الحلفاء في كل مكان يشعرون بتجاهل الرئيس أوباما
كانت الاستراتيجية الأميركية القديمة ترتكز على شبكة عالمية من التحالفات العسكرية والسياسية الرسمية مع أنظمة ديمقراطية في معظمها، لكن يبدو أن أوباما يتخلى عن تلك الاستراتيجية الكبرى المطبقة منذ 60 عاماً والمتعلقة بالحلفاء.
لابد من النظر إلى الخلاف الواقع بين الرئيس أوباما وإسرائيل في سياق عالمي واسع، حيث يواجه الرئيس الذي ترشح ضد "السياسة الأحادية الجانب" في حملة عام 2008 علاقات سيئة مع حلفاء الولايات المتحدة أكثر من تلك التي واجهها جورج بوش الابن خلال عهده الثاني.يجب ألا يشعر الإسرائيليون بأنهم يتلقون معاملة مختلفة، ففي بريطانيا، يتحدث الناس عن نهاية "العلاقة المميزة" مع الولايات المتحدة ويعبرون عن قلقهم من واقع أن أوباما لا يولي اهتماماً كبيراً للبريطانيين، على الرغم من تضحياتهم المستمرة في أفغانستان، وفي فرنسا، انتقد الرئيس نيكولا ساركوزي أوباما علناً طوال أشهر (فحصل أخيراً على مكافأة هي عبارة عن عشاء خاص يُفترض أن يحسّن العلاقة بين الطرفين). منذ أن ألغت الإدارة الأميركية مشاريع تركيب نظام الدفاع الصاروخي التي تخطط لها منذ زمن طويل في بولندا والجمهورية التشيكية، سادت مخاوف في شرق ووسط أوروبا من أن الولايات المتحدة لم تعد تشكل ضمانة أمنية يمكن الاعتماد عليها. في أوساط كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، يسود قلق من أن الرئيس الأميركي وحكومته لا يملكان الوقت على ما يبدو لرئيس الاتحاد الأوروبي الجديد، هيرمان فان رومبو، الذي يشكل، على الرغم من شخصيته الباهتة، ممثل القارة الأوروبية في حقبة ما بعد معاهدة ليشبونة. استنتج الأوروبيون عموماً، مع أنهم لايزالون يكنّون الإعجاب لأوباما، أنه لا يبادلهم الإعجاب- على الرغم من قيامه بست رحلات إلى أوروبا- بل هو من النوع الذي يفضل آسيا. غير أن الآسيويين ليسوا واثقين من ذلك، فتبدو العلاقات مع اليابان هشة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أفعال الحكومة الجديدة في طوكيو، وبشكل جزئي إلى الفكرة السائدة عن استحالة الاعتماد على الولايات المتحدة على المدى الطويل، وفي الهند، يسود القلق من إضعاف الشراكة الاستراتيجية الناشئة التي أُسست خلال عهد بوش مقابل تحسين العلاقات مع الصين. مع أن إدارة أوباما وعدت بالتأكيد على عودة الولايات المتحدة إلى آسيا بعد الإهمال المزعوم الذي واجهته خلال عهد بوش، لكنها لم تقنع حلفاءها بعد بأنهم يشكلون محور اهتمام الأميركيين.يقدم المسؤولون الأميركيون عدداً كبيراً من الأسباب لتفسير هذه المخاوف، منها أنها ترتكز على سوء تفاهم، أو أنها نتيجة أخطاء صغيرة في التنفيذ، أو أنها ببساطة خطأ بوش. لكن ربما بدأت الإدارة التي تراجع خطواتها الآن بالتساؤل عن السبب الذي يدفع هذا الكم من الحلفاء، في كل مكان، إلى القلق.لكن الأمر ليس غريباً بأي شكل، فمن الذي جذب الانتباه في إدارة أوباما؟ حتى الآن، يبدو أن الجواب عن ذلك أنهم ليسوا حلفاء الولايات المتحدة بل منافسوهم، وفي بعض الحالات خصومهم. لو وُجدت طريقة لقياس جهود الإدارة في الشؤون الخارجية، لَتبين أن أعلى نسبة طاقة، عدا عن الحرب في أفغانستان، تركزت على أربعة جهود أساسية: المحاولة الفاشلة في السنة الأولى لتحسين العلاقات مع إيران؛ المحاولة المستمرة لتحسين العلاقات مع روسيا؛ الجهد المؤجل لتحسين التعاون مع الصين؛ والجهد المبذول- وغير المثمر حتى الآن- لإقناع الدول العربية بقدرة الولايات المتحدة على الضغط على إسرائيل لتحقيق تقدم في عملية السلام. أضف إلى ذلك الجهود المبذولة لتحسين العلاقات مع سورية، واستمالة بورما، ومعالجة كل ما يتعلق بأفغانستان وباكستان، لذا لم يتبقَّ ما يقلق حلفاءنا. الوضع سيئ بما يكفي، لكن ما يعقد المشكلة أكثر هو قلة صبر الإدارة الأميركية مع الحلفاء الذين لا ينفذون أوامرها، فالأوروبيون يتعرضون لنوع من التأديب بسبب التزامهم الباهت بخطة إنفاق حلف شمال الأطلسي على الدفاع، مع أنهم يساهمون بـ30 ألف جندي في حرب بعيدة لا يقتنع بها معظم الشعب الأوروبي. كما تواجه اليابان بعض التدابير التأديبية أيضاً حين تصرّ حكومتها الجديدة على إعادة النظر في بعض الاتفاقيات الحديثة. في الحالتين، تبدو الإدراة محقّة في بعض النقاط، لكن من الأسهل دوماً ضرب الحلفاء حين يسيؤون التصرف بدل ضرب المنافسين الشرسين كروسيا والصين.أظهر الرئيس صبراً بلا حدود مع الروس الذين يماطلون في توقيع اتفاق متعلق بالسيطرة على الأسلحة كان يمكن إبرامه في ديسمبر، كذلك، تقبل سنة من الإهانات الإيرانية والرفض الإيراني لأي تفاوض قبل اللجوء إلى العقوبات على مضض. تتابع الإدارة تملّق سورية وبورما من دون الحصول على أي إشارة من دمشق أو رانغون تدلّ على مبادلتها هذه المعاملة، ومع ذلك، يأمر أوباما بكل غضب بقطع العلاقات جزئياً مع إسرائيل بسبب انتهاك بسيط كالخلاف الأخير حول المستوطنات- وبعد أن قدم رئيس الحكومة الإسرائيلي اعتذاراً علنياً.قد يكون هذا الأمر أول وأعظم ابتكار في السياسة الخارجية في عهد أوباما. مع الاستمرار في اتباع السياسات المعتمدة في أفغانستان، والعراق، والحرب على الإرهاب، ونتيجةً لذلك كسب دعم واسع لتلك السياسات من الحزبين الأميركيين الرئيسين، ويبدو أن أوباما يتخلى عن الاستراتيجية الأميركية الكبرى المطبقة منذ 60 عاماً والمتعلقة بالحلفاء. كانت الاستراتيجية القديمة ترتكز على شبكة عالمية من التحالفات العسكرية والسياسية الرسمية مع أنظمة ديمقراطية في معظمها. شرح أفريل هاريمان، عام 1947، أن الهدف من ذلك كان إقامة "ميزان قوى يميل إلى كفة البلدان الحرّة". في عهد بيل كلينتون وبوش الأب وبوش الابن، تعمقت العلاقات مع أوروبا واليابان، ولاحقاً الهند، وازدادت قوة.تعتمد هذه الإدارة سياسة القول لا الفعل في ما يتعلق بمفهوم "التعددية"، لكنها تعددية ترتكز على إسداء الخدمات إلى الخصوم الأتوقراطيين، لا على تعزيز العلاقات مع الحلفاء الديمقراطيين القدامى. بدل تقوية الأسس الديمقراطية للهندسة الدولية الجديدة- عالم مجموعة العشرين- تتبنّى الإدارة بشكل متزايد موقف الحيادية، في أفضل الأحوال، بين الحلفاء والخصوم، وبين الديمقراطيين والأتوقراطيين. ليست إسرائيل الحليف المستاء الوحيد، لكنها الأكثر ضعفاً.*باحث بارز في مؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي، يكتب مقالاً شهرياً في صحيفة "واشنطن بوست".