الكتاب: بين الأمس واليوم والغد لروبرت دارنتون... طوفان الرقمنة

نشر في 30-07-2010 | 00:00
آخر تحديث 30-07-2010 | 00:00
صدر أخيراً عن {الدار العربية للعلوم- ناشرون} وعن {مركز البابطين للترجمة} كتاب {الكتاب: بين الأمس واليوم والغد}، للأستاذ الجامعي ومدير مكتبة هارفرد روبرت دارنتون.

يعتبر دارنتون أن اختراع الكتابة شكّل فتحاً في تاريخ الإنسانية في ميادين العلم والثقافة والاجتماع، وعبر الكتاب المطبوع انتشرت المعلومات والأفكار بطريقة أسرع وأكثر فاعلية من أي وقت مضى، والتي كان لها أحياناً تأثير على مجريات التاريخ نفسه. واليوم يُنشر أكثر من مليون كتاب سنوياً. ولكن هل سيدوم عصر الكتاب أم هو إلى أفول؟ وفي هذه الحال، هل سنحضّر مراسيم دفنه لنحتفل بنشوء مستقبل رقمي جديد، أم لنندب خسارة لن تعوّض؟

سبّب العصر الرقمي انقلاباً في بيئة الملعومات التي نعرفها. وقد فاقت أعداد الكتب التي مُسحت إلكترونياً ورُقمنت الأعداد التي كانت في مكتبة الإسكندرية العظيمة، ما أتاح ملايين النصوص للقارئ المتعطّش عبر نقرة إصبع صغيرة، لترتفع معدلات مبيع الكتاب الإلكتروني بمختلف أشكاله وأصنافه، فهل ستتيح ثورة المعلومات هذه مزيداً من انتشار الكلمة الشفاف والمنظّم؟ أم أنها ستؤسّس لاحتكار رقمي لها؟ هذه بعض الأسئلة التي يحاول دارنتون الإضاءة عليها والإجابة عنها في كتابه هذا.

يؤكد دارنتون أن كتابه هذا هو كتاب عن الكتب، واعتذار من الكلمة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وهو كذلك إثبات لموقع الكتاب في البيئة الرقمية التي تحولت اليوم إلى واقع حاسم في حياة الملايين من البشر. وعلى رغم استهجانه أساليب التواصل الإلكترونية، يودّ المؤلف استكشاف إمكان تراصفها إلى جانب القوة التي أطلقها يوهان غيتنبرغ قبل أكثر من خمسة قرون. وما هي الأرضية المشتركة التي تجمع بين الكتاب التقليدي والكتاب الإلكتروني؟ وما هي المزايا المشتركة التي تجمع بين المكتبات والإنترنت؟ وبحسب الكاتب، فإن هذه الأسئلة قد تبدو جوفاء وتجريدية، ولكنها تتخذ شكلاً صلباً عبر القرارات التي يتخذها الفاعلون في صناعة التواصل والاتصال يومياً من مسؤولي المواقع ومهندسي الكومبيوتر، والمموّلين والمحامين والناشرين ومسؤولي المكتبات، إضافة إلى كمّ كبير من القراء العاديين.

غوغل

يفيد المؤلّف بأن محرّك البحث {غوغل} دأب خلال السنوات الأربع الأخيرة على رقمنة ملايين الكتب، بما فيها إصدارات تحميها حقوق النشر، وذلك من مجموعات مكتبات أبحاث رئيسة، لتوفر نصوصها للبحث على شبكة الويب. هذا المشروع الذي عُرف تحت اسم {باحث كتب غوغل} أطلق قضية قانونية تقدّمت بها مجموعة من المؤلفين والناشرين الذين ادعوا بأن غوغل خرقت حقوق نشر كتبهم. وبعد مفاوضات مطوّلة، اتفقت مجموعة المبدعين على تسوية مع غوغل، والتي قد يكون لها تأثير عميق على عالم الكتاب في المستقبل المنظور. وكنتيجة غير مقصودة، ستتمتّع غوغل بما لا يمكن وصفه سوى بالاحتكار، احتكار من نوع جديد، ليس لسكة الحديد أو الفولاذ ولكن للوصول إلى المعلومات، وليس لغوغل أي منافسين جديّين في هذا المجال، فقد أوقفت مايكروسوف برنامجها الأساسي لرقمنة الكتب قبل أشهر عدة، أما المؤسسات الأخرى فهي صغيرة جداً وغير فاعلة مقارنة بغوغل. كذلك، تملك غوغل وحدها المال الكافي للرقمنة على مستوى ضخم وكونها وصلت إلى تسوية مع المؤلفين والناشرين، وأصبح بإمكانها استثمار قوتها المالية من داخل حاجز قانوني يحميها، إذ إن الدعوى الجماعية تشمل جميع المؤلفين والناشرين. وليس ثمة من مستثمر قادر على رقمنة الكتب من داخل هذه المنطقة المحرمة، حتى ولو تأمنت له القدرة المالية، لأنه سيضطر إلى خوض معارك حقوق النشر مجدداً. وإذا حافظت المحكمة على التسوية ستكون غوغل الوحيدة المحمية من المساءلة بخصوص حقوق النشر.

التقليدي والإلكتروني

يعتقد دارنتون بأن الكتاب يتمتع بقوة استمرارية، فمنذ اختراعه في وقت مماثل تقريباً لولادة السيد المسيح، أثبت أنه أداة رائعة وعظيمة لحفظ المعلومات، مناسب لتقليب صفحاته، مريح لحضنه، رائع للحفظ، ولافت في صموده ضد التلف، فهو لا يحتاج إلى ترقية أو تحميل، الى وصول أو استنهاض، إلى توصيل كهربائي أو تنزيل من الويب. حتى أن سهولة مناولته حوّلته إلى أداة أساسية للتعليم لآلاف السنين، حتى عندما كان القارئ بحاجة إلى بسط لفافته للقراءة في العصور الغابرة قبل أن ينشئ الاسكندر الأكبر مكتبة الاسكندرية في سنة 332 قبل الميلاد.

يضيف دارنتون أن مكتبة نيويورك العامة تنشر معلومات هائلة إلكترونياً للقراء حول العالم، إلى درجة أنها أحصت عشرة ملايين دخول إلى نظامها المعلوماتي شهرياً من العام 1999 مقابل 50000 كتاب استُعيرت من غرفة القراءة في شارع 42. وإذا حمل لنا المستقبل صحفاً من دون أخبار ومجلات من دون صفحات، ومكتبات من دون جدران، فماذا سيحصل للكتاب التقليدي؟ وهل سيمحيه النشر الإلكتروني من الوجود؟

يتابع المؤلف بأننا سمعنا تكراراً توقعات باندثار الكتاب التقليدي منذ تصميم الكتاب الإلكتروني الأول في العام 1945. فمنذ ذلك التاريخ أُعلن موت الكتاب التقليدي مراراً، إلى درجة أننا لم نعد نقلق من فراغ رفوف المكتبات يوماً. واليوم، وبعد أن أصبح معظم الأميركيين يستخدمون الكومبيوتر، أمسوا ينتجون ويستهلكون ورقاً مطبوعاً أكثر من أي وقت آخر. وحتى بيل غيتس، رئيس مايكروسوفت، اعترف أخيراً في محاضرة له بأنه يفضّل الأوراق المطبوعة أكثر من شاشة الكومبيوتر للقراءة الطويلة: {لا زالت القراءة على الشاشة أدنى مستوى كثيراً من القراءة عن الورق. حتى أنا الذي أملك هذه الشاشة الثمينة وأتصور نفسي كرائد في دنيا الويب، عندما يأتي الوقت لقراءة أكثر من أربع أو خمس صفحات، فإني أطبعها لأنني أحب أن أمسكها وأتجول بها وأعلق على مضمونها كتابةً. ولا شك في أن ثمة تقنية كبيرة للوصول إلى هذا المستوى}.

بناءً على هذه المعطيات، يتساءل المؤلف عن سبب الإعجاب الكبير في النشر الإلكتروني، فيرى أن هذا الإعجاب قد تكوّن عبر ثلاث مراحل، مرحلة أولية من الحماس المثالي الحالم، ثم فترة مخيبة للأمل، ثم ميول جديدة نحو استشراف عملي. ففي البداية، اعتقد كثر بإنشاء فضاء إلكتروني ووضع كل شيء فيه، ثم دعوة القراء إلى تدبّر أمورهم. غير أنهم تعلموا بألا أحد مستعد لقراءة كتاب على شاشة الكومبيوتر أو البحث بين أكوام من الأوراق المطبوعة. والآن نواجه إمكان إلحاق الكتاب التقليدي بالمنشورات الإلكترونية المصمّمة خصيصاً لأهداف وجمهور مهدّدين.

متاحف

يرى دارنتون أننا اليوم نشهد انقراض وسائل نعرفها، فالآلة الكاتبة انتقلت إلى المتاحف، والرسالة المكتوبة يدوياً، البعيدة عن إدراك الأجيال الشابة أصحاب الخطوط التي لا تقرأ، والصحيفة اليومية التي اختفت من مدن أميركية عدة، ومخزن الكتب المحلي الذي حلت محله مراكز تجارية تتكون من منظومات لبيع الكتب تهددها مواقع إنترنت مثل {أمازون} الذي يؤمن الكتب إلى عناوين طالبيها مباشرة. أما المكتبة فتبدو وكأنها أكثر المؤسسات المهجورة، على رغم أن ماضيها حافظ على الكثير لمستقبلها، ذلك أن المكتبات لم تكن يوماً مستودعات للكتب، فهي كانت دائماً وستبقى مراكز للمعرفة يكرسها مركزها الوسيط في عالم المعرفة ساحة توفيقية مثالية بين وسيلتي التواصل الطباعية والرقمية، إذ يمكن للكتاب استيعاب الوسيلتين. وإذا كان مطبوعاً من الورق أو مخزناً في {سيرفر} فهو يضم معرفة، ويستمد قوته ومركزه من سلطة أهم وأكبر من التكنولوجيا التي كوّنته. وهو يدين ببعض قوته لمؤلّفيه على رغم أنه استحق الاحترام طويلاً قبل نشوء جماعات المؤلفين في القرن الثامن عشر. ويتابع المؤلف بأن المؤلفين يكتبون النصوص، ولكن الكتب يصنعها الاختصاصيون، وهؤلاء يمارسون أعمالاً تمتد أبعد من صناعة منتج ما وتوزيعه. والناشرون هم حراس يضبطون تدفّق المعرفة. فمن التشكيلة الواسعة من العناوين المعروضة يختارون ما يعتقدونه قابلاً للانتشار أو يجب أن ينشر، بناء على خبرتهم العملية وقناعاتهم الشخصية. وتقرر حكمة الناشرين المعززة بخبراتهم الطويلة في سوق الأفكار ما يجب أن يصل إلى القراء، وعلى القراء الاعتماد عليهم أكثر من أي وقت مضى في عصر تسوده تخمة في المعلومات. وعبر اختيار النصوص وتحريرها وتصميمها لتصبح مناسبة للقراءة، فإن الاختصاصيين يقدمون خدمات ستبقى، مهما تغيرت التقنيات.

back to top