خسرت أخاها في تفجيرات بالي... وترفض إعدام القتلى!

نشر في 10-05-2008 | 00:00
آخر تحديث 10-05-2008 | 00:00

في ذلك اليوم حلّت الكارثة، فقضت بوحشيتها على حياة أكثر من مئتي سائح. وفيما يستأنف الرجال الثلاثة، الذين يقفون وراء تفجيرات بالي، حكم إعدامهم الوشيك، توضح سوزان ميلر كيف خسرت أخاها دان في هذه الحادثة المأساوية ولمَ يجب إبقاء قتلته على قيد الحياة.

استيقظت باكراً على صياح المارة وأصوات السيارات وأبواقها، وهم يشقون طريقهم قرب فندق غايتواي في الهند. كنت أعاني من الارتباك والإرهاق بسبب فارق الوقت والحماسة الزائدة التي شعرت بها بعد وصولي إلى الهند، إذ حلّ أخيراً عيد مولد شريكتي تيريزا وبداية عطلة طال انتظارها، فأمضينا بضع دقائق من السعادة ونحن نخطط ليوم سنقضيه في الريف في مزارع الشاي ومحميات الطيور. ثم طرق موظف الفندق باب غرفتنا حاملاً الفطور، وما هي إلا فترة قصيرة حتى انطلقنا في رحلتنا. كنا آنذاك في الثالث عشر من شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 2002.

وفجأة أحسست في داخلي بشعور غريب دفعني إلى تشغيل هاتفي الخلوي، فأخذ يرنّ باستمرار معلناً عن تلقيّ رسائل عدة. ازداد خوفي وسارعت إلى قراءة الرسالة الأولى فحوت عبارة نخشاها جميعاً: «اتصلي بالبيت حالا».

كان هذا الاتصال أشبه بباب فخ أدخلني إلى عالم من الموت والإرهاب والدمار.

أجاب والدي في الحال على الهاتف وأنبأني أن انفجاراً مخيفاً وقع في بالي وأن أخي دان البالغ من العمر 31 عاما وزوجته بولي (كان قد مر على زفافهما خمسة أسابيع) وأنيكا، إحدى إشبيناتهما، أصيبوا. كذلك أطلعني أن الأخبار التي نقلتها وسائل الإعلام متضاربة وأن والدة بولي تحاول منذ 12 ساعة الاتصال بخطوط الطوارئ التابعة لمكتب الخارجية والكومنولث.

غمرتني موجة من الارتباك وهرعت إلى التلفزيون، وفيما رحت أردد لتيريزا ما أخبرني به والدي، حاولت العثور على محطة سي ان ان. ما هي إلا لحظات حتى بدأت معاناة مشاهدة مخلفات ذلك الانفجار المروع. لم أنسَ للحظة أن أخي وكثراً من الأصدقاء كانوا على مقربة من موقع الاعتداء. كان يزور الجزيرة برفقة فريق الرغبي الذي ينتمي إليه، وكم كان وقع الصدمة عليَّ كبيراً حين علمت أن عدد الضحايا قُدِّر بأكثر من 150 شخصاً.

ما زالت صورة دان، وهو يغادر سعيداً ليمضي شهر عسله، عالقة في ذهني وبقيتُ أردد في نفسي: «لا يموت الإنسان بعد زواجه بخمسة أسابيع، لا شك في أنه يستطيع النجاة، فهو شاب ومندفع ويتمتع بلياقة بدنية عالية، ولا بد من أنه ضاع وسط هذه الفوضى العارمة». على الرغم من ذلك، شعرت في أعماقي ببرودة المنطق القاتلة التي أنبأتني بأن عدم سماع أي أخبار عنه هو نذير شؤم وأن كل دقيقة تمر من دون أن يتصل تزيد المستقبل سواداً.

استقلّينا أول رحلة متوافرة إلى المملكة المتحدة. أردت أن أسافر مباشرة إلى بالي للبحث عن دان، لكنّ والديّ أصرا على أن أعود إلى الوطن. سافرنا ليلاً، ونحن على متن الطائرة رحت أرجو الله الذي لم أخاطبه منذ سنوات. كانت رحلة العودة مؤلمة جداً.

مرَّ وقت طويل قبل أن أتمكن من تقبُّل الواقع والإقرار بأن أخي ربما فارق الحياة. بدا لي ذلك أمراً مستحيلاً، كان جزءاً لا يتجزأ من حياتي طوال احدى وثلاثين عاما، وما زلت أذكر يوم ولادته. ترعرعنا معاً، ولطالما افتخرنا واحدنا بالآخر، وكثيراً ما تخاصمنا لنتصالح بعد ذلك ونلعب سوياً. علاوة على ذلك، ما زال أسرع عدّاء أعرفه وأبرع رجل رياضي وأمهر محامٍ وأخي الوحيد. وكلما فكرت في المعاناة التي يمكن أن يمر بها، شعرت بالألم يعتصر قلبي، وأملت أن يستقبلني والداي بالأخبار السارة بعد انتهاء رحلة الثماني ساعات هذه.

حطّت الطائرة في مطار هيثرو مع فجر ذلك اليوم المظلم والبارد من شهر تشرين الأول (أكتوبر)، لكن الأخبار التي تلقيتها كانت أشّد وقعاً: ما من أخبار عن مصيره أخي. قيل لوالديّ إنه قبيل الاعتداء كان يقف قرب المكان الذي انفجرت فيه القنبلة مع أصدقائه ورفاقه في الفريق الذين ما زالوا مفقودين ويُعتقد أنهم قُتلوا. أما بولي فأُصيبت بحروق خطرة ونُقلت جواً إلى مستشفى في أستراليا. فضلاً عن ذلك، تعطلت خطوط طوارئ مكتب الخارجية والكومنولث كلها، وبدا أن لا أحد يعرف ما كان يحدث. إلا أن مكتب الخارجية والكومنولث تمكن في النهاية من تعيين ضابط ارتباط للاتصال بنا، فاعتبرنا هذه الخطوة دليلاً مثبّطاً على أن الأوضاع خطرة للغاية.

بعد ذلك، اضطررنا إلى خوض نقاشات محيرة ومضنية معهم. كان علينا وصف ملامح دان الجسدية والعثور على سجلات أسنانه وإعطاء عينات من الحمض النووي وتقديم تفاصيل عن عنوانه في هونغ كونغ ومكتبه وفريق الرغبي للهواة الذي يلعب فيه في هونغ كونغ. رجونا طوال الوقت حدوث معجزة ورفضنا الاستسلام، شعرنا أنه أشبه بخيانة. وعندما أخبرت ضابط الارتباط بأن المعجزات تحدث أحياناً وأن دان قد يكون ممدداً على سرير إحدى المستشفيات وهو فاقد الوعي، ردَّ بلطف بالغ وقال إن جميع مَن في المستشفيات حُدّدت هوياتهم وبُلّغ ذووهم، إلا أن المشرحة مليئة بالجثث التي لم تُحدَّد هويتها بعد، فبدّد كل أمل لي بحدوث معجزة.

طوال الأسبوعين التاليين، انتظرنا وشعرنا بالتوتر كلما رنّ جرس الهاتف. تولّى السياح والناجون من فريق دان، الذين ظلّوا في بالي، مهمة التنقل في مختلف أرجاء المستشفيات والمشارح. كنا نستقبل كل يوم قافلة من شاحنات توزيع الزهور المحملة بباقات الورد والرسائل المثقلة بالحزن والوجع والتعاطف وعدم التصديق. تجنبنا مشاهدة التلفزيون لأن الصور مؤلمة جداً، وصرنا نصغي إلى الراديو ونقرأ الصحف. عشنا في خوف من أن يصل خبر فقدان أخي إلى وسائل الإعلام، فتحاصرنا كاميرات الصحف والتلفزيونات من كل جانب وتحدّ من حريتنا.

بدا لنا جلياً أن مكتب الخارجية والكومنولث في حالة فوضى عارمة، حتى اننا اضطررنا إلى إطلاعهم على آخر الأخبار من بالي. أعلمناهم باسم المستشفى التي نُقلت إليها زوجة أخي في أستراليا وأعطيناهم سجلات أسنانه. كذلك سافرت والدتي إلى أستراليا لتعتني ببولي وتساعد والدتها.

الخبر الأليم

تلقينا ذلك الاتصال الفظيع الذي خشيناه منذ البداية، حاملاً معه أخباراً أليمة. جرى التعرف رسمياً إلى جثة دان. في غضون أربع وعشرين ساعة، استقلّينا أنا وتيريزا الطائرة متوجهتين إلى إندونيسيا، وبما أن أبي يعجز عن السفر لأسباب صحية، بقي في المملكة المتحدة لينهي الترتيبات اللازمة. ومن إندونيسيا انتقلنا بالطائرة إلى الخراب والموت المنتشرين في بالي، وبدت علامات الصدمة والألم والرفض على محيّانا. ها نحن نقوم بهذه الرحلة لننقل جثة دان إلى المملكة المتحدة، فشعرت بألم وحزن لا يحتملان.

تمكَّنا في النهاية من معرفة ما حدث. في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2002، بعد عام وشهر ويوم من اعتداءات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، انفجرت في الساعة الحادية عشرة وثماني دقائق ليلاً قنبلتان بفارق ثوان قليلة في منطقة مليئة بالحانات والملاهي في مدينة كوتا المقتظة، التي تستقبل العدد الأكبر من السياح في بالي. كانت الحانات حافلة بالناس بسبب دورة الرغبي للهواة التي أُقيمت في نهاية الأسبوع تلك، وتدفق المغتربون من مختلف أنحاء آسيا الجنوبية لحضور هذه الدورة، بمن فيهم أخي وأصدقاؤه من هونغ كونغ وسنغافورة.

لفَّت القنبلة الأولى حول رجل اقترب من مجموعة من لاعبي الرغبي البريطانيين في حانة «بادي»، فوقف بينهم وفجّر نفسه، فتسببت بمجزرة فظيعة داخل الحانة ودفعت بالناجين إلى الشارع المقتظ في الخارج، فأصبحوا بذلك عرضة لفتك القنبلة الثانية التي وضعت في شاحنة صغيرة محمَّلة بمتفجرات ومواد كيماوية (نوع من النابالم) توقفت لتوِّها قرب نادي ساري، وهو عبارة عن حانة مفتوحة وحلبة للرقص وساهمت في إصابة الضحايا بأشدّ أنواع الحروق.

قاد السائق الشاحنة وأوقفها في وسط الطريق بين حانة بادي ونادي ساري الضخم الذي كان مزدحماً بالساهرين وفجر الشاحنة بعد 12 ثانية من القنبلة الأولى، متسبباً بانفجار هائل خلّف أضراراً في المباني على طول كيلومتر ونصف تقريباً وقَتَل وجَرَح عدداً هائلاً من الضحايا، بمن فيهم أخي. كذلك انفجرت قنبلة ثالثة قرب القنصلية الأميركية في بالي، لكنها لم تؤدِّ إلى خسائر في الأرواح.

لم يكن الإرهابيون على معرفة شخصية بضحاياهم، بل اختاروهم ليكونوا مجرد بيادق في لعبة. كانوا مجرد متفرجين أبرياء دفعوا حياتهم ثمناً كي يبعث الإرهابيون برسالة ما. قُدّرت حصيلة الوفيات رسمياً بمئتين وشخصين. وبسبب الدمار الهائل الذي خلفه الانفجاران، استغرق صدور العدد النهائي سنة، وما زال هذا الرقم غير دقيق. انتمى الضحايا الذين حُددت هوياتهم إلى 21 جنسية مختلفة شملت مختلف أصقاع الأرض، من الإكوادور إلى اليابان، ومن الولايات المتحدة إلى أستراليا، ومن كندا إلى السويد.

علاوة على ذلك، كان كثيرون من الضحايا الذين خسروا حياتهم يعرفون واحدهم الآخر. أخبر أحد أصدقاء دان، الذي حضر حفلة توديعه العزوبية قبل بضعة أشهر في سنغافورة، بأن نصف مَن حضروا تلك الحفلة ماتوا في بالي. كذلك قُتل اثنان ممن حضروا الزفاف، واحدة منهما اشبينته. فضلاً عن ذلك، تعرض المئات للإصابات، وعانى كثيرون من حروق خطيرة أو تقطعت أوصالهم.

في الأسابيع التالية، تبين أن هذه العملية الإرهابية نفذتها الجماعة الإسلامية، مجموعة إرهابية على علاقة بتنظيم القاعدة مقرها في جنوب شرق آسيا ويتزعمها رجل دين مسلم يُدعى أبا بكر باعشير.

بعد مرور 18 يوماً على عملية التفجير، وصلنا إلى مطار دنباسار في جزيرة بالي ولاحظنا كم كانت الحركة خفيفة. ثم انتقلنا بالسيارة عبر الشوارع شبه الخالية إلى فندقنا، الذي افتقد ضجيج السياح المعتاد. في اليوم التالي، رافقنا عناصر من الشرطة المحلية والشرطة البريطانية ومسؤولون من مكتب الخارجية والكومنولث لزيارة موقع الانفجار. ركبنا سيارة الشرطة وراحت أضواؤها تومض، فيما عبرنا الشوارع شبه المقفرة. بدت لي تلك الصورة غريبة وأذكر أنني فكرت: « حالة الطوارئ انتهت. فات الأوان، فالكارثة الأسوأ وقعت».

قطعت الشوارع المحيطة بموقع الانفجار بسبب الأنقاض، لذلك اضطررنا إلى متابعة الجزء الأخير من رحلتنا سيراً على الأقدام. وبمساعدة رجال الشرطة، تمكنّا أنا وتيريزا من السير فوق مئات الأمتار من الركام والزجاج المحطم، وفي الأماكن التي سُدت فيها الشوارع تماماً لاحظنا أن قوة الانفجار هدمت أجزاءً كاملة من المباني. كذلك صادفنا في رحلتنا هذه الكثير من السيارات المحطمة والكتل المعدنية المشوَّهة المعالم. وبما أنني مهندسة معمارية، هالني مدى الدمار الذي ألحقه الانفجار بالمباني المصنوعة من الإسمنت والحجارة، ففكرت آنذاك أنه ما كان علي ارتداء خفين، ثم تذكرت فجأة أن دان كان يرتدي خفين حين مات.

عندما بلغنا أخيراً موقع الانفجار، وضعت أغصان سنديان ووروداً خريفية ذابلة من حديقة والديّ قرب الحفرة، فيما تأملت مجموعة من الشرطة الجنائية الأسترالية والدبلوماسيين البريطانيين والخبراء المحلفين ما أفعل.

لن أنسى يوماً رائحة الموت المريعة التي لم تفارق أنفي طوال أشهر بعد ذلك اليوم. إلا أن ما آلمني كان واقع أن هذه المذبحة متعمَّدة ومدروسة ومخطط لها بعناية. كانت عملية توقيف المشتبه بهم بدأت، لكن تبين لنا جلياً أن الإرهابيين ما زالوا أحراراً. اضطررنا إلى ملازمة الفندق مرات عدة خلال إقامتنا القصيرة تلك بسبب تهديدات إرهابية، وأدركنا أن نوايا هؤلاء الإرهابيين في بالي مخيفة جداً.

في اليوم الذي غادرنا فيه بالي، عقدنا مراسم دينية لتأبين دان. حضر إشبين أخي واثنان من أعز أصدقائه من لندن وسنغافورة إلى بالي. قصدنا المشرحة على الرغم من أن الشرطة ومكتب الخارجية والكومنولث حذرونا من مغبة الذهاب إلى هناك بسبب تفشي حمى التيفوئيد. غير أن دان كان رجلاً متديناً ولم يبدُ لنا ملائماً مغادرة الجزيرة من دون أن نقيم له مراسم دينية، ولو بسيطة.

كان تابوته ملفوفاً بعلم المملكة المتحدة ووُضع على منصة مفتوحة الجوانب يظللها سطح من القصدير في وسط باحة المشرحة. رأيناه حالما اقتربنا من السور الصغير الذي يحيط بالمكان وخالجني شعور بأنه مسرور برؤيتي وأنه ممتن جداً لمجيئنا. وضعنا على التابوت صوراً له ولزفافه ولرفاقه في الفريق وتلا رجل دين أسترالي الصلوات، فيما تحلقنا حول التابوت تحت شمس آسيا الحارقة وألم هذا المشهد المريع والقاسي يعتصر قلوبنا. في حين وقفنا قرب جثمان دان الشاب نصلي لروحه، كان الكثير من الجثث الشابة الأخرى يحيط بنا في حاويات مبردة. حينذاك، لم أستطع أن أصدق في أعماقي ما حدث خلال الأسابيع الماضية وأن هذا التابوت يحمل جثة دان في داخله.

نتيجة هذه الرحلة إلى بالي، عجزنا أنا وتيريزا عن النوم طوال أشهر وراودتنا كوابيس مخيفة. صحيح أن مشاعر الخسارة والصدمة والحزن تتضاءل بمرور الوقت، إلا أن حجم المأساة ووقعها على أخي والضحايا الأخرى يظلان محزنين ومروِّعين كما في لحظة وقوع الانفجار. لا شك في أن خسارته مؤلمة جداً وتبرر الغضب الذي انتابنا، لكني اكتشفت أن هذا الغضب سيحجب صورته الجميلة في ذاكرتي إن لم أتخلص منه.

الإعدام

هل تلقّى الأشخاص الذين قتلوا أخي العقاب الذي يستحقونه؟ هل يستأهل علي غفران وإمام سامودرا وأمروزي بن نور هاشم، الذين يُفترض أن تُعقد قريباً جلسة الاستماع في طلب استئناف الحكم الصادر بحقهم، أن يواجهوا الموت إعداماً بالرصاص؟ هل من العدل إطلاق سراح الشيخ أبي بكر باعشير، الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية التي نفذت عملية التفجير، بعد أن قضى في السجن سنتين ونصف (انتهت مدة عقوبته قبل أربع سنوات في العام 2006)؟ هل يجب أن يكون رضوان عصام الدين، المتهم بتدريب قتلة دان، محتجزاً في خليج غوانتانامو؟ وهل يُفترض أن يُحاكم في النهاية في محكمة أميركية؟

لا شك في أن العالم سينسى في النهاية تفجيرات بالي، وسينسى أن الأفراد الأساسيين المتورطين في هذه الاعتداءات ما زالوا أحراراً طلقين، وسيظن أن عمليات الإعدام الثلاث، التي تبحث فيها المحاكم حالياً، ستريح نوعاً ما المحزونين والمجروحين، وسيفكر أن الوضع صار أكثر أماناً في بالي، وسينسى التفجيرات الإرهابية الفتاكة التي وقعت في الأعوام 2003، 2004، و2006 في إندونيسيا، وسينسى أن إطلاق سراح باعشير من السجن أتاح له متابعة نشر رسالة الكره التي يحملها ودعوة أتباعه لمهاجمة الغربيين ليصبحوا بالتالي شهداء في سبيل الإسلام، وسيخال أن عقوبة الإعدام تساعد أناساً، مثل والديّ ومثلي، على وضع «خاتمة» لهذه القصة.

إذا كان هذا ما يظنه العالم، فهو مخطئ بالتأكيد. قبل تفجيرات بالي، ظننت أن عقوبة الإعدام هي جواب عتيق الطراز وأخرق وخاطئ عن السؤال: ما هو العقاب الأمثل لمقترفي أخطر الجرائم؟ شعرت أن هذه العقوبة تنطوي على مشاكل أخلاقية وتطبيقية واضحة، لذلك يجب أن تصبح جزءاً من التاريخ. حتى انني نعتّ المدافعين عنها بمحبي الانتقام والرجعيين، فلم أستطع أن أفهم كيف يستطيع الناس دعم عقاب مطلق لا رجوع عنه مثل هذا، في حين أن تقصيرات النظام القضائي تظهر أن ما من إدانة معصومة من الخطأ وأن الهدف من المحاكمة تأكيد أن القتل جريمة.

قبل موت دان، آمنت أن عقوبة الإعدام رادع غير فاعل واعتقدت أن القاتل يجب أن يخضع لمعالجة أخلاقية تظهر له مدى فداحة أفعاله، وبهذه الطريقة يُعاد تأهيله. وفي حال استحالت توبة بعض الأفراد وإعادة تأهيلهم، فلا مشكلة لأنهم بذلك يزودون، حسبما ظننت، موارد لفهم العقل الإجرامي. كذلك تمسكت بالفكرة القائلة إن عقوبة الإعدام تنتهك حق الإنسان الأساسي بالحياة. نتيجة لذلك، لا يمكن تعليلها أخلاقياً.

لم أبدل رأيي بعد موت دان، ما زالت حيةً في ذاكرتي صورتي وأنا أقف قرب تلك الحفرة الشبيهة بالقبر في بالي وأحاول نسيان كل هذا الدمار لأشعر باللحظات الأخيرة التي عاشها أخي. صحيح أنني عجزت عن نسيان رائحة القتل ومدى فداحة تلك المجزرة، لكنني شعرت بوجوده هناك، وإن كان بعيداً عن متناول الأحياء.

كان أخي محامياً متعمّقاً في الحجج الأخلاقية والتطبيقية المحيطة بالقانون ودوره في المجتمع. اعتدنا مناقشة هذه المواضيع على طاولة العشاء في منزل العائلة، وغالباً ما أمضينا فترات طويلة ونحن نتجادل. وحسبما أذكر، آمن أن الحجج المقدمة ضد عقوبة الإعدام مقنعة وحاسمة، سواء كانت أخلاقية أو تطبيقية.

لا شك في أن ذلك اليوم كان الأكثر حزناً في حياتي. أكد لي مدى قدسية الحياة والتأثيرات الفظيعة للقتل. على الرغم من ذلك، ما زالت عقوبة الإعدام في نظري غير ملائمة وما زلت أشعر أن لا مبرر لأن يقدم إنسان على إنهاء حياة إنسان آخر عمداً.

العدالة رمزية: يمثل العقاب على جريمة ما رادعاً وتعويضاً للضحايا، أو لذويهم، ولو استطعت ابتكار نظامي القضائي الخاص لمحاكمة الرجال الذين خططوا عملية قتل أخي ونفذوها لاختلف الوضع. تُعتبر هذه التفجيرات جريمة دولية ضد أهداف دولية نفذتها منظمة دولية، لذلك أفضل أن يُحاكم هؤلاء في محكمة دولية تطبق القانون الدولي وتتيح لذوي الضحايا والناجين الإدلاء بشهادات عن تأثير هذه الجريمة في حياتهم والحزن والخسارة اللذين عانوهما. أتمنى لو يحكم على هؤلاء بقضاء عقوبات في سجون تديرها الأمم المتحدة من دون أن يضطروا إلى مواجهة عقوبة الإعدام.

لا شك في أن الجريمة، العقاب، الحكم، القصاص، الرادع، الشهادة، الحافز، والذنب هي مفاهيم معقدة لا تسهّل عقوبة الإعدام شرحها. لا أرى ما الفارق الذي سيحدثه إعدام علي غفران وإمام سامودرا وأمروزي بن نور هاشم في الذنوب التي اقترفوها. اثنان من الرجال الذين أعدوا القنابل وفجروها ماتا عندما حاولا بضراوة مقاومة عملية اعتقالهم، لكن موتهما لم يمنحني أي شعور بالراحة، بل استأت كثيراً لأنه لم يعد بالإمكان محاكمتهما ليختبرا معاناة الاحتجاز.

لن يبدل واقع أنني خسرت أخي، والحقيقة الوحيدة التي استطعت العثور عليها عبّر عنها المهاتما غاندي حين قال: «إن تطبيق مبدأ العين بالعين يجعل العالم بأكمله أعمى». وإذا دعمنا عقوبة الإعدام، نخطو خطوة مرفوضة نحو تصرف خاطئ مماثل لتصرف مَن نعدمهم.

لن أضيف على ما ذكرته إلا أن ضحايا الجريمة هم غالباً المنسيون. حصدت تفجيرات بالي حياة مئتين وشخصين وتسببت لكثر بأضرار جسدية ونفسية بليغة. مات أخي، محام متخرج من جامعة كامبريدج وأسرع عدّاء أعرفه، نتيجة تلك الأحداث الأليمة بعد خمسة أسابيع من زواجه وهو بعد في الحادية والثلاثين من عمره.

أخطر المجرمين

منذ تفجيرات بالي التي حدثت في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2002، اعتُقلت شبكة واسعة شملت أكثر من 30 إرهابياً مشتبهاً بهم، وأدين البعض منهم بتهمة التورط في هذه الاعتداءات. كذلك تبين أن كثيرين من هؤلاء المعتقلين على علاقة بالمجموعة الإرهابية الغامضة، الجماعة الإسلامية، التي يصفها العلماء بأنها فرع من فروع القاعدة. ومن بين هؤلاء أدين ثلاثة رجال بصفتهم العقل الاستراتيجي المدبِّر وراء هذه التفجيرات، وحُكم عليهم بالموت رمياً بالرصاص، وهم الآن يستأنفون عقوبة الإعدام الصادرة بحقهم. هؤلاء الرجال هم علي غفران (الشهير باسم مخلص) وإمام سامودرا وأمروزي بن نور هاشم. ستجدون في ما يلي نبذة عن كل منهم.

كان من المفترض إعدامهم السنة الماضية، لكن الاستئنافات المتكررة للأحكام الصادرة بحقهم حالت دون تنفيذ هذه العقوبة. وبعد محاولة فاشلة لنقض الحكم في الشهر الماضي، يخوض هؤلاء الرجال الثلاثة حالياً محاولة أخرى وستُعقد جلسة الاستماع الأولى هذه قريباً. كذلك اتُّهم رجلان بارزان آخران، هما أبو بكر باعشير ورضوان عصام الدين، بالتورط في هذه الاعتداءات، وما زال الثاني محتجزاً في خليج غوانتانامو وأدين الأول بتهمة التحريض على الإرهاب، ولكن أُطلق سراحه في حزيران (يونيو) من العام 2006.

علي غفران (الشهير باسم مخلص)

يُعتقد أنه تعلم في المدرسة الداخلية الإسلامية في منطقة سولو في وسط جافا، التي يديرها أبو بكر باعشير. تقول الشرطة إنه حضر الإجتماع الأول لمخططي عملية بالي في بانكوك في شباط (فبراير) من العام 2002، وفي هذا الاجتماع اتُخذ القرار بضرب أهداف «سهلة». يُقال إنه كان المسؤول العام عن الاعتداء وأعطى الأمر بتنفيذ العملية مخططاً وممولاً لها.

أمروزي بن نور هاشم

يُعتقد أنه كان يملك شاحنة استُخدمت في تنفيذ إحدى عمليات التفجير، فضلاً عن مساعدته في تأمين المتفجرات. يُقال إنه ارتاد المدرسة الإسلامية ذاتها التي درس فيها مخلص وإنه خطط لعملية التفجير مع إمام سامودرا والتقى به في بالي قبل ستة أيام من الانفجار.

إمام سامودرا

اختار الهدف وترأس اجتماع التخطيط للعملية. يقول المدعون العامون إنه بقي في بالي أربعة أيام بعد الاعتداء ليرى ما ستسفر عنه عمليات الشرطة. قدم أدلة في محاكمة أبي بكر باعشير المنفصلة، ذاكراً أن التفجيرات كانت جزءاً من عمليات جهادية.

أبو بكر باعشير

مدرّس سابق في مدرسة إسلامية في سولو في جافا ويُقال إنه الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية. اتُّهم بتورطه في التفجيرات التي نُسبت إلى الجماعة الإسلامية، بما فيها تفجيرات بالي عام 2002، وحُكم عليه بالسجن مدة 30 شهراً بتُهمة التحريض على الإرهاب. أُطلق سراحه في حزيران (يونيو) من العام 2006 بعد 26 شهراً من السجن. دعا أخيراً إلى المزيد من الاعتداءات على السياح الذين يتجاهلون القيم الإسلامية.

رضوان عصام الدين الشهير باسم حنبلي

ولد في إندونيسيا، واسمه الحقيقي رضوان عصام الدين. يُعتقد أنه كان قائد عمليات ينتمي إلى الجماعة الإسلامية. مطلوب القبض عليه في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والفيلبين بسبب سلسلة من الاعتداءات، يقبع الآن في سجن خليج غوانتانامو. يُقال إنه متورط في اعتداءات بالي عام 2002.

back to top