اللطف... تجربة مفيدة!
ما هي الطريقة الفاعلة لتحسين معنى الوجود؟ يجيب الخبراء عن هذا السؤال قائلين إنّ الطريقة المثلى تقضي بالتصرّف بلطف أكبر. الأمر صحيح! إثباتاً على ذلك، سنعرض في ما يلي منافع السلوك اللطيف.تتعدّد جوانب اللطف وتتراوح بين السذاجة والخبث، حتى أنها قد تصل إلى مرحلة العُصاب المرضي. لكنّ تجنّب السلوك اللطيف قد يمنعنا من التعبير عن جوانب شخصيتنا والتواصل مع الآخرين.
يدعو أطباء النفس إلى استيعاب مفهوم اللطف قبل اعتماده كنمط حياة. بالنسبة إليهم، من المؤسف أن نظنّ أنّ الاعتناء بالآخر يعني التقصير بحق الذات. قد تؤدي طريقة التفكير هذه إلى نشوء نهج متعارض يتراوح بين السلبية والإيجابية، فنفكّر بأننا لا نقوم بما يكفي لمساعدة الآخرين أو أننا لا نقوم بشيء لتجنّب التحوّل إلى ضحية. يتمثّل اللطف الحقيقي بالأعمال التي تغذّي الروح وتعيد التوازن إلى الحياة، وعادةً ما تكون في اتجاهين: تجاه الآخر وتجاه الذات.يرى الفلاسفة أنّ طبيعة القلب البشري تتجسّد بطيبة قصوى قد تتعرض للحظات ضعف. يؤكد تطور المجال العلمي ذلك. اليوم، يشدّد الاختصاصيون في مجال التطوّر الإنساني على أنّ التعاون والتضامن يدخلان في صلب هويتنا لأنهما الميزتان اللتان ساهمتا في استمرار الحياة البشرية. في الواقع، لا يعني مفهوم شريعة الغاب صراعاً متوحشاً بين الأجناس. بالتالي، ليس الإنسان وحشاً يتربّص لأخيه الإنسان، على عكس ما يظنّه الناس اليوم بسبب تزايد الضغط النفسي في حياتهم والعلاقات المتشنّجة التي يعيشونها.مثل جميع الكائنات الأخرى، يتمتع الإنسان عموماً بحسّ التعاطف مع الآخر. يشرح الفلاسفة أنّ بكاء أي مولود جديد يثير بكاء الأطفال الآخرين الموجودين معه في الحضانة نفسها. لا يعود ذلك إلى أنّ الضجة تزعجهم – إذ أنهم لا يكترثون إلى أصوات مزعجة أخرى- لكنهم ينفعلون ويطلقون الصرخة نفسها. في سن الرشد، قد ننسى أحياناً أن نتشارك البكاء مع الآخرين. يشكّل استرجاع الشعور بالطيبة الطبيعية تمريناً يمنحنا طعم الانتصار.يرفع المعنوياتقد يتحسّن مزاجك من خلال القيام بأمور بسيطة: التفوّه بكلمات تشجيع للأطفال على طاولة الفطور، مساعدة امرأة مسنّة في اجتياز الطريق، مشاركة الطعام مع أحد زملاء العمل... حاول بعض علماء النفس قياس المنافع التي نحصل عليها من تصرّفات مماثلة، فقسّموا مجموعة من الطلاب إلى قسمين: خلال بضعة أسابيع، طُلب من بعضهم تطبيق أفعال تنمّ عن لطف كبير، وطُلب من البعض الآخر الامتناع عن فعل مبادرات مماثلة. جاءت نتائج الدراسة واضحة: خلال الاختبار، تحسّن مزاج أعضاء {المجموعة اللطيفة} وشعروا براحة أكبر مقارنةً مع المجموعة الأخرى. باختصار، تساهم أبسط المبادرات اللطيفة في حياتنا اليومية في تحسين الحالة النفسية وتعزيز احترام الذات.ظاهرة مُعدية يوصي علماء النفس بإجراء تجربة بسيطة جداً: إلقاء التحية على الجيران وسكّان الحي والعمّال في الأماكن التي نقصدها حتى لو كنا لا نعرفهم. سنلاحظ ردة فعل جميلة وفورية من الأشخاص الذين نكلّمهم. في الواقع، اللطف ظاهرة مُعدية، وكأنّ {لفحة} من الجوّ الإيجابي تحيط بالأشخاص اللطفاء. إذا كان الكرم عملية تبادل، لماذا يشعر البعض إذاً بالألم أو الخسارة إذا تصرّف بكرم؟ يتذمّر البعض من طيبته الزائدة إلى درجة أنّ الآخرين يستغّلون لطفه لأنه يعتني بغيره أكثر من اللزوم ومن دون الحصول على أي شيء في المقابل. حين ينسى أحد الأفراد نفسه لإرضاء الآخر، فهو يخرج من إطار اللطف والطيبة ويصبح مجحفاً في حق نفسه. حتى هذه الظاهرة السلبية قد تكون مُعدية، لأنها قد تدفع الآخرين إلى التصرف بالمثل. يجب أن تحتلّ الحاجات الشخصية الأولوية وينبغي الحرص على التعبير عنها قبل كل شيء.مفيد في مكان العمليخطئ من يظنّ بأنّ الحياة العصرية تحتّم التصرّف بقسوة وتخطّي الآخرين لاستغلال الفرص وتحقيق النجاح. إنها نظرة خاطئة! تكون الطيبة أكثر فاعلية على المدى الطويل في كل سيرة مهنية. في الواقع، حين تتصرف بلطف، لا تشعر بالإرهاق بل بشغف أكبر تجاه مهنتك. تشير الدراسات إلى ضرورة التكلم بلطف مع أي شخص تصادفه، حرصاً عليه وعلى نفسك وعلى الجوّ العام في مكان العمل. لا داعي إذاً للجوء إلى المكائد تأكيداً على جدارتك.لكن ماذا يمكن أن نفعل عملياً؟ تخيّل أن رب عملك يدخل إلى مكتبك وهو يطرح عليك فيضاً من الأسئلة المُلحّة. يمكنك إخباره بما يلي: {أرى أنك غاضب جداً. يصعب عليّ الإجابة عن أسئلتك في هذا الجوّ السلبي لأنني أعجز عن التركيز}. في هذه الرسالة، أنت تحرص عليه (تتقبّل غضبه من دون إصدار الأحكام عليه) وعلى نفسك لأنك تحترم حدود قدراتك (يستحيل التفكير في هذا الجوّ المشحون). الأمل كبير بأن يهدأ رب عملك وبأن تجدا معاً حلاًّ للمشكلة. يساهم هذا النوع من السلوكيات في جذب الأشخاص الموهوبين وطمأنة الأشخاص الحذرين وتحسين سلوك الأشخاص العدائيين.مضاد للضغط النفسي يتعامل المرء الذي يعتمد اللطف مبدأً في حياته، مع الناس بنوع من الفضول الإيجابي من دون الخوف من ردود فعل الآخر. يكفي أن يكون حضور المرء قوياً وأن يبدو مبتسماً ومسترخياً لتجنب أي نوع من الخلافات. يساهم اللطف في تجنّب إهدار الطاقة سُدىً والشك في الآخر ونموّ مشاعر الحقد التي لا ينتهي. يكفي أن ننظر إلى وضعية الجسم عند الشعور بالغضب: تشنّج الكتفين، عبوس الجبين، هالة سلبية... ينعكس تكرّر حالات الضغط النفسي سلباً على الصحة. يرى الأطباء أنّ الأشخاص الذي يتصرّفون بلطف مع الآخرين لا يعانون من القلق والاكتئاب بقدر غيرهم، بل يتمتعون بدفاعات مناعية قوية ويعيشون لفترة أطول.تجربة روحيةيعزز اللطف عامل الواقعية لأنه يتيح للآخر الكشف عن هويته الحقيقية والتعامل بصدق وضعف أحياناً، أي من دون الحاجة إلى ادعاء قوة زائفة. تتذكّر هدى، 19 عاماً، اليوم الذي أخبرتها فيه صديقتها بمرض زوجها: {لم تتكلّم في الأمر مع أحد سابقاً. شعرتُ بصدمة كبيرة ولم أتمكن من إبداء أي تعليق بعد سماعها. في النهاية، أخبرتها ببساطة بأنني سأكون دوماً إلى جانبها وأنني مستعدة للإصغاء إليها إذا أرادت ذلك. لم أشعر بالتعب من معرفة هذا الخبر، بل تأثّرتُ لأنها وثقت بي. سرعان ما تشاركنا معاً هذه التجربة القاسية، وقد تمكّنتُ من التعبير عن ألمها من خلال كلمات كتبتُها في سياق آخر. المهمّ هو أنّ مشاعرنا السامية التقت في هذه التجربة الروحية المهمّة}.