مفتي بلغاريا د. مصطفى حاجي لـ الجريدة: نرفض الفتاوى غير النابعة من واقع مسلمي أوروبا في بلدنا ترجمة وحيدة لمعاني القرآن الكريم وكانت سبباً في إسلام مَن قام بها
يرفض عملية تدويل الفتوى أو تصدير فتاوى لا تنبع من واقع المسلمين المعاش في أوروبا إلا إذا كانت هذه الفتاوى في قضايا إسلامية عامة يستفيد منها المسلم في كل مكان. إنه العالم الإسلامي الكبير
د. مصطفى حاجي (مفتي بلغاريا) الذي طالب في حواره لـ”الجريدة” أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة بضرورة بناء حائط صد عالمي للدفاع عن الإسلام ديناً وأمة وتبرئة ساحته من الاتهامات المنسوبة إليه ظلماً، كما ألقى الضوء حول أوضاع المسلمين البلغار وأبرز المشاكل التي تواجههم على المستوى الدعوي.● بداية نود التعرف على تاريخ الإسلام في بلغاريا؟- التاريخ الحقيقي لدخول الإسلام في بلغاريا بدأ مع الفتح العثماني الذي قام به السلطان مراد الأول الذي فتح صوفيا والجزء الجنوبي من بلغاريا، ومن الطبيعي أن يدخل الإسلام مع الفاتحين الجدد للبلاد، ويعود المسلمون في بلغاريا إلى مجموعات ثلاث، هم الأتراك من أصل عثماني، وقد جاءوا مع الفتح العثماني للبلاد، وتبلغ نسبتهم 61% من المسلمين، والبلغار ويعرفون بالبوماك، ويكثرون في الجنوب وتبلغ نسبتهم 22% من المسلمين، والغجر من البدو الرحل ومعظمهم في بلغاريا من المسلمين وتبلغ نسبتهم 17% من إجمالي عدد المسلمين, كما يزداد تعداد المسلمين سنوياً بنسبة تعادل أربعة أضعاف غير المسلمين، وأغلبية المسلمين يعيشون في منطقة بلغاريا الشمالية، وهم يعيشون مع غير المسلمين من المسيحيين في أمن وسلام، ولهم جميع الحقوق التي يتمتع بها المواطن في بلغاريا.● ماذا عن أوضاع المسلمين في بلغاريا وأهم المشكلات التي تعترض الوجود الإسلامي هناك؟ـ نسبة المسلمين في بلغاريا تزيد على ربع عدد السكان حيث يوجد أكثر من 2 مليون مسلم من إجمالي 8 ملايين شخص يعيشون في الأراضي البلغارية، وهي نسبة جيدة من حيث العدد ولكن المشكلة الأساسية التي تواجه المجتمع المسلم في بلغاريا هي الجهل بالدين وضعف الوازع الديني لدى المسلمين، وخاصة أن المسلمين البلغار عاشوا فترة طويلة تحت ضغط الاحتلال الشيوعي وكان هذا سبباً رئيساً وراء ابتعادهم عن دينهم، ولكن بعد سقوط النظام الشيوعي وجدنا الفرصة سانحة أمامنا لتعليم أولادنا وشبابنا ونسائنا تعاليم الإسلام، حيث إن لدينا الآن بعض المدارس الإسلامية الثانوية وكلية إسلامية في صوفيا يتخرج فيها مئات الطلاب كل عام، ونرسل بعض الطلاب إلى الدول الإسلامية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر وبعض الدول الإسلامية الأخرى، وبهذه الطريقة نحاول أن نحل مشكلات الجهل بالدين الإسلامي والابتعاد عن الدين، ويوجد في بلغاريا اليوم ما يزيد على 1300 مسجد منها ألف مسجد كبير والبقية عبارة عن مساجد صغيرة، ويتبلور دور المسجد في توعية المسلمين بدينهم وبتعاليم الإسلام السمحة فالمسجد يقوم بعملية التحول الحضاري المطلوبة لرد المسلمون البلغار إلى صحيح الإسلام، وأيضاً المسجد بالنسبة لنا يعد المدرسة الدينية الأولى لتعليم أبنائنا العلوم والمعارف الإسلامية، خاصة في الصيف حيث تقام في المساجد حلقات تحفيظ القرآن الكريم وقد شهد العام الماضي أكثر من 415 حلقة قرآنية وفي العام الحالي هناك أكثر من 500 حلقة، فالطلاب الذين يدرسون في المعهد الإسلامي أو في الدول العربية بعد عودتهم في فصل الصيف يقيمون هذه الحلقات القرآنية وأيضاً يعملون أئمة وخطباء فى المساجد. ● كيف تدير عملية الفتوى خاصة في القضايا المستجدة ذات الارتباط بالقضايا المعاصرة؟ـ في مسألة الفتوى نحاول استنباط الحكم قبل النطق بهذه الفتوى أو تلك من الفقه الإسلامي، وبناءً على ذلك إذا ظهر أمامنا أحد الأمور الفقهية التي نقف أمامها فإننا نحاول أن نستفتي الفقهاء من الخارج وقد سهل علينا الأمر وجود مجلس أوروبي للإفتاء والذي يأتي على رأسه عالم مسلم فقيه في قامة الدكتور يوسف القرضاوي والذي يهتم بالفتاوى والأمور الفقهية المستنبطة من الواقع الأوروبي وتأصيلها فقهياً ثم توزيعها على مجالس الفتوى الأوربية, ومنها بلغاريا, سنوياً. نستفيد كثيراً من هذه الفتاوى المعاصرة، وأيضاً إذا ظهرت أمامنا إحدى المشكلات الفقهية التي لا نعرف حكمها فإننا نستعين بفتاوى العلماء في الدول العربية والإسلامية حتى نستطيع أن نخدم الإسلام والمسلمين في بلادنا.● هل يتأثر المسلم البلغاري بعملية فوضوية الفتوى التي تشهدها الفضائيات العربية والإسلامية؟ــ نعم هذا الأمر يحدث كثيراً فالمسلم البلغاري يكون حريصاً على متابعة الفضائيات العربية والإسلامية للاستفادة منها دينياً وهذا التضارب الذي تشهده الفتاوى على الفضائيات يؤثر سلباً ليس على المسلمين في بلغاريا فقط وإنما على المسلمين في الغرب عموماً، فنحن نرفض عملية عولمة وتدويل الفتوى أو تصدير فتاوى لا تنبع من واقع المسلمين المعاش في أوروبا إلا إذا كانت هذه الفتاوى في قضايا إسلامية عامة يستفيد منها المسلم في كل مكان، لكن عملية إطلاق الفتاوى جزافاً دون مراعاة لحال المسلمين في هذه الدولة أو تلك فهذا أمر مرفوض ويعود بالضرر أكثر من نفعه، ولذلك فإنه يجب أن تكون الفتاوى نابعة من واقع المسلمين المعاش سواء في الداخل الإسلامي أو الخارج الغربي والأوروبي، لذا من الأفضل الاعتماد على مجالس الفتوى في كل مكان بالإضافة إلى اجتماع عام لعلماء الأمة لتدارس القضايا العامة وإصدار الفتاوى فيها التي من الممكن أن يستفيد منها المسلم في كل مكان.● كيف تنظرون إلى ادعاءات ثقافة العنف وارتباط الإسلام بها وهل تواجهون مثل هذه الأمور في بلغاريا؟ ـ بالتأكيد فهذه الاتهامات تواجه الإسلام في كل مكان وخاصة في الغرب فهناك من يتربصون بالإسلام ويروجون أموراً ليست من الإسلام في شيء مثل العنف والتطرف والإرهاب إلخ، ويأتي ذلك في سياق حملة منظمة يقودها أعداء الإسلام من خلال وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت وغيرها، وكثيراً ما يتأثر المسلمون ضعاف الإيمان في بلغاريا وفي البلدان الأوروبية الأخرى بهذه الافتراءات ونحن نحاول تفنيد هذه الاتهامات، ولكن هذه الأمور لا تكفي فيجب بناء حائط صد عالمي للدفاع عن الإسلام ديناً وأمة وتبرئة ساحته من الاتهامات المنسوبة إليه ظلماً وعدواناً من خلال نشر الفكر الإسلامي الصحيح على وسائل الإعلام المختلفة وخاصة المواقع الإلكترونية لأنها الأكثر جذباً للشباب في الفترة الحالية.● هل لديكم ترجمات لمعاني القرآن الكريم باللغة البلغارية يستفيد منها المسلمون هناك؟ـ لدينا ترجمة وحيدة لمعاني القرآن الكريم باللغة البلغارية قام بإعدادها المستشرق البلغاري المسلم تيزفيتان تيوفانوف الأستاذ بجامعة صوفيا والأمر الغريب أنه قام بترجمة معاني القرآن الكريم وهو لم يكن قد اعتنق الإسلام بعد، وكانت ترجمته لمعاني القرآن سبباً مباشراً في اعتناقه للإسلام، ونحن نسعى لوجود ترجمات أخرى لمعاني القرآن ولكن نحاول إعداد مترجمين ملمين بالعلم الشرعي وبأصول اللغة البلغارية حتى يتمكنوا من إخراج ترجمة جديدة تؤدي الرسالة المطلوبة من وجودها.● هل تعتقد أن الدعاة الموجودين في بلغاريا من أبناء المسلمين البلغار كافون لتعليم المسلمين حقائق وتعليم الإسلام؟ـ في الحقيقة توجد بالفعل أعداد كبيرة من الخريجين من أبناء المسلمين البلغار يعملون في سبل الدعوة والفتوى والخطابة إلى آخر هذه المجالات الدينية، ولكن عددهم غير كافٍ، وذلك لأنه لأكثر من خمسين عاماً كان هناك ضغط شيوعي كاسح على المسلمين وكان يتم تهجير العلماء المسلمين البلغار بالمئات إلى تركيا مما جعل البلاد خاوية تماماً من العلماء في تلك الفترة، ولذلك فإنه ليس من السهل علينا خلال خمسة عشر عاماً حل مثل هذه المشكلة العويصة التي استمرت على مدار نصف قرن ولكننا نحاول التغلب عليها قدر المستطاع من خلال إرسال أبنائنا للتعلم في البلدان الإسلامية ذات العلم الشرعي الغزير مثل السعودية ومصر، وهذه الأمور تؤكد أن مسلمي بلغاريا يعانون من وجود مشكلة دعوية لا يمكن إنكارها، ومن ناحية أخرى فإننا لا نستطيع أن نستقطب العلماء والدعاة من الخارج وذلك لضعف الإمكانيات المادية والإجراءات الروتينية داخل بلغاريا، ولذلك فنحن نحاول أن نجد الكوادر البلغارية المسلمة التي تستطيع العمل في المجال الدعوى.● هل تخلص مسلمو بلغاريا من أذناب الاحتلال الشيوعي الذي ظل جاثماً على صدور البلغار لسنوات طويلة؟ـ نحاول تطهير نفوس أبنائنا مما خلفته الشيوعية وترميم ما دمره الاحتلال الشيوعي لبلادنا، خاصة وأن إحدى أهم المشكلات التي كانت تواجه المسلمين في ظل الاحتلال هي عملية تغيير أسماء المسلمين قصراً لأسماء غير إسلامية وكان ذلك في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لأنهم حسب زعمهم كانوا يقولون وقتها إنه لابد أن يحمل المواطن البلغاري اسما بلغارياً، وقد تعرض المسلمون البلغار في هذا الصدد لضغوط تعسفية وصلت إلى حد إجبار المسلمين بالقوة على تغيير أسمائهم أو إضافة لاحقة بلغارية إلى أسمائهم فيصبح اسم محمد “محمد وف”، وحاولت السلطة البلغارية منع إطلاق الأسماء الإسلامية أو غير البلغارية على المواليد الجدد، وهي جريمة وخطوة رفضها الشعب البلغاري كله، وجميع المواطنين مسلمون ومسيحيون معاً، وسقطت مطالب الحكومة، وهو سبب من أسباب سقوط الشيوعية، ذلك لأن المسلمين والمسيحيين وقفوا معاً في رفض هذا القرار، ولأنهم اختاروا لأنفسهم العيش معاً في سلام وتعاون، والمسلمون والمسيحيون يعيشون معا منذ ستة قرون, وهم الآن يتعلمون معاً، وليس هناك أحد يستطيع أن يجبرهم على شيء، فالحكومة البلغارية حكومة ديموقراطية، والمسلمون في بلغاريا يعيشون مع غيرهم من غير المسلمين في سلام، ولا يوجد بينهم أية خلافات أو اضطهاد من قبل أحدهم للآخر، وهذا يؤكد أن الإسلام دين سماحة ودين تعايش مع الآخر، ودين حوار مع الآخر، وبالإضافة إلى مشكلة تغيير الأسماء كان هناك العديد من المشكلات الأخرى مثل هدم وتدمير المساجد وأيضاً منع المرأة المسلمة من ارتداء الحجاب، ولكن الحمد لله هذه المشكلات لم تعد موجودة وأصبحت الساحة مفتوحة أمامنا لممارسة شعائرنا الدينية بحرية كاملة يكفلها الدستور البلغاري نفسه وقد تم ترجمة هذه الحرية في جميع المجالات وفي مقدمتها المجال السياسي فلدينا ثلاثون مسلماً في البرلمان البلغاري ويشارك المسلمون في الحكومة أيضاً فهناك ثلاثة وزراء مسلمين بالإضافة إلى حرية المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب والزى الإسلامي.● هل يعاني المسلمون البلغار من حملات التبشير والتنصير راهناً؟ـ هناك هجمة تبشيرية شرسة يتعرض لها المسلمون في بلغاريا ويمثل هذا الأمر مشكلة كبيرة أمامهم, فكثير من الجماعات التنصيرية الغربية تستهدف المسلمين وخاصة الغجر الذين يعيشون في الجبال ويستغلون مشاكلهم المادية الشديدة لجذبهم بمغريات شديدة من خلال بذل المال والخدمات،. نحن في دار الإفتاء نحاول بناء حائط صد إسلامي لحماية المسلمين عامة والغجر خاصة من خلال التوعية المستمرة وعمل حملات مضادة للفكر التبشيري، وقد بدأنا بالفعل ترجمة بعض الكتب الإسلامية إلى اللهجة الغجرية ونحاول تعليم أبنائهم وصقلهم بالتعاليم الإسلامية للحفاظ على هويتهم من الذوبان في محيط الآخر.● أخيراً كيف يقضي المسلمون البلغار شهر رمضان؟ـ المسلمون في بلغاريا يرتبطون بشهر رمضان المبارك ارتباطاً وثيقاً, ففي هذا الشهر نلتصق بحائط الإيمان ونكثف نشاط الحلقات القرآنية, فلا تقتصر على تحفيظ القرآن فقط كما يحدث في الشهور العادية، ولكنها أيضاً تتحول لحلقات تلاوة وتدارس لآيات القرآن الكريم, ويحاول العلماء خلال هذه الأيام المباركة تكثيف الدروس الدينية وتقديم جرعات إيمانية كبيرة للمسلمين، وفي كثير من الأحيان نستقبل بعض العلماء من دول العالم الإسلامي, ونحاول الاستفادة من علمهم قدر المستطاع في هذا الشهر، ويحرص المسلمون خلال شهر رمضان على إقامة صلاة التراويح في الهواء الطلق حيث يفترشون الأراضي بالسجاجيد، ويصلون عليها كما يقرأون القرآن في جماعة، وتتم إقامة موائد الرحمن لغير القادرين من مسلمي بلغاريا.