العلمانية في الفكر العربي المعاصر
تأليف: جبرا الشومليالناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب «العلمانية في الفكر العربي: دراسة حالة فلسطين» للدكتور جبرا الشوملي الذي يرصد مؤشرات ظهور العلمانية في الفكر العربي- الإسلامي، منذ نشوء الدولة في الإسلام، ثم يسلط الضوء على مفاهيم هذا المصطلح والمؤثرات الفاعلة في ظهوره جلياً في عصر النهضة وما بعده، ليقرر، من ثم، أن العلمانية دخلت إلى فلسطين من بوابة مصر وبلاد الشام.الميثاق الوطنييتتبع الكاتب مظاهر العلمانية في الحركات والأحزاب السياسية الفلسطينية، ويرى أن الفكر السياسي والاجتماعي الجديد لتلك الأحزاب (بتوجهاتها الأيديولوجية المختلفة: الوطنية، القومية، الماركسية) ارتبط بالإفرازات الاقتصادية والاجتماعية وبتأثير الأجواء التحررية في الوطن العربي. كذلك يعتقد المؤلف أن مفردات اللغة العلمانية انعكست في الوثائق التأسيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، في النظام الأساسي، في الميثاق الوطني، في قرارات دورات المجالس الوطنية الفلسطينية، في البرامج السياسية للمنظمة منذ تأسيسها سنة 1946 حتى دورة غزة 1996.يعتبر الشوملي أن التحول في الفكر السياسي الفلسطيني (من برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل التراب الفلسطيني، إلى برنامج الدولة الوطنية المستقلة على جزء من التراب الوطني الفلسطيني) عبّر بوضوح عن تحول موازٍ في الصيغة العلمانية، من «علمانية سياسية جذرية أو ثورية» تعمل على تصفية الدولة العبرية وبنيتها الصهيونية، إلى «علمانية سياسية واقعية أو مرنة» في الوسائل والأهداف.يلاحظ الشوملي أنه ومنذ انطلاق عصر النهضة العربية في أواخر القرن الثامن عشر حتى القرن الواحد والعشرين، ما زال موضوع العلمانية يمثل واحداً من أهم مشاغل العقل العربي- الإسلامي ويمثل الحلقة الأساسية في قضايا الجدل الفكري والسياسي الذي ما زال يدور بين مدارس الفكر العربي- الإسلامي خلال مراحل تطوره المختلفة. يعتبر الكاتب أن العلمانية كمفهوم فكري - اقتصادي - سياسي- اجتماعي، يتضمن «بناء وتنظيم المجتمع والدولة بالاستناد إلى سلطان ومرجعية العقل، مع حياد الدولة إزاء الأديان والعقائد» كما هو تعريفه العام، وقد دخل منتديات الفكر العربي- الإسلامي في نهاية القرن الثامن عشر، بينما العلمانية كمفهوم أولي تتخلله النزعات العقلانية، تحرير العقل من التقليد، وإعلاء شأن التفكير العلمي، وجد تعبيراته في منظومة الفكر العربي- الإسلامي، وفي بعض نواحي الحياة منذ عصر الدولة الإسلامية التي انطلقت في القرن السابع، وهي الدعوة التي أرست المقدمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية لانتقال العرب من مرحلة القبائل والعشائر المتناحرة إلى مرحلة بداية تكوين الأمة العربية.بحسب الكاتب، لم ينحصر الخطاب الفكري- العربي، بين تيار الفكر العلماني العربي وتيار الفكر الإسلامي فحسب، بل امتد إلى بيت الفكر الإسلامي الذي أنتج في ما أنتج إسلاماً سلفياً وإسلاماً عقلانياً، وهما مدرستان تمتد جذورهما التاريخية إلى فترة مقتل الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان. وقد عمّقت مرحلة ازدهار الحضارة العربية - الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي جدل الصراع بين المدرستين ووسعته، وصولاً إلى مرحلة النهضة العربية في القرن الثامن عشر التي بلورت على نحو أشمل وأوضح الفقه الخاص للمدرستين وما تفرع عنهما لاحقاً من نقاط واختلاف في أكثر من مجال.الظواهر التاريخية اعتمد الشوملي في دراسته منهج التحليل التاريخي وأسلوب تحليل المضمون، انطلاقاً من كون مادة الدراسة تنتمي إلى الظواهر التاريخية التي يتطلب رصد محطات تطورها العودة إلى المراجع والمؤلفات والمصادر التاريخية المختلفة، كذلك يوفر تقصي مادة الدراسة ومتابعتها وفق المنهج التاريخي ومنظوره التحليلي- النقدي، المدخل الصحيح لفهم ظاهرة الدراسة ومقاربتها، كما هي في حقيقتها الطبيعية، العوامل الداخلية والخارجية التي تحكمت في نشوئها وتطورها، بما يساعد في استخلاص المعطيات والنتائج والإشكاليات وتحليلها والتأسيس لبلورة رؤية جديدة.يشير الشوملي إلى أن دراسته في سعيها ومتابعتها ومناقشتها المحطات التاريخية لتطور الفكر العقلاني والتطورات والإشكالات التي واجهت تطور الفكر العلماني خلال مسيرته الطويلة، بدءاً بالمرحلة الإسلامية، مروراً بعصر النهضة العربية، ووصولاً إلى التجربة السياسية العربية، ثم الفلسطينية، تحاول الإجابة عن أسئلة عدة منها: هل العلمانية ممكنة في ظل مجتمع مرجعياته وثقافته وقيمه وأخلاقه مستمدة من التعاليم والنصوص الإسلامية؟ كيف يمكن حل إشكالية الفصل بين الدين والدولة، في مجتمع يمثل الدين الهوية الفكرية، الاجتماعية، الأخلاقية، النظام القيمي للأمة العربية والشعب الفلسطيني؟ هل تعني العلمانية فصل الدين عن الدولة، أم هي مفهوم أشمل من ذلك؟ هل العلمانية مشروطة بالتقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في المجتمع الفلسطيني؟ هل شروط وممكنات تطبيق النموذج العلماني في فلسطين متوافرة، أو على الأقل الحد الأدنى الذاتي والموضوعي الذي يتيح النموذج العلماني متوافر؟ هل توجد علمانية أخرى، غير علمانية الغرب الليبرالي وعلمانية الشرق الماركسي، اللتين نشأتyا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية؟قسم الشوملي دراسته إلى خمسة أقسام: يناقش الفصل الأول الجذور التاريخية لتطور الفكر العقلاني الذي ظهر وتتابع في جميع محطات تطور الفكر العربي- الإسلامي، ابتداءً من الدعوة الإسلامية ومرحلة الخلافة الراشدية، مروراً بمرحلة الدولة الأموية التي أطاحت بنظام الخلافة الراشدية واستبدلته بنظام الدولة الملكية والوراثة السياسية، انتهاءً بمرحلة الدولة العباسية التي شهدت انبعاث الحركات الفكرية العقلانية، نشوء مدارس الفلسفة والتاريخ والسياسة، تطور مدارس الفقه والحديث والقياس، كذلك عرّج الكاتب في دراسته على الفترة العثمانية بما تمثله من حالة انحطاط وبدايات أفول نجم الحضارة العربية - الإسلامية، وهي التي مهدت لنشوء عصر النهضة العربية في أواخر القرن الثامن عشر.المجتمع المدنيأما الفصل الثاني فيتضمن: مناقشة أبرز ما جاء في الخطابين العلماني والإسلامي في موضوع العلمانية والإسلام، العلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي، العلمانية والمسألة القومية، العلمانية وقضايا الأقليات والتعددية السياسية والدينية والعرقية، تأثير التجربة العلمانية الأوروبية ونظام العولمة في اتجاهات الحركة العلمانية العربية والفلسطينية. كذلك ناقش الكاتب تجربة دولة محمد علي باشا باعتبارها أول تجربة سياسية حداثية في بناء الدولة العربية المعاصرة. يتخلل الفصل مناقشة تجارب عدد من الأحزاب العلمانية العربية التي تقلدت السلطة في عدد من الأقطار العربية. مثّل هذا الفصل مدخل الدراسة باتجاه تعقب حركة تطور العلمانية في فلسطين من خلال البوابة العربية، كون العلمانية دخلت فلسطين من بوابة مصر وبلاد الشام، حيث يكمن فيها الثقل للفكر والتجربة العلمانية، ومن حيث إن فلسطين تاريخياً هي جزء من بلاد الشام ولم تنفصل عنها إلا في مطلع القرن التاسع عشر بعد تحلل الإمبراطورية العثمانية وتغلغل المشروع الصهيوني في فلسطين.في الفصل الثالث يناقش الشوملي الحالة الفكرية في فلسطين من عام 1850 إلى عام 1917، وهي الفترة التي شهدت بداية الزرع العلماني في فلسطين، وهي زراعة تبلورت في إطار معادلة الصراع التي تشكلت بين الحركة الصهيونية والحركة القومية في فلسطين. كذلك يناقش تطور الفكر العلماني لدى الأحزاب الرئيسة التي تشكلت في فلسطين من عام 1917 إلى عام 1949 كحقبة تاريخية محددة لها ظروفها وهيئتها وصفاتها، ومن عام 1949 إلى عام 1967 كحقبة تاريخية تالية وجديدة تشابهت واختلفت مع سابقتها، مهدت وانبثق منها الفكر السياسي العلماني الفلسطيني بصيغته المعاصرة. يناقش الفصل الرابع الفكر العلماني لدى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها أوسع وأكبر ظاهرة سياسية علمانية في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر، بالإضافة إلى تطور الفكر العلماني لدى الأحزاب والحركات السياسية الرئيسة، وهي: حركة فتح، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، حزب الشعب. اتكأ الكاتب في مناقشته تلك على فرز الخريطة الفكرية والسياسية للمجتمع الفلسطيني، وهي خريطة تتألف من التيارات والقوى العلمانية والدينية، وتتبع أثر كل منهما في اتجاهات الحركة العلمانية في فلسطين ومناقشة الحالة العلمانية للمجتمع الفلسطيني بعد مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية، واتجاه حركة التطور العلماني ارتباطاً بخصوصية السلطة الوطنية الفلسطينية ومنهجها الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. الفصل الخامس هو الفصل المحوري في الدراسة، انعقد على مناقشة إمكانات تطبيق النموذج العلماني في فلسطين وحدوده، واستعراض العوامل المعيقة والمساعدة استعراضاً نقدياً. يتضمن هذا الفصل طرح رؤية خاصة ومحددة حول مقومات وخصائص الطبيعة العلمانية المقترحة للمجتمع الفلسطيني، ويختتمه الكاتب باستعراض الاستنتاجات والتوصيات العامة. لا يفوت الشوملي الإشارة إلى أن الفصول الثلاثة الأخيرة المكرسة للتجربة الفلسطينية لم تتناول فكر وتجربة الفلسطينيين الذين انتسبوا إلى أحزاب علمانية عربية، أي الفلسطينيين الذين انخرطوا في صفوف الأحزاب القومية والاشتراكية والشيوعية العربية وعملوا خارج الأحزاب والمؤسسات الفلسطينية الرسمية أو الجغرافيا الفلسطينية أو العمل الفلسطيني المباشر. يلفت الكاتب إلى أن أسئلة الدراسة التي أثارها موضوع العلمانية، ليست أسئلة بحثية ذات طابع أكاديمي صرف فحسب، بل أسئلة تثير تحديات العقل وإعمال الفكر أيضاً، فهي من النوع الذي يفترض أن تتداخل الإجابة عنها مع مهام بناء المجتمع الجديد، وما يفترضه هذا البناء من مراعاة دقيقة للعلاقة المتوترة والقلقة بين المفهوم العام للعلمانية، كما انطوت عليها التجربة الغربية، والمفهوم الخاص للعلمانية، كما يجب أن تنطوي عليه التجربة الفلسطينية.