مفتي تشاد د. حسين أبو بكر: نحن دولة القرآن!

نشر في 19-09-2008 | 00:00
آخر تحديث 19-09-2008 | 00:00

حذر د. حسين حسن أبو بكر مفتي تشاد ورئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية من مغبة تحويل القارة السمراء إلى مستعمرة غربية تحارب الإسلام، مشيراً إلى أن العالم الإسلامي صب اهتمامه بالنسبة لإفريقيا على التعليم الديني من دون الاهتمام باللغة العربية الأمر الذي جعل العربية لسان الشعب فقط وليس الحكومة التي مازالت تتناول الفرنسية في دواوينها، وأوضح في حواره مع «الجريدة» أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة أن المسلمين خرجوا من دائرة الاستعمار والحروب الأهلية التي استمرت ثلاثين عاماً ليحاطوا بإغراءات التبشير والتنصير، ولكن المسلمين يقاومون كل ذلك مؤكداً أن تفوق أبناء تشاد في حفظ القرآن الكريم منحها لقب دولة القرآن.

● بداية نود إلقاء الضوء على المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والدور الذي يقوم به؟

- المجلس هو الجهة الدينية التي تعد بمثابة وزارة الأوقاف في أي بلد إسلامي وهو المسؤول عن كل ما يخص المسلمين ومن أهم نشاطاته التعليم عبر المدارس القرآنية والمعاهد والجامعات الإسلامية، وخلال 12 عاماً أسس المجلس المئات من الخلايا القرآنية, أهمها المدينة القرآنية وتم إنشاؤها منذ ست سنوات وحفظ القرآن فيها ما يزيد على 40 طالباً ويدرس بها راهناً 400 طالب يكفلهم أهل الخير من داخل تشاد وخارجها، ويقيم المجلس العديد من الدورات التجريبية للدعاة بدعم من الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتها الكويت ومصر، والمجلس على اتصال وثيق بالمنظمات الإسلامية مثل رابطة العالم الإسلامي وهيئة الإغاثة الإسلامية التي فتحت أبوابها في تشاد منذ أكثر من عشر سنوات وقدمت العديد من المساعدات وأنشأت عدداً كبيرا من المساجد والمستوصفات.

● ماذا عن النسيج الإسلامي في تشاد؟

- تشاد يجهلها الكثيرون جغرافياً فواقعها يخالف موقعها وهي دولة عربية إسلامية يتحدث جميع سكانها مسلمون وغير مسلمين اللغة العربية ويتفهمونها، ورغم سيطرة الاستعمار الفرنسي على البلاد أكثر من مائة عام إلا أن اللغة الفرنسية محصورة في الدوائر الحكومية فقط, أما الخطاب الشعبي العام فهو باللغة العربية وذلك لأن الإسلام دخل تشاد منذ زمن مبكر وبالتحديد عام 46 هـ, على يد عقبة بن نافع الصحابي الجليل ومنذ ذلك الحين التدفق الإسلامي والعربي مازال مستمراً، وقد تميزت تشاد عن الدول الإفريقية الأخرى بحفظ القرآن الكريم وتلقب اليوم عالمياً بدولة القرآن الكريم بدليل أن أي مسابقة في مختلف دول العالم الإسلامي ما شارك فيها طالب من تشاد إلا واحتل أحد المراكز الأولى وذلك على مدار أكثر من عشرين عاماً وأول مسابقة قرآنية أقيمت في السعودية احتل فيها المركز الثاني طالب تشادي، ويصل عدد السكان سبعة ملايين نسمة وتصل نسبة المسلمين إلى ما يزيد على 85% من إجمالي السكان.

● في ظل الحروب الأهلية التي منيت بها تشاد ومن قبلها الاستعمار كيف استطاع مسلمو تشاد الحفاظ على اللغة العربية وتأصيلها في الوسائل التعليمية؟

- قبل إنشاء المركز الإسلامي للملك فيصل الذي أصبح بعد ذلك جامعة الملك فيصل العالمية، كانت المدارس الأهلية ضعيفة جداً واللغة العربية كانت مادة اختيارية في المدارس الحكومية شأنها شأن اللغات الأجنبية الأخرى ولكن بعد إنشاء المركز أقبل أبناء المسلمين عليه ودرسوا فيه والآن تخرج منه على المستوى الثانوي عشرات الآلاف ودرسوا في الجامعات سواء في أميركا أو أوروبا أو روسيا أو الدول العربية والآن كثير من الذين درسوا في هذا المركز يشغلون مناصب مهمة في البلاد ومنذ ذلك الحين مازالت اللغة العربية يتسع حيز الناطقين بها في تشاد ويقبل الشعب عليها، وبدأوا يتنصلون من لغة المستعمر ويعودون إلى لغتهم العربية، ومنذ ثماني سنوات أقر الدستور التشادي اللغة العربية كلغة رسمية مساوية للفرنسية، ولكن الفرنسية لها سند قوي وهو فرنسا التي تعمل باستمرار على تقوية لغتها ومحاولة نشرها، أما العربية فصارت يتيمة ولم تجد من يساندها المساندة الكافية التي تجاري مساندة الفرنسيين للغتهم وقد تقدمنا بأكثر من طلب للجامعة العربية لكي تدعم اللغة العربية في تشاد باعتبار موقعها الجغرافي كبوابة أفريقيا التي ركز عليها المستعمر وأيضاً التنصير والتبشير الكنسي، وفرنسا تجتهد لدعم لغتها رغم أن المتحدثين بها لا يتجاوزون 5% من السكان أما العربية فقد فرضت نفسها بقوة لأنها لغة وطنية وهو ما حماهما من الذوبان في اللغة الفرنسية، ويُتم العربية نابع من عدم تطبيق الدستور حرفياً فرغم أنه ينص على مساواة اللغتين إلا أن هذا لم يطبق في الدواوين الحكومية لعدم توافر الإمكانيات ففرنسا تنفق على لغتها في هذه الدواوين وهو ما جعل العربية لسان الشعب وليس الحكومة.

● ما مدى تأثر مسلمي تشاد بحملات التبشير؟

- لأن تشاد هي بواية إفريقيا في نشر اللغة العربية فقد تنبه التبشير والتنصير الكنسي إلى ذلك قبلنا وكون ما يزيد على سبعين منظمة تبشيرية وتنصيرية عن طريق التعليم والصحة والإغاثة والمساعدات الإنسانية ويتستر التنصير والتبشير خلف هذه المنظمات ويعمل ليل نهار، ولكن ولله الحمد حتى الآن لم يعتنق مسلم المسيحية وحتى القلائل الذين اعتنقوها بدأوا يتخلون عنها ويعودون إلى إسلامهم، حتى أن بعض القساوسة من إيطاليا وألمانيا والذين جاءوا إلى البلاد مبشرين وعندما رأوا وضع الإسلام ولمسوا روحه السمحة التي لم يجدوها في دينهم أشهروا إسلامهم وصاروا دعاة معنا.

● كيف ترى دور العمل الخيري الإسلامي في مكافحة حملات التبشير التي تستهدف الدول الإفريقية؟

- للأسف توجد حملات تبشير فاعلة في إفريقيا، نسمع بين الحين والآخر عن نجاح تلك الحملات في تنصير عدد كبير من الأفارقة، ويلعب الفقر دوراً كبيراً في نجاح تلك الحملات التي تعمل وفق أسلوب منظم حيث تبدأ بمنح الفقراء والمرضى حاجتهم من المال والعلاج من دون أي حديث عن التبشير أو تغيير الدين وشيئاً فشيئا يبدأ الحديث عن الثقافة المسيحية حتى يصل الأمر إلى حد نزع الهوية الثقافية ولهذا فإن التصدي لتلك الحملات التبشيرية يجب أن يكون بشكل منظم أيضاً وأن يستثمر العالم الإسلامي قيم التكافل والتكامل التي ينص عليها الإسلام كي نواجه حملات التبشير فليس ذنب المسلم الإفريقي أنه فقير حتى يتركه المسلمون نهبا لتلك الحملات التي تستهدف سلخه من هويته الدينية، وتجدر الإشارة إلى الدور الكبير الذي يلعبه العديد من الدول الإسلامية لوقف زحف الحملات التبشيرية على تشاد وغيرها من الدول الإفريقية، وتلعب الكويت ومصر والسعودية دوراً كبيراً في ذلك، فدولة الكويت تقوم بدور عظيم في مجال العمل الخيري في تشاد من خلال بيت الزكاة الكويتي، حيث تدعم المؤسسات الخيرية الإماراتية المساجد، وأنشأت العديد من المراكز الثقافية في الكثير من دول القارة السمراء، كما تعمل على إنشاء جمعيات وتمدها بالدعاة المتخصصين من أجل التوعية الإسلامية والتعريف الصحيح بالدين الإسلامي بالإضافة إلى إنشاء المستشفيات لعلاج المسلمين بالمجان.

● كيف تواجه المؤسسات الإسلامية في تشاد وفي مقدمتها المجلس حملات إذابة الهوية؟

- قبل سنوات عقد مؤتمر في الفاتيكان بخصوص تشاد وقال أحد القساوسة علناً أنقذوا الكنيسة في تشاد من خطر الإسلام وكانوا قد حددوا عام 2001 لإتمام تنصير المسلمين في تشاد والقارة السمراء، ولكن رد الله كيدهم إلى نحورهم ولم يتخل مسلم عن دينه، ورغم هذا العداء الخارجي لمسلمي تشاد إلا أننا كتشاديين ننعم بالتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين وبحكم أن الدولة علمانية فهي لا تمانع ولا تعطي ولكن في المقابل المسيحيين لديهم إمكانات هائلة مدعومة خارجياً، ولهم طموحات وآمال يسعون إلى تحقيقها ولو على المدى البعيد وهو ما دفعهم إلى بناء كنيستين في كل قرية لعلهم يجدون في المستقبل صيداً وهذه المخططات تتم عبر الجمعيات والمنظمات التبشيرية. المسلمون خرجوا من دائرة الاستعمار والحروب الأهلية التي استمرت ثلاثين عاماً ليجدوا أنفسهم محاطين بإغراءات التبشير والتنصير، ونحن نتحدى كل ذلك بما نستطيع ونتمسك بروح الإسلام وشريعته.

● كيف ترى حال الإفتاء في العالم الإسلامي وكيف نواجه فوضى الفتاوى المتضاربة؟

- ثمة تضارب شديد في الفتاوى عبر الفضائيات وأصبحت الفتاوى مصدر ثراء لبعض أصحاب القنوات الفضائية يخصصون أوقاتاً طويلة لاستضافة أشباه العلماء الذين يطلقون فتاوى مشبوهة وغريبة وتحول الاختلاف بين العلماء من رحمة إلى فتنة تهدد الاستقرار الاجتماعي في عالمنا الإسلامي، واختفت القضايا التي يجب على الجميع الاهتمام بها مثل قضايا الشعوب المسلمة التي ترزح تحت نير الاحتلال، وإن الخطر الذي يحدق بالمسلمين كبير، ولذا فبدلاً من أن ينبري العلماء إلى التشكيك في فتاوى بعضهم البعض عليهم أن يخرجوا من الخلاف لتتضافر الجهود من أجل تبصير مجتمعات المسلمين بالقضايا الحقيقية التي يجب أن ينشغل بها كل مسلم من بذل الجهد والعرق وامتلاك أسباب القوة السياسية والاقتصادية لأن هذا هو السلاح الرئيس للقضاء على أسباب ضعف المسلمين وهوانهم. 

back to top