عصر الثورة لـ إريك هوبزباوم... خريطة زمن التغيّرات في أوروبا
يرسم المؤرخ إريك هوبزباوم في كتابه «عصر الثورة» الصادر عن «المنظمة العربية للترجمة» خريطة شاملة للتغيرات التي حصلت في أوروبا والبلدان المجاورة خلال الثورتين الصناعية في بريطانيا، والسياسية في فرنسا من العام 1789 حتى العام 1848.
يصف هوبزباوم طبيعة العالم قبل الثورتين الصناعية والسياسية في فصل كامل من الكتاب، يتحدث فيه عن عالم يسوده اقتصاد زراعي بليد وفقر مدقع ومواصلات وتنقلات بطيئة بين أطرافه، باستثناء ما كانت تقوم به القوى الاستعمارية، خصوصاً القوة البريطانية الاستعمارية التي كانت تعتمد بشكل أساسي في تشكيل ثروتها على الاستغلال البائس لسكان المستعمرات. فقد كانت تأخذ منتجاتهم بأبخس الأسعار وتبيعهم منتجاتها بأثمان باهظة. من الهند مثلاً كانت تستورد القطن بأسعار متهاودة وتصنعها في لندن من ثم تبيعها للهند مجدداً بعد أن تعمدت القضاء على هذه الصناعة هناك. ويعتقد المؤرخ أن هذه السياسة إذا عمِّمت بشكل أوسع على باقي العالم ولزمن متقدم، لعرفنا فيه الأسباب التي جعلت أوضاع دول كثيرة متأخرة صناعياً وتقنياً، فهذه السياسة وانطلاقاً من تلك المرحلة تركت بصمتها على حركة تطوّر هذه البلدان وأثرت فيها حتى فترات انعتاقها من هذا الاستعمار.رأسمال متراكميشير الباحث إلى جملة من العوامل أدّت إلى حدوث الثورة الصناعية في بريطانيا، منها التجارة وتراكم رأسمال ضخم عنها، إضافةً إلى الحاجة الملحة لصناعة النسيج لتغطية مناطق المستعمرات البريطانية وبريطانيا نفسها، ما أدّى إلى ضرورة تطوير هذه الصناعة وتعزيز فرص استغلال الاكتشافات في الآلات البخارية والفحم الحجري الذي كان ضرورياً للصناعة آنذاك، ما أدى إلى ضرورة اختراع السكة الحديد لنقله إلى أماكن الاستهلاك في المصانع، وأرخى بظلاله على صناعة الصلب فتطوّرت وافتتحت مصانع عدة لتلبية الطلب المتزايد عليها. إضافةً إلى حاجات الصناعة الحربية البريطانية التي كانت مضطرة أنذاك لحشد الطاقات كافة لمواجهة حربها مع فرنسا، ما أدخل البلاد في نشاط اقتصادي غير مسبوق وانتعاش ملحوظ.أما الثورة الفرنسية فيرد الباحث أسباب اندلاعها إلى الحال المزرية التي وصل إليها الفلاحون بسبب ازدياد فرض الضرائب عليهم ومصادرة أراضيهم، إضافةً إلى الفساد وضعف الإدارة والبنية المالية في الدولة الفرنسية في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، ودخول فرنسا الحرب إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية في حربها الاستقلالية التي خاضتها ضد بريطانيا. هذه العوامل مجتمعة أثرت بشدة على حياة الفرنسيين فتوافرت التربة الخصبة لاندلاع شرارة الثورة للمطالبة بالحرية والإخاء والمساواة، وتمثّلت القوة التي تحركت للقيام بهذه التحركات بالمثقفين والفلاسفة يناصرهم الفقراء من حرفيين وصغار الكسبة في المدن الفرنسية الكبرى.نابليونيشير هوبزباوم بعد فراغه من تحديد أسباب اندلاع الثورتين إلى تعريف الآثار التي ألحقتها كل منهما في مكان اندلاعها وفي المحيط المجاور، مركزاً على الآثار التي تركتها الثورة الفرنسية أولاً لأن الشعوب الأوروبية كانت تعيش ظروفاً معيشية متشابهة وهي على استعداد للاستجابة لأي شرارة أو ثورة من أي جهة أتت. لذلك شنّت الدول الأوروبية، تحديداً بريطانيا، الحرب على فرنسا منعاً لانتشار عدوى ثورتها على أراضيها وكان لها ما أرادت حتى مجيء نابليون الذي أعاد كسب المعارك الواحدة تلو الأخرى، مطبّقاً قوانين الثورة في الأماكن التي يحتلها. وبهذا نستطيع القول إن هزيمة فرنسا عسكرياً لم تؤثر على نجاح فكرة الثورة وانتصارها وشيوع أهدافها في أرجاء القارة الأوروبية.وعلى رغم أن قوانين الثورة الفرنسية أُقرّت آنذاك في أماكن عدة وجرى التراجع عن بعضها أو أُرجئ تنفيذها في أماكن أخرى، فإن الدول التي استقرت حالها بعد الثورة الفرنسية آثرت إعادة الاعتبار إلى فرنسا وأقرت بضرورة سيادة مرحلة من السلام مخافة أن تؤدي ثورة أخرى إلى زعزعة الأنظمة التقليدية القديمة.ولم تمنع جهود كثيرة من وقوع موجات من الانتفاضات والثورات متأثرةً بالثورة الفرنسية الأم في أنحاء مختلفة من أوروبا في العام 1820-1821، والموجة الثانية في 1829-1834 أما الموجة الثالثة فكانت الأضخم جغرافياً وسكانياً في العام 1848. الثورة الصناعيّةلتحقيق طموحات الثورة الصناعية، كان لا بد من تحويل النظرة إلى طبيعة الأرض لتصبح أرضاً قابلة للبيع والشراء، وبذلك تنتقل ملكيتها إلى فئة تستطيع استثمارها بقصد تحقيق الأرباح. كذلك كان لا بدّ من تحويل سكان الأرياف الذين يملكون هذه الأرض أو يزرعونها إلى عمال مأجورين، وقد تحقق برأي الكاتب هذا الهدف في مناطق عدة كثيرة من أوروبا بين عامي 1789- 1848.يقول الكاتب أيضاً إنه من الدوافع التي غيرت وجه أوروبا تلك الزيادة السكانية في المناطق المتأثرة من الثورة المزدوجة، إضافةً إلى تطوّر المواصلات. ويورد في هذا المجال إحصائيات كثيرة حول زيادة عدد السكك الحديدية ومسافتها في أوروبا، والتوسّع الهائل في أساطيل النقل البحري التي شهدت تحولاً ثورياً في مجالات السرعة والحمولة. ناهيك عن تضاعف الهجرة والتجارة خلال فترة الثورتين.هذه التطورات كلها رسخّت أقدام التطوّر الصناعي، مترافقة مع الطفرة في العلم وتشكّل الطبقة الوسطى من هؤلاء الذين كانوا محل احترام نظراً إلى مكانتهم المحترمة بين غيرهم، خصوصاً التجار الذين، وعلى النقيض منهم، يمتازون بالأنانية وهو أمر مناف للروح الدينية التي كانت سائدة في نفوس الشعب والتي تتفق مع قيم فئة المتعلمين الذين كان ينظر إليهم بصفتهم الصفوة التي تريد الخير للآخرين ومد يد المساعدة لهم. وقد ساعد استيعاب دور هذه الفئة في تشكيل فكرة القومية في أوروبا، ورافقتها إجراءات معيّنة في بعض الأقاليم المشتركة جغرافياً وسكانياً في المجال الجمركي.أما الطبقة العاملة، وليد الثورة المزدوجة الشرعي الجديد، فقد شهدت حالتها بؤساً وقسوةً لم تعرف لهما مثيلاً طبقة أخرى. فصحيح أن النظام الرأسمالي حررها من الإقطاعي، لكنه حرمها من امتيازات عدة طالما تمتعت بها في ذلك النظام البائد، فبدأت تعاني من أشد الظروف قساوة وضعتها أمام مصير مجهول، ما دفعها إلى القيام بمحاولات عدة لتنظيم نفسها في نقابات واتحادات تراوحت مطالبها بين إلغاء النظام الرأسمالي برمّته أو أدنى من ذلك بقليل. إلا أنها غالباً ما كانت تُقمع وينكّل بها وتنتهي تحركاتها إلى الفشل. أرخت هذه الأزمات والظروف بظلالها على التأييد لهذه الثورة، وظل الموقف منها يتأرجح يمنة ويسرة من أشخاص كانوا من أشد مناصريها بسبب التكلفة المرّة التي دفعوها لانتصار هذا النظام الذي كان دعاته يؤكدون أن طبيعته ستفرض من تلقاء ذاتها حلولاً منصفةً للأزمات التي ينتجها. وقد عبّر عن هذه التأرجحات مفكرون بارزون في الفلسفة والاقتصاد أسسوا لفكرة الاشتراكية، وقد عكست هذه التطورات نفسها في الفنون والآداب التي بدأت تصوّر قضايا الإنسان المعذب في تلك الحقبة.لذلك يقول المؤلف إن الآثار التي خلفتها بدايات الثورة الصناعية على صعيد الظلم وما أدت إليه الثورة الفرنسية من دعوات لتثوير المجتمع وإنهاء البؤس، كلها أمور مهّدت وساعدت كثيراً للإنفجار الكبير في العام 1848.