هل يمنعك لطفك من أن تكوني صادقة؟

نشر في 16-10-2009 | 00:00
آخر تحديث 16-10-2009 | 00:00
No Image Caption
نجد في مجتمعاتنا أشخاصاً خدومين إلى حدّ مؤثّر، همّهم الوحيد عدم إيذاء الآخر، يبحثون دائماً عن رضى من يحيط بهم، ويرغبون بأيّ ثمن في إسعاد الآخرين عبر حلّ مشاكلهم. كلّ ما يريده هذا النوع من الناس هو التصرّف بلطف. لكن ما النظرة الصحيحة إلى هؤلاء الأشخاص اللطفاء أكثر من اللزوم؟

منى امرأة لا تجيد رفض أيّ خدمة يطلبها منها من حولها، فتسعى جاهدةً الى تحقيق تطلّعات محيطها وإرضاء رغباته. على رغم النصائح التي تُوجّه إليها على مدار اليوم أو الاستهزاء الذي تلقاه بسبب لطفها الزائد، لم تغيّر منى سلوكها، فالأمر أقوى منها. يُعتبر هذا النوع من الأشخاص لطيفاً أكثر من اللزوم، ويُصنّف فوراً ضمن فئة الأشخاص الطيّبين، بل الساذجين، الذين يتعرّضون لاستغلال الجميع. لا شك في أن اللطف ميزة حسنة. في الأصل، كان اللطف يدلّ على النبل والشهامة، وعلى شخص يتمتّع بقلب كبير وشجاعة لافتة. لسوء الحظ، فقدت هذه الصفة معناها الحقيقي تدريجياً، فأصبحت مرادفة للطاعة، والخضوع، والتملّق، وضعف الشخصيّة. يكشف التصرّف بلطف عن وجود علامات ضعف في الشخصية، مع خطر التعرض لاستغلال الآخرين. اليوم، تعكس هذه الكلمة مفهوم الانصياع للأوامر التي قد تفرضها أم متسلّطة مثلاً، بهدف «سجن» أولادها في طفولة سيئة كونها تحرمهم من إمكانة التمتع باستقلاليّتهم. يختلف الأمر كليّاً حين يعني اللطف التعاطف مع الآخر، عندها يعبّر عن ميزة حقيقية يتمتّع بها الفرد، إلا إذا كان الأمر مجرّد خدعة للحصول على رضى الآخرين خدمةً للمصالح الشخصية. وفقاً لعلماء النفس، يمكن تحويل أي ميزة إلى أداة سلطة في أي علاقة. لا بد من توخي الحذر إذاً في كيفيّة رؤية الأمور. في الواقع، يجب أولاً تمييز الأشخاص الذين يفضّلون مصلحة غيرهم على مصلحتهم الخاصّة، لكن يفعلون ذلك لمجرّد إرضاء الآخر. في هذه الحالة، يكون اللطف بمثابة هديّة نهبها للآخرين. لكن من المعروف أن لا معنى ولا قيمة لأيّ هديّة إذا لم يقدّمها الواهب من دون نوايا مبطّنة. ثم لا بدّ من معرفة الأشخاص «اللطفاء» الذين يعطون ليحصلوا على شيء في المقابل، فيؤدون بذلك دور الضحايا المساكين كما هو شائع في أيامنا هذه. في هذه الحالة، يُستعمل اللطف بطريقة خاطئة تنمّ عن نفاق حقيقي بهدف الحصول على خدمات الناس في المقابل. كذلك، قد يشكّل اللطف قناعاً لنسيان فداحة النوايا السيئة مثل أخذ مكان صديق حميم في العمل، أو التشهير بزميل للحصول على ترقية، أو ادّعاء أنك أم صالحة أمام المعلّمات في المدرسة وأمهات التلاميذ الآخرين، في حين يسود الرعب في المنزل... بغض النظر عن الشخصية التي نظهرها للآخر، قد يطرح اللطف المبالغ فيه مشاكل عدّة.

طيبة مقنّعة

لا يدلّ التصرّف بلطف بالغ وكرم شديد طوال الوقت على رغبة عميقة في إرضاء رغبات الآخر فحسب، بل على قلّة ثقة في النفس وغياب الشعور بالأمان في غالبية الأحيان. وفقاً لعلماء النفس، هذا السلوك بمثابة طلب للحبّ الذي لم يحصل عليه الفرد من أهله الذين لم يتجاوبوا مع المشاعر التي قدّمها لهم في طفولته. في سن الرشد، لا يتوقف هذا الطفل المجروح عن طلب العاطفة من الآخرين، إلى أن يجد شخصاً يحبّه فعلاً. نتيجةً لذلك، يشعر هذا الشخص بالحاجة الدائمة إلى التعامل بلطف وطيبة لكسب احترام الآخر. يكمن الخطر الأكبر بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص الطيبين، لكن الساذجين أيضاً، في أن يقعوا بين أيدي أشخاص سيّئي النية يستغلّون كرمهم. في هذه الحالة، يكون الأشخاص اللطفاء صادقين بمشاعرهم ولا يستطيعون تخيّل أنّ الحقد أو الحسابات الشخصية موجودة. يعاني هؤلاء الرجال أو النساء الذين يعتبرون العالم مكاناً مثالياً من استغلال أشخاص سيّئي النيّة. هكذا، تصبح هذه الصفة الحسنة التي تميّزهم عائقاً حقيقياً في حياتهم. كذلك، نجد نواحي خطيرة للّطف إذا كان السلوك «اللطيف» مزيّفاً وكاذباً. في هذه الحالة، يحاول الشخص المعروف بلطفه إخفاء عيوبه بشكل خبيث وإبراز مزاياه المزيّفة. نتيجةً لذلك، يفقد هذا الأخير إمكان التصرّف بحرية وعفويّة وإظهار عيوبه الفعلية، ما يؤدي إلى حرمانه من شخصيّته الحقيقية. كلّما انغمسنا في أداء دور الشخص اللطيف ظاهرياً، لا نعود نجرؤ على التصرّف على سجيّتنا بل نبقى أسرى شخصية مزيّفة.

من اللطف إلى الغضب

قد تؤدي المبالغة في التصرّف بلطف مع الآخرين إلى عواقب مؤلمة إذاً! يشدد المعالجون النفسيون على أنّ اللطف صفة حميدة بلا شك، لكن تبدأ المشكلة الحقيقية إذا لم نكن «إلا» لطفاء. يفسّر علماء النفس أننا نجهد للتعامل بطيبة مع الجميع لأننا لا ندرك فعلياً حقيقة ما نعيشه. تظهر هذه المشكلة في جميع الميادين، العاطفية، النفسية، الأخلاقية، الطبقية، والمؤسساتية. من الضروري إذاً رفض هذا السلوك اللطيف ظاهرياً، أي هذا «العنف» الذي نعرّض أنفسنا والآخرين له، لاستعادة طريقة تفكير سليمة تشكّل ركيزة للسلام الداخلي والعلاقات الناجحة. ما الطريقة التي يجب اعتمادها لتحقيق ذلك؟ مع مساعدة الاختصاصيين، يمكن تعلّم كيفية التوقف عن المبالغة في السلوك اللطيف، لكن من دون التحول إلى شخص «شرّير»! ليس اللطف بحدّ ذاته مهمّاً، بل التوصّل إلى التعاطف مع الآخر والتعامل معه بشفافيّة وصدق. لكنّ الأمر ليس سهلاً ولا تلقائياً؛ لا بدّ من وقت طويل لتحقيق ذلك. أول ما يجب فعله إذاً هو التعبير عن المشاعر بصدق، بما في ذلك مشاعر الألم والحزن والعنف والسخط والخيبة. من خلال تجنّب الكذب والخداع، يمكن إنشاء رابط صادق وقويّ مع الأشخاص المقربّين. قد يؤدي كبت مشاعر الغضب إلى مآسٍ ومعاناة وأمراض كثيرة قابلة للتفاقم. الغضب جزء أساسي من الحياة، والثورة ضرورية للتطور على المستوى الإنساني. من خلال اتّباع هذه النصائح البسيطة، يمكن التوصّل إلى إقامة التوازن الضروري بين «اللطف الزائد عن حدّه» و»انعدام اللطف»، وبالتالي إعطاء المعنى الحقيقي لمفهوم اللطف، أي محرّك مذهل للعلاقات لا بدّ من المحافظة عليه وحمايته واستعماله بالطريقة المناسبة.

هدى، 25 عاماً: «لستُ لطيفة أكثر من اللزوم، بل خدومة!»

«صحيح أن الأشخاص في محيطي يعلّقون على أنني غاية في اللطف، إلى حدّ السذاجة أحياناً، لكني لا أشعر بذلك لأنني أقوم بكلّ شيء من قلبي. إذا طُلب منّي خدمة، أشعر بالإطراء لأنّ ذلك يعني أنّ الناس يعتبرونني قادرة على تحقيقها وأنهم يثقون بي. لذلك، أحاول مساعدتهم قدر الأمكان ولا أفكّر أبداً بأنني أتصرف بلطف شديد، بل أنا بطبعي خدومة. أعرف كيف أقدّم المساعدة للآخرين عند اللزوم، ولا أعتبر ذلك مؤشر ضعف بل تأكيداً على الذات. من الأسهل دوماً الهروب من المشاكل بدل مواجهتها. وحتى لو كنت أعاني من الكثير منها، أجد صعوبة في تجاهل مشاكل الآخرين. لا أقول إنني قادرة على تغيير العالم، لكن إذا بذل كلّ شخص القليل من نفسه، يصبح اللطف عاملاً أساسياً في الحياة».

رأي الخبراء

• لماذا يبالغ البعض في التعامل بلطف مع الآخرين؟

ببساطة لأنّه يريد بأيّ ثمن أن يقبله محيطه، لكنه لا يدرك خطورة العواقب. في النهاية، من الطبيعي أن يتمنّى كلّ شخص الحصول على تقدير الآخر. يُعتبر اللطف محرّكاً ممتازاً للعلاقات الإنسانية. لكن إذا زاد عن حدّه، يمكن أن يوجّه شخص آخر هذه الملاحظة للفرد الذي يبالغ بلطفه، ما يسمح له بإقامة توازن في سلوكه من وقتٍ لآخر.

• ما هدفه من ذلك؟

لفت الانتباه والاعتراف بالجميل! يحاول الفرد مثلاً كسب تقدير الآخرين من خلال التصرف بلطف شديد، لا سيّما إذا لم يحصل على الحب والتقدير في طفولته، بل كان يسمع باستمرار كلمات «شقيّ»، «سيّئ»، أو «شرّير»، فيسعى إلى إثبات العكس لتفادي تعميم هذه الصورة عنه. لكنه يدخل في المقابل في سباق لا ينتهي بحثاً عن تقدير الآخرين له. قد ينمّ هذا السلوك عن الخبث إذا كان خداع الآخر مقصوداً. في جميع الأحوال، إنه سلوك خاطئ بما أنه يحرم هذا الشخص من التصرف بحريّة وعفوية، ومن إظهار عيوبه. قد يصبح اللطف بمثابة سجن لا يمكن الخروج منه!

• كيف يمكن معالجة هذا الوضع؟

من الضروري للغاية الخروج من نزعة المثالية التي تسبب مشاكل كثيرة. لا يمكن أن يكون الإنسان كاملاً! في الواقع، الشخص الذي يريد الظهور بصورة مثالية ويسخّر حياته لتحقيق ذلك، هو شخص يعاني كثيراً. فهو يقع في فخّ الصورة التي يريد أن يرسمها عن نفسه. يكمن الحلّ إذاً في تقبّل عيوبنا وحدودنا ومحاولة الاعتراف بها وتخطّيها حين يكون ذلك ممكناً. المهمّ هو تطوير النفس والتقدم بلا توقف!

back to top