائق البرودة، مخلوط مع الأوكسيجين السائل، يستعمل وقوداً للمركبات الفضائية وسائر الصواريخ. ويمكن إنتاج الهيدروجين تجارياً بواسطة 12 طريقة تقريباً، ويمكن تخزينه كغاز تحت الضغط العالي، إضافة إلى أنه لا يلوث كوقود.يضيف هوفمان أن الهيدروجين ليس «مصدراً» للطاقة كما يعتقد حتى الدقيقين والعارفين من الناس. فهو ليس طاقة أولية (كالنفط الخام والغاز الطبيعي) موجودة حرة في الطبيعة. إنه حامل للطاقة، وهو شكل من الطاقة يتطلب أن يُنتج (مثل الكهرباء التي لا توجد بشكلها الحر القابل للاستعمال من الآخرين). وبما أنه يمكن توليد الهيدروجين من مصادر أولية عدة، فإن ذلك يقلل فرص قيام كارتيل احتكاري للهيدروجين مشابه للأوبك.جهودالهيدروجين مصنوع (أي مستخرج) من الوقود الاحفوري. لكن الجهود لتنقية هذا الوقود (نزع الكربون) ستزداد. فنزع الكربون يعني تطويع التقنيات المستخدمة طويلاً في الكيمياء والبترول والغاز الطبيعي لالتقاط الكربون أو غاز الكربون وتخزينه لتجنب أذاه وتحرير الهيدروجين. سينتج الهيدروجين مستقبلاً من المياه النظيفة وطاقة الشمس. وبما أنه يمكن إنتاجه من المصادر المتجددة وغير المتجددة، فيمكن إذاً مزاوجة الطريقين بما يناسب أفضل هيكلية للطاقة في إقليم محدد أو ولاية أو منطقة أو اقتصاد ما. يمكن مثلاً تحويل الفحم إلى غاز في غرب الولايات المتحدة، والتحليل الكهربائي اعتماداً على الطاقة الشمسية في الوسط الشرقي والجنوب. يتابع هوفمان أنه يمكن للهيدروجين في حالته الغازية نقل الطاقة إلى مسافات بعيدة في خطوط الأنابيب بتكلفة رخيصة رخص خطوط الكهرباء ليسير سيارة أو غيرها من الآلات ويصل في نهايته إلى المستهلك لينتج الكهرباء والماء. وكوقود كيمياوي قد يستعمل الهيدروجين على نطاق أوسع من الكهرباء في استعمال الطاقة، (مثلاً من الصعب تخيل طائرة تجارية كبيرة تعمل بمحركات كهربائية أياً يكن النموذج الممكن إنجازه). علاوة على ذلك يضاعف الهيدروجين خدماته كمادة كيماوية أولية في مروحة من الاستعمالات. يتساءل المؤلف عن سبب عدم ولوج الهيدروجين داخل نظامنا الطاقوي منذ سنوات أو حتى عقود مضت ما دامت الإفادة منه كبيرة إلى هذا الحد؟ ويجيب المؤلف نفسه عن تساؤله بأنه لا إجابة واحدة وبسيطة عن هذا السؤال، فثمة حزمة من العناصر المعقدة المتداخلة. مثلاً، لم يكن ثمة حاجة لاستعمال الهيدروجين طالما كان النفط والغاز مؤمناً بكميات كبيرة، وطالما كانت الاهتمامات البيئية محصورة بأقلية ضئيلة. فميزة الهيدروجين الأساسية على الوقود التقليدي أنه عديم الانبعاثات المؤذية للبيئة. وهذا بذاته لم يكن يستأهل التحول على مستوى المجتمع إلى بدائل من أي نوع. فالوقود الأحفوري كان رخيصاً والهيدروجين أغلى بمرات عدة. أما تقنياً فإن تطور انتاج الهيدروجين ومعالجته وتخزينه بلغ درجة معقدة وصعبة تتخطى قدرات المستهلك العادي، ولا يزال الوضع على حاله. ومع ذلك فإن بعض المشجعين يقول إنه لا بد من تحضير الهيدروجين على شكل سائل كسائل الميتانول لاستعماله بأمان، وعلى رغم أن هذه التكنولوجيا غير مكتملة بعد لكنها تتطور. وربما يكون نظامنا القيمي هو العائق الأكبر أمام التغيير إلى الأفضل فمن أجل ذلك علينا دفع الثمن، وسلامة البيئة ليست، بأي شكل من الأشكال، في مرتبة عالية ضمن لائحة الأولويات. ولخص المشكلة خبير أميركي على دراية بأبحاث الطاقة البديلة، قائلاً إن الهيدروجين لم ينطلق لأن المجتمع لا يولي الاستدامة إلى الآن ما تستحقه من قيمة.يشدد هوفمان على أن الهيدروجين لا يحتوي البتة على الكربون، وحرقه وتحويله إلى طاقة لا ينفث ثاني أوكسيد الكربون ولا غازات الدفيئة. إضافة إلى أن استعماله كوقود سيؤدي إلى تقليص انبعاث ثاني أكسيد الكربون في الجو، وفي النهاية إلغاء مساهمة الإنسان على الأقل في ذلك الانبعاث. فالتحول إلى طاقة الهيدروجين، حتى ولو كان الهيدروجين المستخرج من الوقود الأحفوري كتدبير لوقف التدهور، قد يساعد في إنقاذ صحة أطفالنا وحياتهم.