إعادة اكتشاف فيلم مصري عظيم

نشر في 02-11-2009 | 00:00
آخر تحديث 02-11-2009 | 00:00
أبرز ما شهدته حياتنا الثقافية، لا سيما السينمائية، في عام 2009 ما قد نطلق عليه «إعادة اكتشاف» فيلم بالغ الأهمية، قادر على منح متعة فنية راقية متجددة. إنه الفيلم المصري التسجيلي الطويل «ينابيع الشمس»، من إنتاج قطاع الدولة السينمائي في عام 1969، وإخراج السينمائي الكندي جون فيني، وتصويره حسن التلمساني أحد أقدر المصورين في تاريخ السينما في مصر والعالم.

عُرض الفيلم أخيراً في افتتاح مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، ثم عرضته إحدى الفضائيات المصرية بعد طباعة نسخة جديدة منه، وعرضه المهرجان وسط احتفالية كبرى بمنجزات المصور الراحل التلمساني، فقد عرض المهرجان أفلاماً من تصويره وأخرى من إخراجه، وبدت الذروة وكان التتويج بـ «تحفته» هو وجون فيني «ينابيع الشمس».

من يشاهد الفيلم الطويل «ينابيع الشمس» (تقترب مدة عرضه من ساعة ونصف الساعة)، يدرك أن صانعه يفهم عميقاً قيمة تاريخ هذا الوطن وجفرافيته، وقيمة البشر والنهر والعلاقة الخاصة بينهما على مر العصور، وأن قلبه ينبض بحب هذا المكان والنهر والإنسان فيه، سواء المخرج مع أنه غير مصري أو المصور الفذ.

يمزج الفيلم بصورة ساحرة، من بدايته إلى نهايته، بين الأسطورة والحقيقة، بين المعلومة الدقيقة والروح الملحمية، بين التاريخ الزاخر والحاضر النابض. إذ يجوب عبر مشاهده، من مصر الأهرامات وأبي الهول إلى مصر بناء سد أسوان العالي وإنقاذ معابد أبي سمبل، مروراً بعصر صلاح الدين وغيره مما يذكره الشريط الصوتي والتعليق الذي يتخلله والمصاغ على نحو دقيق أخاذ، ويؤديه بعض عمالقة الأداء (سميحة أيوب، سعد أردش، حسن البارودي، محمد السبع، محمود ياسين...).

يبدأ الفيلم بوقفة وكلمات تشي بأننا بصدد تعقب: أي «ينابيع» هي، وأين تكون، التي أتت بهذا الخير العميم، المتمثل في الشريان الفريد النيل العظيم؟ ويفاجئنا بطرافة الأسئلة: أهي ينابيع الشمس، أم ينابيع القمر تلك التي أتتنا بالنيل؟ ثم يجوب، على نحو فني ساحر، بين الحياة في مصر الفرعونية بلوغاً إلى الحياة المعاصرة وبناء السد، وفي الذروة، درامياً، رحلة إلى أقاصي نهر النيل في قلب أفريقيا وأول منابعه، وهنا نتأمل حياة كاملة نابضة، على ضفاف النهر العظيم في كل مكان بتدفقه وفيضاناته، وحيث النيل الأبيض والنيل الأزرق والخرطوم فالقاهرة حتى المصب الأخير في البحر الأبيض... النيل حياة كاملة، يعطيها للإنسان على ضفافه: مقدرة وروح إنسانية وثابة، إنها رحلة التبادل الخلاق بين النهر والبشر.

يبدع الثنائي الفذ (فيني - التلمساني) مشروعهم السينمائي، عبر مشاهد تميزت كل لقطة فيها بأنها أقرب إلى لوحات ملحمية أو أسطورية، تتعانق فيها وتنبض بالحياة والجمال الفني البارع الألوان والضوء والتكوين وزوايا التصوير إلى جانب الشريط الصوتي، بتعليقه الجامع بين الصياغة الأدبية بالغة الرقي، والمعلومات والأرقام بالغة الدقة.

نرجو الكشف عن مزيد من هذه الكنوز التي يذخر بها تاريخنا السينمائي، وتكاد لا تعلم الأجيال الجديدة عنها شيئاً، خصوصاً في مجال السينما التسجيلية. فثمة روائع أخرى لمخرجي هذه السينما المقتدرين، أمثال: سعد نديم، صلاح التهامي، فؤاد التهامي، هاشم النحاس، أحمد راشد، خيري بشارة، داود عبد السيد، محمد كامل القليوبي، مدكور ثابت... وغيرهم. وليكن هذا الكشف عن الكنوز، جنباً إلى جنب مع استنهاض الهمة في ميدان السينما التسجيلية، وبعث الروح فيها لتتخطى التعثر، وتنجز روائع جديدة كما أنجزت في الماضي.

«ينابيع الشمس» وثيقة تاريخية وثقافية وجغرافية، ومثال نموذجي لصورة الفيلم التسجيلي المدهش والممتع فنياً طوال الوقت...

إنه خطاب سينمائي شعري فكري، موجّه إلى روح المشاهد وقلبه وعقله بالأمس واليوم وغداً.

back to top