تحقيق كفالة اليتيم... تفتح أبواب الرزق وتمنع الجريمة في المجتمع
تعتبر كفالة اليتيم من الأمور الإسلامية التي حث عليها الشرع الحنيف، وجعلها من الأدوية التي تعالج أمراض النفس البشرية، وبها يتضح المجتمع في صورته الأخوية التي ارتضاها له الإسلام، وبها يمنع انتشار الجرائم في المجتمع وتسود الرحمة والمودة، ولا تعني الكفالة حسب – علماء الإسلام - الجانب المادي فحسب، بل تمتد إلى القيام بشؤون اليتيم من التربية والتعليم والتوجيه والنصح، والقيام بما يحتاج إليه من حاجات تتعلق بحياته الشخصية من المأكل والمشرب والملبس والعلاج.وعن كفالة اليتيم وأهميتها في منع الجرائم في المجتمع، يقول الشيخ محمود عاشور (وكيل الأزهر الأسبق):
كفالة اليتيم من أساسيات الدين والإيمان والعقيدة الإسلامية، ومن واجبات المسلمين تجاه أبناء الوطن، وورد الحديث عنها في أكثر من آية قرآنية. يقول الله عز وجل في سورة الماعون «أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ». (الماعون: 1، 2). وفي هذا تأكيد على أن رعاية اليتيم ركن رئيسي في الدين وأصوله.ويضيف عاشور: «في قوله سبحانه وتعالى «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ». (الضحى: 9، 10، 11)، إنما يؤكد على جموع المسلمين أنه يجب وضع اليتيم في عيونهم وحبات قلوبهم وأن يجد الرعاية والكفالة في كل ما يتعلق بشؤون حياته، لافتاً إلى الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي، صلى الله عليه وسلم: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ. وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَلِيلًا». فكافل اليتيم حسب هذا الحديث الشريف في أعلى درجات الجنة وفي صحبته وأيضاً حين يقول الرسول الكريم: «خيرُ بيتٍ في المسلمين بيتٌ فيه يتيم يُحسَن إليه وشرُّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه» فهذا يؤكد أن البيت الذي يرعى اليتيم ويقوم بشؤون حياته أفضل بيوت المسلمين وتنزل عليه الملائكة.ويؤكد عاشور أن كفالة اليتيم تحمي المجتمع من آثار سلبية عدة تنتشر حين إهمال الأيتام وعدم رعايتهم كتجارة المخدرات والسرقات والعلاقات الشاذة وغيرها من الجرائم. من جانبه، يؤكد د. عبدالمعطى بيومي (عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر) أن كفالة اليتيم هي صمام أمان للمجتمع، لأن اليتيم المهمَل سينقم على المجتمع ويصبح قنبلة موقوتة داخله.وأكد بيومي أن الكفالة تمتد إلى غير المسلم، فهي بالتالي تنطبق على اليتيم من أهل الكتاب وقال: «القرآن الكريم عبّر عن اليتيم بصفة مطلقة غير محددة، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعطون من زكاة المسلمين الضعفاء والعجزة من أهل الكتاب، وقد أَبْصَرَ عُمَرُ بنُ الخطابِ شَيْخا كَبِيرا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَسْأَلُ ، فَقَالَ لَهُ مَا لَك ؟ قَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَإِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَنْصَفْنَاك، أَكَلْنَا شَبِيبَتَك ثُمَّ نَأْخُذُ مِنْك الْجِزْيَةَ، ثُمَّ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَلّا يَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ. وأيضاً كان سيدنا عمر هو أول من أقر نظام التأمين الصحي والاجتماعي في المجتمع الإسلامي».ويضيف: «النصوص القرآنية لم تقتصر على أن يتكفل شخص بكفالة يتيم واحد، بل قد يشارك عدة أشخاص في كفالة يتيم واحد والمطلوب فيها هو الكفالة فقط».من جانبه، قال الشيخ فرحات المنجي (المشرف العام السابق على مدينة البعوث الإسلامية والمستشار السابق لشيخ الأزهر): اليتيم من اليتم وهو الشيء النادر المتفرد، كما نقول هذه جوهرة يتيمة أي ليس لها مثيل، فكفالة اليتيم أوردها الله سبحانه وتعالى في عدة سور قرآنية، قال جل علاه في سورة الضُّحى: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى». (الضحى: 6) وقال: «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ». (الضحى: 9) وهذا تعبير قرآني يدل على أن من يؤذي اليتيم فسوف يجزيه الله جزاءً سيئاً عن هذا الفعل.وأضاف المنجي: «الله سبحانه وتعالى جعل كفالة اليتيم سبباً للرزق، ومن لم يكفله حين ميسرته فإن ذلك سبب في فقره كما ورد في سورة الفجر: «فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)». فكان عدم إكرام اليتيم – والكلام للمنجي – سبباً في تضييق الرزق، مؤكداً أن هناك أمراً محظوراً في الكفالة وهو التبني بأن يأخذ الكافل اليتيم ويجعله على اسمه، لأنه بذلك يعطيه حقاً ليس له، وينازع الورثة الشرعيين في حقوقهم ويُنسَب إلى غير أبيه، والله سبحانه وتعالى يقول: «ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ». وهناك أمر آخر وهو أن يرعى الرجل يتيماً في داره، فإذا كان ذكراً فستكون زوجة الرجل غير محرمة عليه لأنه لا توجد رابطة بينهما، وإذا كانت فتاة فسيتكشف الرجل الكافل عليها، وإذا كان لدى الرجل أبناءٌ ذكورٌ فسيكون الأمر خطيراً، وبالجملة فإن كفالة اليتيم أمر محمود ومشروع حث عليه الإسلام وأورده الله سبحانه وتعالى في العديد من النصوص القرآنية، كذلك ورد ذكره في الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة.