حبّذا لو كان منكرو الاحتباس الحراري على حق

نشر في 08-12-2009 | 00:00
آخر تحديث 08-12-2009 | 00:00
No Image Caption
تخيل أنك على وشك الصعود إلى طائرة مع أسرتك، ثم اقترب منك مجموعة ضخمة من خبراء ميكانيكيين مؤهلين ليشرحوا أنهم متأكدون من تحطم الطائرة في حال استقللتها، ثم تأتي مجموعة من أطباء بيطريين وصحافيين وسباكين ليخبروك بأن الطائرة آمنة... هل كنت ستصعد على متن تلك الطائرة؟ هذا هو خيار كوبنهاغن!

هل أنتم مستعدون للمراهنة على قابلية السكن على كوكب الأرض؟

كل يوم، أتمنى من صميم قلبي أن يكون منكرو ظاهرة الاحتباس الحراري على حق، كنت أحب العالم القديم، حين كنا نطير إلى الشواطئ في أي وقت نريده، ونشيّد المباني عالياً في السماء، ونحرق أي مصدر طاقة نصادفه في طريقنا. أكره العالم المرتقب الذي رأيته أثناء إعداد التقارير في مختلف القارات: انهيار الجروف الجليدية في القطب الشمالي، وابتلاع البحر لبعض البلدان، وشنّ حروب وحشية على خلفية الماء والأراضي المتبقية. حين أقرأ دراسات العلماء الذين ينكرون الاحتباس الحراري مثل نايجل لاوسون أو إيان بلايمر، يتملكني شيء من الهدوء. يختفي الكابوس فجأةً، لا داعي لأن يتغير شيء، يمكن أن يبقى العالم على حاله.

لكن سرعان ما أعود إلى أرض الواقع، ومهما تمنيّتُ اختلاف الوضع، تبقى الوقائع على حالها، ثابتة بكل قساوتها، فلا أحد ينكر أن غازات الدفيئة تسخِّن الغلاف الجوي كما يحصل عند تعرض بطانية لأشعة الشمس، ولا أحد ينكر تزايد نسبة غازات الدفيئة المنبعثة في الجو، ولا أحد ينكر تزايد حرارة الطقس في العالم بشكل ملحوظ خلال القرن الماضي. (إذا كنتَ لا توافق على أيٍّ من هذه الحقائق، فلا شك في أنك سترسب في امتحان الجغرافيا في شهادة الثانوية العامة).

مع ذلك، يفضل نصف المواطنين في بلادنا تصديق منكري هذه الوقائع الذين يؤكدون حتمية وجود ثغرات كبيرة بما يكفي في هذه التصاريح لاختلاق عذر يبرر الخطط المعتمدة، ولكن لا نفع من مجادلتهم.

لابد أن تعبر ردة فعلنا الأولية عن تقبل فكرة أن الإنكار هو ظاهرة طبيعية جداً، فتُعتبر وقائع الاحتباس الحراري غريبة جداً وهي تخالف غرائزنا المتطورة، فإذا أحرقتَ غازاً لا رائحة ولا لون له في أوروبا، فهل سيؤدي ذلك إلى ذوبان القطب الشمالي وغرق بنغلاديش وجفاف المنطقة الغربية الوسطى في الولايات المتحدة؟ وإذا عشنا حياة طبيعية وقمنا بجميع الأمور التي تربينا عليها، فهل يمكن أن تصبح مساحات شاسعة من كوكب الأرض غير صالحة للسكن؟ وإذا كان التشكيك بهذه الأمور أول ما يخطر على بالك، فأنت كائن بشري طبيعي.

من المغري أن نسمح لردة الفعل الأولية هذه بالترسّخ لتصبح عقيدة ثابتة، وأن نستعملها لإعماء بصائرنا، وتصرف صناعات النفط والغاز المليارات لتشجيعنا على التمسّك بالوضع الراهن لأن أرباحها ستنهار بلا شك عند التحول إلى مجتمع قليل الكربون. لكن القواعد العلمية الأساسية في هذا المجال ليست معقدة جداً ولا صعبة الفهم، ومع تزايد نسبة ثاني أكسيد الكربون التي تُضَخّ في الغلاف الجوي، تزداد حرارة العالم. منذ عام 1917، ازدادت الحرارة سنوياً مقارنةً بعام 1917. ومنذ عام 1956، ازدادت الحرارة سنوياً مقارنةً بعام 1956، ومنذ عام 1992، ازدادت الحرارة سنوياً مقارنةً بعام 1992... وهكذا دواليك. في حال تزايدت نسبة ثاني أكسيد الكربون أكثر من ذلك- وهو ما يحصل فعلياً- سترتفع حرارة الأرض على نحو خطير. نتيجةً لذلك، ستجفّ أجزاء عدّة من العالم أو ستجتاحها الفيضانات أو النيران.

إنها نظرية مزعجة جداً، حاولتُ بنفسي استيعابها على أمل إيجاد أي دليل يثبت أنها خاطئة، وبرز أحد أكثر الأدلة إثارة للاهتمام في الأسابيع الأخيرة، حين تعرضت الرسائل الإلكترونية الخاصة بمركز هادلي في جامعة إيست آنغليا للاختراق واكتُشف تحليل أولي يُظهر أنّ بعض علماء المركز قدموا معلومات مضلِّلة حول أبحاثهم بالقول إن المشكلة أسوأ بقليل مما هي عليه فعلياً، لكن عمد البعض إلى تبني هذه الأبحاث واعتبارها الضربة القاضية، فأصبحت هذه الأبحاث وكأنها «أوراق البنتاغون» السرية الخاصة بالاحتباس الحراري.

لكن سرعان ما راجعتُ الوقائع المتوافرة، فمنذ أكثر من قرن، اكتُشف أن حرق الوقود الأحفوري يؤدي إلى إطلاق غازات تعمل على تسخين الجوّ، ما يزيد حرارة الطقس في العالم. منذ ذلك الحين، توصل مئات آلاف العلماء بأنفسهم إلى استنتاج أن أمراً مماثلاً سيؤدي إلى عواقب وخيمة. سيكون من المفاجئ ألا نجد بين هؤلاء العلماء دجالاً أو اثنين عمدا إلى نشر أبحاثهما إلى العلن. نجد هذا النوع من الأشخاص في كل مجال من المجالات العلمية (وهم أشخاص كريهون فعلاً).

لنتحقق إذن من الأدلة المتوافرة في مركز هادلي... في ما يلي جزء بسيط من أبرز المنظمات العلمية التي تحققت بشكل مستقل من الأدلة التي تشير إلى أن الاحتباس الحراري الذي صنعه الإنسان هو ظاهرة حقيقية وخطيرة: «معهد غودارد» للدراسات الفضائية التابع لـ»ناسا»، والإدارة الوطنية الأميركية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ التابعة للأمم المتحدة، وأكاديمية العلوم الفرنسية، وأكاديمية العلوم الوطنية الهندية، وأكاديمية العلوم الوطنية الأميركية، والأكاديمية الألمانية للعلوم «ليوبولدينا»، ومنظمة المجتمع الملكي في بريطانيا، وأكاديمية العلوم البرازيلية، وأكاديمية العلوم الصينية، وأكاديمية العلوم الروسية، ووكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة... يمكنني كتابة مقال كامل بأسماء هذه المنظمات.

لم يعتمد هؤلاء العلماء طريقة واحدة لدراسة الأدلة، فقد عمدوا إلى استعمال البيانات الفضائية، وقياس مستوى البحر، وتحليل باطن الأرض، وذوبان الجليد في البحار، وذوبان الجليد الدائم، وذوبان الأنهر الجليدية، وتحليل ظواهر الجفاف، وغيرها من الدراسات الكثيرة. أشارت جميع هذه الأدلة التي وجدها جميع هؤلاء العلماء الذين استعملوا تلك الطرق كلها إلى الأمر نفسه. بعبارة الصحافي المحافظ هوغو ريفكايند، لم يعد «مركز هادلي» يكذّب علم المناخ بقدر ما لم يعد السفاح البريطاني الشهير الدكتور هارولد شيبمان، الذي ارتكب 218 جريمة قتل وتوفي عام 2004، بوسعه إنكار جرائمه أثناء عمله كممارس عام وطبيب عائلات.

نشرت دراسة خاصة بمجلة «ساينس» العلمية 928 عينة عشوائية عن وثائق علمية راجعها علماء آخرون واستعملت عبارة «التغيّر المناخي». وجدت هذه الدراسة أن جميع الوثائق بلا استثناء أجمعت على أن هذه الظاهرة ناجمة عن نشاطات الإنسان. لا مجال للجدل في هذا الموضوع بين علماء المناخ. لكن توجد قلة من العلماء الذين لا يوافقون على ذلك مع أنهم لا يجرون أي أبحاث في مجال المناخ، لكن اللجوء إليهم للتعرف على ظاهرة الاحتباس الحراري يشبه استشارة طبيب الأقدام لمعالجة الأذنين.

يبدو أن جزءاً من الحيرة التي يشعر بها الرأي العام ينجم عن عدم قدرته على فهم أن أمرين يحصلان في آن واحد؛ لطالما شهد المناخ تغيرات طبيعية- وهو سيشهد تغيرات مماثلة دائماً. يُعتبر الانتقال من الحرّ إلى البرد جزءاً من طبيعة كوكب الأرض، لكن فوق ذلك كله، يضيف البشر كمّاً هائلاً من الحرارة، ما يؤدي إلى اضطراب إيقاع الطبيعة. بالتالي، حين يقول الناس في استطلاعات الرأي إن الاحتباس الحراري ظاهرة «طبيعية»، فهم على حق، لكن هذا الرأي هو جزء بسيط من الحقيقة.

ما إن نستوعب هذا الأمر، سيسهل علينا رؤية ما وراء الادعاء القائل إن الاحتباس الحراري توقف عام 1998، وإن العالم بدأ يشهد تراجعاً في الحرارة منذ ذلك الحين. عام 1998، اجتمع عاملان في آن: كانت ظاهرة «النينو» الطبيعية (ارتفاع درجة حرارة المياه في شرق المحيط الهادي بصورة غير طبيعية) في ذروتها، وتزامنت مع ارتفاع انبعاثات الغاز بفعل الإنسان، فسجّلت تلك السنة أعلى مستويات الحرارة على الإطلاق. ثم هدأت ظاهرة «لنينو»، لكن انبعاثات الكربون استمرت في التصاعد، لذلك، بقيت حرارة العالم أكثر ارتفاعاً من السابق بكثير. لقد شهدنا، خلال العقد الماضي، ثمانية أعوام من أصل عشرة كانت الأكثر حراً في التاريخ، لكن من دون تسجيل أعلى مستويات الحرارة نفسها. لابد من التشديد مجدداً على أن متابعة ضخ الغازات التي تسخِّن الجو ستؤدي إلى زيادة حرارة الطقس أكثر بعد.

لهذا السبب، لن أستعمل كلمة «مشكّكين» لوصف الأشخاص الذين ينكرون وجود رابط بين إطلاق الغازات الساخنة وارتفاع حرارة كوكب الأرض. أنا بنفسي شخص مشكّك، فقد راجعت الأدلة بنظرة نقدية على أمل ملاحظة بعض الشوائب، حتى أن الأغلبية الساحقة من العلماء هم من المشككين أيضاً: تقضي طبيعة المساعي العلمية بمراجعة الأدلة والتدقيق بها ومراجعتها مجدداً بحثاً عن خطأ ما في النظرية المطروحة أو الأدلة المتوافرة. يؤدي أي تحليل تشكيكي صحيح إلى استنتاج أن ظاهرة الاحتباس الحراري التي صنعها الإنسان حقيقية، أما إنكار ذلك، فهو أمر مختلف: حالة الإنكار هي ألا يتمكن أي دليل، مهما كان دامغاً، من إقناعك، إنه موقف يرتكز على قابلية التصديق.

لمجرد مناقشة الأمر، سنتنازل قليلاً لمصلحة المنكرين حتى لو بدا الأمر غريباً وغير مبرر، لنتخيل وجود احتمال بنسبة 50% بأن يكون جميع علماء المناخ في العالم مخطئين، فهل يستحق هذا الاحتمال أخذ المجازفة؟ وهل أنت مستعد للمراهنة مناصفةً على قابلية السكن على كوكب الأرض؟ وهل مقاربة الحصول على الطاقة من الريح والأمواج والشمس فكرة سيئة إلى درجة لا تستحق المحاولة حتى في ظل هذه الاحتمالات التفاؤلية على نحو جنوني؟

تخيل أنك على وشك الصعود إلى طائرة مع أسرتك، ثم تقترب منك، على مدرج المطار، مجموعة ضخمة من الخبراء الميكانيكيين المؤهلين العاملين في شركة الخطوط الجوية ويشرحون لك أنهم كانوا يفحصون محرك الطائرة طوال سنوات عدة، وأنهم متأكدون من تحطم الطائرة في حال استقللتها، كذلك، يعمد هؤلاء الخبراء إلى الكشف أمامك عن توقعاتهم السابقة بشأن حوادث تحطم الطائرات التي ثبتت صحتها بنسبة مخيفة، ثم تأتي مجموعة من الأطباء البيطريين والصحافيين والسباكين ليخبروك بأنهم راجعوا الرسوم البيانية واتضح لهم أن الطائرة آمنة، وأن جميع الخبراء الميكانيكيين، من دون أي استثناء، يخدعونك، فهل كنت ستصعد على متن تلك الطائرة؟ هذا هو خيارنا في كوبنهاغن.

back to top