التنزيــل

نشر في 22-09-2008
آخر تحديث 22-09-2008 | 00:00
 د. حسن حنفي مما يؤكد صلة الوحي بالواقع مفهوم «التنزيل». وهو أيضا لفظ قرآني ورد أكثر من لفظ «الواقع» حوالي ثلاثمئة مرة. أكثرها اسم صلة «ما نزل» (سبع وسبعون مرة) للدلالة على الشيء العام حسيا أو معنويا، بعد ذلك يأتي الكتاب (أربع وأربعون مرة) أي الوحي ثم الماء (اثنان وثلاثون مرة) مما يدل على أن النزول من السماء من أعلى إلى أدنى إما فكرا وهو الوحي أو ماء لنبات الأرض. وكلاهما نبت. الأول في الشعور، والثاني في الأرض. كلاهما تخصيب ونماء. الأول في الوعي، والثاني في الطين. «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً»، «وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ» حتى تنبت الأرض دون فيضان أو جفاف. وهو ماء مبارك، «وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا». ومع الكتاب يُذكر الحق، والفرقان، والحديث، والذكر، والقرآن، والحكم، والآية، والسورة، والفضل، والأمر، والنور، والسكينة، والتنزيل. وكلها تدل على النزول المعنوي. ويدخل في ذلك التوراة والإنجيل. ومع الماء يذكر الغيث، والملائكة، والشياطين، والمائدة، والرزق، والمن، والسلوى، والجبال، والبرد، والجنود، والأنعام، والحديد، والرجس، والسلطان. والنزول يكون بالحق ومرتبط به (ثلاث مرات). وبالتالي ارتبطت الألفاظ الثلاثة: الوحي، والواقع، والنزول. وما ينزل له سلطان، أي له قوة التحقق والوقوع. وكل ما ينزل دون حق لا يكون له سلطان. لذلك ارتبط النزول بالسلطان (ثماني مرات). ونزول الحق للذكر والحفظ والبقاء. ويكون الحفظ والبقاء نصا مدونا بلا تحريف، وفكرا صائبا بلا تشبيه، وسلوكا خالصا بلا مواربة. ويحدث ذلك كله في الشعور وفي الذهن وفي الفكر والسلوك، في الفرد والجماعة، في الحاضر وفي التاريخ والماضي والمستقبل. يحدث للتصديق والبيان والهدى والرحمة والشفاء والحكم حين الاختلاف والأمر والسكينة والفرح...الخ، تنزيل في عالم الحياة. ويتطلب التنزيل أربعة أشياء: مصدر التنزيل، كيفية التنزيل، موضوع التنزيل، مكان التنزيل. فمصدر التنزيل هو رب العالمين «وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ». وهو تنزيل ممن خلق السموات والأرض «تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ». أي أنه تصرف في ملكه وتنظيم له. وهو الله العزيز الحكيم «تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ». وهو الرحمن الرحيم «تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وهو الحكيم الحميد «تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ». وهو العزيز الرحيم «تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ». فالتنزيل تعبير عن الصفات الإلهية، الربوبية والعزة، والرحمة والحكمة، وهو من طبيعة الكرم الإلهي، وهو في نفس الوقت لمصلحة الإنسان، فهو نزول بالحق ومن الحق «وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ». والحق قوة وسلطان «مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ». أما كيفية التنزيل فإنه تنزيل متدرج متتال على التوالي، عدة مرات «وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً» طبقا للحاجة والمواقف التي تستدعي طلبا، والمشاكل التي تتطلب حلا. وهو ما سماه علماء القرآن «أسباب النزول». لم يتم التنزيل دفعة واحدة كما حدث في الكتب المقدسة السابقة بل على مدى ثلاثة وعشرين عاما في مكة لتأسيس العقائد، وفي المدينة لوضع التشريعات. وقد نزلت التوراة من قبل «مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ». نزل القرآن على مهل، خطوة خطوة حتى يتغير الواقع «لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً»، وقد حملته الملائكة «وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً». ونزل الروح وهو جبريل «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ». وهو الروح الأمين «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ».

أما موضوع التنزيل فهو الكتاب الذي لا ريب فيه «تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ». وهو الوحي والرسالة والأمانة والحق والفرقان والقرآن. والكتاب هو الأعم «أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا». وقد طلب أهل الكتاب كدليل على صدق الرسول أن ينزل عليه الكتاب «أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا»، يقرءونه كما نزلت عليهم الكتب السابقة، «حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ». وقد تنزل سورة وهي جزء من الكتاب لبيان أن الوحي نزل مفرقا «يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ» لتفضح موقف المنافقين. أو آية، أصغر من السورة «وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ». ويسوؤهم أن ينزل بساحتهم في الصباح «فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ». ويتمنون ألا ينزل شيء، «قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ». وهو الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ». وهو أحسن الحديث كتابا. وهو الذكر الذي يدخل في القلب فيذكره «يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ». وهو القرآن «لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ»، «وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ». وفي التنزيل تبيان كل شيء «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ». ليس التنزيل إذن مجرد شيء نزل من السماء بل هو معرفة وحكمة وحق وهدى وتغيير في المجتمع، وحركة في العالم.

أما مكان التنزيل فهو الرسول «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً». فالرسول واسطة للتبليغ بين الحق والناس «وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ». وهو محمد الرسول «وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ». وهو عبدالله «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا». ولا ينزل إلا على قلب عربي لأنه بلسان عربي مبين «وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ». وقد نزل على قلب الرسول مباشرة في وعيه وضميره «فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ»، حتى ينبت ويستثمر ويخرج للناس في الحديث هدى وتفصيلا. وكما تنزل الملائكة والروح على الرسول تنزل الشياطين على كل أفّاك أثيم. فالسؤال، «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ»، والإجابة «تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ». فالشياطين تنزل بالغواية «وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ». وقد كان الصحابة عند سماع القرآن يشعرون كأنه نزل عليهم مباشرة وهو ما قاله الصوفية أيضا. وربما هو ما يشعر به كل مؤمن.

* كاتب ومفكر مصري

back to top