محمد توفيق في أخشاب تتهيّأ للملكوت... محاولة لتفصيل الحياة عبر الشجر

نشر في 10-08-2009 | 00:00
آخر تحديث 10-08-2009 | 00:00
No Image Caption
القصائد القصيرة التي شكّل منها الشاعر محمد عبد الحميد توفيق ديوانه الأخيرالمعنون بـ «سيرة أخشاب تتهيأ للملكوت»، اعتمدت في مجملها وبشكل أساسي على الاختزال التعبيري واللقطة السينمائية والمعنى المركز الذي يبلغ ذروته في الشطر الأخير أو ما يُعرف ببيت القصيد أو ضربة الختام. مع استثناءات معدودة لقصائد متوسطة الطول.

الشعر عند توفيق، ومنذ ديوانه الأول «هندسة الأوجاع» الصادر قبل تسع سنوات تقريباً، سعي دائم إلى الالتحام بنسغ الحياة الأم، وترويض الشرايين باللغة، وتهدئة ما لا يهدأ من غليان الطبيعة وفورانات الواقع المأساوي. إنه شعر بلبلة وتفجر ومواءمة وتباريح، على حد السكين، بين جنوح الذات إلى فطرتها ورغبتها المفرطة في مقاومة الفوضى ووضعها في سياق هندسي وجمالي.

وفي هذه المجموعة الأخيرة الصادرة حديثاً عن «دار التلاقي» في القاهرة، تذهب شعرية توفيق إلى مكان مختلف ومفارق، في «سيرة الأخشاب»، إذ تحاول أن تقدّم «قراءة»، إذا جاز التعبير، لأنواع مختلفة من الشجر وأخشابها، وهي لا تذهب طبعاً إلى قراءتها بشكل يمت بصلة إلى علم النبات، بل يتحوّل نوع الشجرة، إلى حجة لقراءة الذات في تفاصيلها الدقيقة، فتنساب منها الذكريات والحنين والتأمل... كأن الشجرة هنا تعيدنا إلى ذلك الحيّز التوراتي، بمعنى إذا كنّا في «سفر التكوين» نقرأ عن شجرتين هما «شجرة الحياة» و{شجرة المعرفة» (بين الخير والشر)، فإننا نقرأ هنا، عبر «سِيَر» الأشجار، سيرة الكائن في تفاصيله المتعددة.

إنها تجربة مفارقة، لأن الشعر العربي أو بالأحرى الثقافة العربية، لم تفسح مجالاً، على حد علمنا، لكتابة تدخل من باب القول هذا، وإن كنا عرفناها في ثقافات أخرى، لعل أبرز مثال على ذلك قراءة الشعر الصيني القديم، حين ألصق بهاتين الشجرتين التوراتيتين بعض «الجذور الكلامية»، ليفرق ما بين الخالق والمرأة وإبليس. من هنا، تبدو هذه التجربة الجديدة عند توفيق، كأنها محاولة لتفصيل الحياة، عبر الشجر:

طيبة جداً

تحملت شقاوتي صغيراً

وضحكت لمرحي حول جذعها

وأطعمتني ثماراً لذيذة

وسط الحصص

وجادت بروحها لتدفئني

في وحشة الشتاء

وابتهجت حينما أسندت

كراستي على وجهها

لأخط حروفي الأولى

طيبة جداً

ناحت علي

كثيرا

وهي تحملني إلى قبري

وتأتي كتابة توفيق مخففة من المخزون الثقافي بالمعنى المباشر. القارئ لا تتعبه القراءة، ولا تفسير القصيدة. بدلاً من ذلك، سيكون مشغولاً بالاندهاش حيال أسلوبية التأليف الشعري، الذي لا شك يعكس باعاً طويلاً للشاعر في الكتابة والقراءة. لكن أكثر من ذلك هو أيضاً مرآة لمفهوم شعري متطور، فالحياة التي تعكسها القصيدة في ديوان «سيرة أخشاب تتهيأ للملكوت» هي حياة تخص، نوعاً ما، الشاعر، وتتألف تحت سماء جغرافيا عايشها وتساكن فيها مع أمه وأخوانه وأخواته قبل أن تطوّح به الغربة بعيداً عنهم. حياة تتطور ويكون لها أبعادها الفلسفية، حيث تتشكل المستويات الجمالية عند الشاعر من خلال إعادة كتابة تلك الحياة، بتأطيرها شعراً؛ بمنح ميراثها الوجودي وهجاً يتصادى الفرح فيه مع لوعة الفقد وشراسة الأحزان:

أرجعني محمود إلى ضعفي الأول

أختك ماتت يا ابن أبي

فهجت روحي

تبحث عن بدء الخلق

صرختُ:

ياا أنصاف

هل معك العشبة؟!

أين تركت الأخشاب

كيف احتمل الموت رهافة قلبك

وأوقف قلبا يرتجف على من حضر

ويحن على من غاب ...

تصل ذروة الأسى عند توفيق حين يسالم أمه / السنطة، ويواسيها في الفقد الذي نال من كليهما حين غاب الأحباب:

السلام عليك

يا أماه

الآن أيقنت أنك سنطة

فأغصانك لم تنحن

رغم ثمانين عاماً من العذابات

وحمل الأحباب إلى قبورهم

ومعاركة قبيلة تعادي الله

وتقتل الأنبياء

قد تكون تجربة توفيق التعبير الأمثل عن تفاعل اللغة مع محيطها الجغرافي، وعن اجتراحها الخاص لما يقيم التوازن بين الأرضي والمجازي وبين الواقعي والمتخيل. اللغة هنا هي أرض ثانية وطبيعة أخرى في ذلك الأرخبيل الشرس من الضراوة وتمزقات الروح في الغربة ومفارقة الخلان:

إذا باعدت المسافات بيني وبينكم

فرتلوا قصيدتي على باب بيتي

يعود إلى سيرته الأولى

تفاحة عامرة بالزقزقة

وغنوا مع صرير أناشيدي

التي أكلتها الصحراء

لا مجال في هذه الحال إلى الانسحاب أو التأتأة، أو التراخي حين يكون كل شيء مدفوعاً الى أقصاه، بدءاً من تضاريس البعد عن الوطن الموغلة في وحشيتها وانخسافها، وانتهاءً بالجسد الإنساني المدفوع الى ذروة ترنحه واحتدامه... وفي وضع كهذا تكف الطبيعة مع توفيق عن أن تكون موضوعاً للتغني أو الوصف والإنشاء وتصبح ظهيراً للجسد الأعزل في مـعركته مع الغربة وما قد يلازمها من عسف وجور، ومسنّاً بالغ النتــوء لشــحذ الــقصيدة بــما يلزمها من عــناصر المجابهة والمضاء والتجييش العاطفي قصد الصمود والمشي بالحياة ومعها إلى النهايات المثلى:

أنا سيد الشجريين ولا فخر

أنا أول نافخ في سيقان الكافور والغاب والموز والورد البلدي

واللارنج والمانجو والصفصاف والعنب والعناب

والبرتقال والليمون والفيكس والأثل والسدر والسنط

والجوافة والخوخ والتين والزيتون والدوم والرمان

والكمثرى والنعناع والشاي والينسون والكمون

والريحان والكراوية والباذنجان والجميز والتوت

والسيسبان وكل ذوات الأفنان

فتنشق جذوع الأشجار عن ملائكة

وربانيين

وشعراء

وغارسين للمحبة

وصادقين برتبة أنبياء

وعشاق

ومعذبين في الأرض

ومحترقين صفوا

ونازفين براءتهم في بلاد الكفيل

ومعمدين في مياه النيل

والمصلين صلاة الحزن لوقتها

وبكائين إذا رأوا قمراً حزيناً

وخادمين للأغصان

وسماويين نالوا صك المحبة من خازن الغابات...

الإنسان، إذاً، هو منظومة حواس لدى توفيق. لا الحواس بمعناها الفيزيولوجي فحسب بل بمعنى التصادي مع الموجودات كلها والإصغاء الى نبض العناصر. إنه الصوت والحنجرة والصدى في آن. إنه الزهرة والأريج والأنف في آن آخر. وهو أيضاً الضوء والعين واللون. وكل حاسة عند توفيق هي عين مفتوحة على ما تؤلفه الالتفاتة الى الخلف من ذكريات أو على ما يؤلفه الهواء المجرد من كريات الفرح العابر أو الحزن المقيم. وإذا كانت هذه العجالة لا تتسع بأية حال للإحاطة بتجربة الشاعر أو الاحتفاء المناسب بديوانه الأخير فإنها تتوسل تحية هذا الشاعر المفعم بالصدق والثراء والتسامح والحيوية المدهشة، وهو القائل:

روحي شجرة طالعة

آتت أكلها

وتسامحت

حتى مع الذين قذفوها بالحجارة 

back to top